تسابق
كل من الصين وإيران الزمن لإبرام صفقة
نفطية قيمتها نحو 100 مليار دولار، وسط
أجواء مشحونة بالتوتر وتوقعات بفرض
عقوبات اقتصادية وسياسية على إيران
تصل لحد الحظر، ولم تستبعد توجيه ضربة
عسكرية لها، بحسب تقارير إعلامية
متطابقة.
وشهدت
الأزمة الدولية بسبب البرنامج النووي
الإيراني في الفترة القليلة الماضية
تصعيدا من طرفي الصراع متمثلا في إيران
من جهة والقوى الغربية من جهة أخرى،
حتى وصلت إلى قيام إيران بفض أختام
وكالة الطاقة الذرية من على منشآتها
النووية، واستئناف تخصيب اليورانيوم
المشع، وفي المقابل فإن أصواتا غربية
باتت تعاود الحديث عن عمل عسكري ضد
طهران.
وينتظر
أن يصل وفد صيني رسمي لإيران أوائل
مارس المقبل لإنهاء الصفقة التي تقوم
بمقتضاها شركة صينية كبرى بتطوير حقل
"يادافاران" النفطي الإيراني
العملاق، بحسب مجلة "شينجينج"
الصينية المرموقة.
وقالت
صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في
تقرير لها السبت 18-2-2006: إن الطرفين
الصيني والإيراني يحاولان إتمام
الصفقة في الأسابيع المقبلة قبل
العقوبات الاقتصادية التي ينتظر فرضها
على إيران.
وتذهب
توقعات وتحليلات سياسية
وجيوإستراتيجية وتقارير إعلامية
غربية إلى احتمال توجيه القوى الغربية
وعلى رأسها واشنطن ضربة عسكرية لمنشآت
إيران النووية؛ حيث يتهمونها بأن
برنامجها النووي عسكري ويهدف لإنتاج
أسلحة غير تقليدية، فيما تصر إيران على
أن برنامجها النووي سلمي يهدف إلى
إنتاج الطاقة.
جدير
بالذكر أنه قبل توجيه ضربة عسكرية
للعراق في مارس 2003، فإن نظام صدام حسين
قام بإبرام صفقة نفطية مع روسيا وصلت
قيمتها 40 مليار دولار أملا في أن تقوم
الأخيرة بإعاقة الجهود الأمريكية
الرامية للإطاحة به.
ونقلت
مجلة "شينجينج" في تقرير لها بثته
يوم 17-2-2006 أن شركة الصين
للبتروكيماويات (صينوبيك) إحدى كبرى
الشركات العاملة في حقل النفط هي التي
سوف تقوم بتطوير حقل "يادافاران"
الإيراني، وفي المقابل فإن الصين سوف
تشتري نحو 10 ملايين طن غاز طبيعي مسال
من إيران خلال 25 عاما تبدأ من عام 2009،
بحسب ما نقلته المجلة عن ماو شولينج
عضو مجلس إدارة "صينوبيك".
ورفض
مسئولون إيرانيون وصينيون التعليق على
التقرير، فيما نقلت المجلة الصينية
التي تغطي الأنشطة الاستثمارية
والمالية عن مسئولين في السفارة
الصينية بإيران تعقيبا غامضا مكتوبا
قالوا فيه: إن البلدين يعملان معا في
مجالات الطاقة العديدة، "متبعين أسس
تبادل المنفعة والاحترام المتبادل في
التعاون المشترك".
وبحسب
المجلة الصينية، فإن مسئولين إيرانيين
وصينيين تقابلوا في ديسمبر 2005،
وتبادلوا الحديث حول تفاصيل إبرام
الصفقة.
غير
أن مسئولا صينيا بارزا نفى علمه
بالصفقة لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية،
وقال "ما لي" من وكالة التخطيط
بالصين للموارد والطاقة: "لا أعلم
شيئا عن هذا، لا أستطيع الإجابة عن
أسئلتكم".
لكن
المجلة الصينية "شينجينج" نقلت عن
"ماو شولينج" عضو مجلس إدارة
صينوبيك قوله: "إن البلدين والشركات
الداخلة في الصفقة سوف يبرمونها رغم
الجدل الثائر حول برنامج إيران النووي".
وتمتلك
صينوبيك بمقتضى الصفقة حوالي 51% من
أسهم مشروع حقل يادافاران، فيما تمتلك
مؤسسة الهند للنفط والغاز الطبيعي
وتبحث
الصين عن الوقود الحفري سواء كان نفطا
أو غازا طبيعيا لدعم اقتصادها النامي
بسرعة عالية، واستطاعت انتزاع عقود
وفرت لها بعضا من احتياجاتها في أماكن
بعيدة عنها مثل أستراليا وفنزويلا
وكازاخستان ونيجيريا، وتعد أكبر
مستثمر نفطي في السودان الواعد نفطيا.
وكما
أثارت استثمارات الصين النفطية في
السودان حفيظة الغرب باعتبار أن هذه
الخطوات الاستثمارية المتزايدة في
مجال النفط بالبلد الأفريقي تقوض
الجهود الدولية الرامية لإعادة
السودان إلى التوافق ورغبات القوى
الغربية الكبرى، فإن "واشنطن بوست"
ترى أن الصفقة الإيرانية الصينية يمكن
أن تطيح بمساعي إدارة الرئيس الأمريكي
جورج بوش لعزل هذا البلد الشرق أوسطي
بسبب إصراره على خططه النووية.
وتنامى
في الفترة الأخيرة حجم التجارة
المتبادلة بين إيران والصين بسرعة؛
حيث زادت المبادلات بين البلدين من 1.2
مليار دولار عام 1998 إلى حوالي 10
مليارات دولار عام 2005، بحسب وزارة
التجارة الصينية.
وفيما
يرى محللون في الصين أن الصفقة لا تعدو
كونها مسعى لتوسيع موارد النفط
الصينية التي تتزايد لها الحاجة بسبب
اقتصادها النامي بسرعة، يرى آخرون أن
السرعة التي يريد الصينيون
والإيرانيون إبرام الصفقة بها تشير
إلى رغبة صينية في عرقلة المساعي
الأمريكية لفرض حظر على إيران
باعتبارها، من وجهة نظر واشنطن، "دولة
مارقة" ترغب في إنتاج أسلحة نووية.
ويتوقع
محللون آخرون أنه إذا لم تقم الصين
باستخدام حق النقض (الفيتو) الذي تملكه
في مجلس الأمن ضد محاولات الغرب
استصدار قرار دولي بفرض حظر على إيران،
فإن الصين ستهدد تلك العقوبات
بالتقويض وستعمل على تقليل آثارها قدر
المستطاع ولو على قطاع النفط الإيراني
بالأساس.
ويعلق
"شين دينجلي"، خبير العلاقات
الدولية بجامعة فودان بمدينة شنغهاي
الصينية، قائلا: "إن التوقيت بالفعل
مثير"، معتبرا أن سرعة إبرام الصفقة
وتوقيتها "محاولة صينية إيرانية
لزيادة مخزوناتهما من النفط قبل فرض
الحظر الاقتصادي على إيران إذا تم
تطبيقه، فضلا عن كونها رسالة مغزاها
أنه حتى إذا تم تطبيق الحظر، فإنهما
سوف يقللان آثاره حتى لا تمس النفط".
جدير
بالذكر أن نهم الصين للموارد النفطية
يعد أحد أهم الخطوط الاسترشادية في
سياساتها الخارجية؛ حيث سبق وأن هددت
باستخدام حق النقض إذا ما حاول مجلس
الأمن استصدار قرار بفرض حظر اقتصادي
على السودان.