اعتبرت
مصادر سورية شبه رسمية أن استعانة دمشق
بالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة
لتوجيه المؤسسة الدينية إلى لعب دور
تنموي في المجتمع والتصدي لنزعات
التطرف، يعكس قلقها من تنامي أشكال "التعصب
الديني" في البلاد ومن تداعيات
الوضع في العراق المجاور.
غير
أن مصادر إسلامية سورية انتقدت هذا
التوجه، ورأت أن مواجهة التطرف يجب أن
تتم من الداخل وليس عن طريق الاستعانة
بالخارج، وأن غياب مناخ الحريات في
البلاد يشكل السبب الرئيسي لبروز
ظاهرة التطرف والعنف.
وفي
تصريحات لـ "إسلام أون لاين.نت"
أقرت مصادر شبه رسمية سورية طلبت عدم
كشف هويتها الأربعاء 15-6-2005 أن "دمشق
بدأت تشعر بالقلق من أجواء التزمت
والانغلاق وتوسع الحركة السلفية
الجهادية في أنحاء سوريا؛ حيث شاع
الانحراف والتعصب الديني والتكفير في
المجتمع السوري".
وأعربت
المصادر نفسها عن مخاوفها من انعكاس
الوضع الأمني في العراق على البلاد
وانتقال النزعات القومية والعرقية
والمناطقية والدينية التي نشرت التطرف
بالشرق الأوسط. واعتبرت أن هذه المخاوف
انعكست في قرار المؤتمر القطري العاشر
لحزب البعث السوري (6-9 يونيه 2005)
باستبعاد تشكيل أحزاب تحت مسميات
دينية، تأتي في مقدمتها جماعة الإخوان
المسلمين بالرغم من تبنيها برنامجا
سلميا للتغيير.
وقالت
المصادر: إن "السلطات السورية عاقدة
العزم على مواجهة هذا التطرف والعنف
قبل أن يستشري في البلاد أسوة ببعض
الدول العربية والإسلامية".
وأوضحت
أن "بعض المناطق السورية احتضنت
نشاط خلايا إرهابية أعلنت السلطات
الأمنية تفكيك إحداها في دمشق، كانت
تابعة لتنظيم يطلق عليه (جند الشام
للجهاد والتوحيد)" في نهاية
الأٍسبوع الماضي. وقتلت قوات الأمن
عضوين بالخلية وصادرت أسلحة وذخائر
وأجهزة لاسلكي وقنابل ومنشورات، بحسب
مصادر أمنية سورية.
 |
|
النائب الإسلامي السوري محمد حبش |
وكانت
سوريا قد وقعت اتفاقا مع "البرنامج
الإنمائي للأمم المتحدة" لتحويل دور
"رجال الدين والمؤسسات الدينية إلى
اتجاه تنموي يحد من التعصب"
بالاعتماد على أساليب جديدة تدعمها
الأمم المتحدة ببرامج للتأهيل
والتطوير والمناهج الدراسية وتعزيز
قدرات المؤسسة الدينية ومهارات
العاملين فيها.
وجاء
الاتفاق بعد لقاء جرى الإثنين 13-6-2005
بين الرئيس السوري بشار الأسد ومديرة
المكتب الإقليمي للدول العربية في "البرنامج
الإنمائي" ريما خلف هنيدي شجع فيه
الرئيس السوري على توقيع الاتفاق
لضرورة التركيز على الدور التنموي
للدين.
وكانت
سوريا قد رفضت من قبل توقيع مثل هذا
الاتفاق، وأبدت تحفظات عليه.
ووقع
الاتفاق كل من المنسق المقيم للبرنامج
الإنمائي علي الزعتري ووزير الأوقاف
السوري أنس الأيوبي.
وفي
تصريح لـ"إسلام أون لاين.نت"
الأربعاء 15-6-2005، قال الزعتري: "إن
البرنامج سيقدم لرجال الدين والمؤسسات
الدينية برنامجا للتأهيل ولتطوير
وتعزيز قدرات المؤسسة الدينية ومهارات
العاملين فيها".
وأشار
إلى أن البرنامج سيستعين بوسائل
الإعلام المحلية والاتصالات المعاصرة
وتكنولوجيا المعلومات والندوات
العلمية والنشاطات الشعبية في التوعية
وتعزيز قدرات المؤسسات الدينية.
بين
النجاح والفشل
ويرى
خبراء للأمم المتحدة شاركوا في توقيع
الاتفاق مع سوريا أن "ظاهرة العنف
والتطرف التي اجتاحت مؤخرا المجتمعات
العربية والإسلامية جاءت بسبب الفقر
والجهل أحيانا وأحيانا أخرى بسبب
مناهج التعليم المتشددة".
وفي
تصريحات لإسلام أون لاين.نت، قال هؤلاء
الخبراء الذين رفضوا الكشف عن هويتهم:
إن هذه الأسباب "تؤدي في النهاية إلى
تبني أشخاص وجماعات أفكارًا متطرفة
تواجه أنظمة حكم متفردة بالسلطة
وتمارس العنف هي الأخرى وتشجع أحيانا
بعض الجماعات المتطرفة لتحقيق أهدافها
السياسية داخليا وخارجيا".
وأضاف
الخبراء أنهم سيسعون مع الدولة
السورية للتحكم في جميع الظروف
المحيطة للوصول إلى الأهداف المطلوبة
للبرنامج من أجل احتواء ظاهرة التطرف
قبل أن تستفحل.
كرة
نار
لكن
النائب الإسلامي محمد حبش استبعد أن
ينجح المشروع التنموي للأمم المتحدة
في التعاطي مع الخطاب الإسلامي
وتطويره وتنميته لأن هذا "شأن
إسلامي داخلي بحت لا علاقة لأحد به".
وكان
حبش قد اقترح على الحكومة السورية
تأسيس "مجلس وطني للتوجيه الديني"
بما يساهم في "الحد من ظاهرة التعصب
الديني التي بدأت تظهر في البلاد".
لكن القيادة القطرية السابقة لحزب
البعث رفضت الفكرة واعتبرتها "كرة
نار ومن الخطورة المساس بها"، حسبما
قال الدكتور حبش لـ "إسلام أون لاين.نت".
كما
انتقدت مصادر إسلامية سورية طلبت عدم
توضيح انتماءاتها الاتفاق، وقالت: "إن
الإسلام لا يحتاج إلى خبراء أجانب
لتعليم جماهير الإسلام دينهم الذي نص
عليه القرآن الكريم والسنة ونبيه
الرسول الكريم".
وشككت
تلك المصادر الإسلامية في هدف ودوافع
هذا الاتفاق "لتغيير المناهج
الدراسية الدينية تحت ستار القضاء على
التعصب وعن طريق الأمم المتحدة".
ثقافة
التنوير
في
المقابل، رأى بعض العلماء الذين
التقتهم "إسلام أون لاين.نت" في
الجامع الأموي بدمشق القديمة أن "بعض
الفتاوى والخطابات شكلت في الفترات
السابقة أرضية ومناخا انبعث منهما
الإرهاب، ويجب إعادة النظر فيها
والتوجه نحو ثقافة التنوير للتحرر من
ثقافة الظلامية".
وطالب
عدد من هؤلاء العلماء بانتهاج الخيار
الأمني إزاء هذه الأفكار المتشددة؛
لأنه سيمثل "المعالجة الحقيقية
لاستئصال جذور الإرهاب لأن أهل
الإرهاب لا يملكون ثقافة الحوار".
مسئولية
السلطة
لكن
مصادر إسلامية أخرى رأت أن "النهج
المتشدد للسلطة وإلغاء الآخر واستخدام
وسائل العنف المختلفة لتحقيق أهداف
السلطة والتفرد بها وغياب الحريات
والديمقراطية وانسداد أفق التعبير
السلمي أمام الحركات والأحزاب
السياسية واستعمال الوسائل البوليسية
وفرض توجهات فكرية علمانية من قبل
الجهات الرسمية السورية وعدم الحوار،
إنما يشجع بقوة على حالات الإحباط
واليأس؛ وهو ما يدفع إلى الاستفزاز
واللجوء للعنف كسبيل وحيد متاح
للتغيير والإصلاح".
ورأى
فريق ثالث أنه "لا بد من التفريق بين
التعامل مع التطرف بإطاره الفكري وبين
التطرف الذي أصبح في دائرة الممارسة
المادية العنيفة وألا يطبق نفس
الأسلوب الأمني المفجع تجاه التطرف
الفكري الذي ينبغي أن يواجه بالحوار".
وطالب
أنصار هذا الرأي بـ"إعطاء استقلالية
حقيقية لمؤسسات التوجه الديني وعدم
توظيفها كأداة لتوجهات السلطة
السياسية حتى يتاح الفهم الحقيقي
للإسلام مع عدم ربط التطرف بالإسلام".
ويوجد
في سوريا نحو ثمانية آلاف جامع و125
معهدًا لتحفيظ القرآن و25 معهدا لتدريس
علوم الدين ودراسات عليا في الشريعة
الإسلامية.
ويشكل
السنة الأغلبية في كافة المحافظات
السورية ومنها حماة 64،6% باستثناء
اللاذقية على الساحل السوري، حيث يشكل
العلويون فيها نسبة 62،1 %، والسويداء
جنوب سوريا حيث يشكل الدروز فيها نسبة
87,6%.
وتوجد
طوائف مسيحية كبيرة وأقلية من "الإسماعيليين"
في منطقة السلمية. ويشكل الأكراد أقلية
عرقية متماسكة في المناطق الشمالية
المتاخمة لتركيا.