|

|
"الخطوط الحمراء" توقف الإعلام بتونس
|
|
تونس-
محمد فوراتي- قدس برس- إسلام أون
لاين.نت/ 21-2-2005
|
 |
|
الرئيس التونسي زين العابدين بن علي |
جدّد
عدد من الإعلاميين والمنظمات والأحزاب
في تونس مطالبتهم بإعادة النظر في
القوانين والإجراءات التي تقيد حرية
الإعلام، وذلك بمناسبة بدء
الاستعدادات لتنظيم قمة المعلومات
الدولية في تونس، في شهر نوفمبر 2005.
واتفقت
شخصيات تونسية عديدة تحدثت لوكالة "قدس
برس" على تقويم سلبي للتجربة. وأكد
نشطاء وحقوقيون وسياسيون وصحفيون أن
وضع الإعلام التونسي، سواء كان
مرئيًّا أو مسموعًا أو مكتوبًا، يحتاج
إلى إرادة سياسية حقيقية، حتى يخرج من
أزمته الراهنة، وإلى مماثلة بين
القوانين النظرية وتطبيقها في الواقع،
حتى يتحرر الصحفي، ويتقدم المشهد
الإعلامي.
ويقول
المحامي أحمد نجيب الشابي الأمين
العام للحزب الديمقراطي التقدمي: "مما
يأسف له المرء أن تصنف بلادنا من بين
الدول العشرة الأقل احترامًا لهذه
الحرية، وهو البلد الذي امتاز
بالريادة في هذا الميدان، واختار
لصحيفته الأولى اسم (الرائد التونسي)،
وبنى على مرّ قرن ونصف القرن تقاليد
صحفية نفتخر بها ونباهي، وهو يزود
اليوم الفضائيات والصحف العربية بأفضل
صحفييه الذين اختاروا الهجرة على
التصحر".
وتوجد
في تونس قناتان عموميتان واحدة فضائية
هي "تونس 7"، والأخرى أرضية
شبابية، هي "قناة 21"، ووكالة
أنباء رسمية، وحوالي 166 صحيفة ومجلة
بين يومية وأسبوعية وشهرية ودورية،
تقول المعارضة: إن الحكومة تهيمن عليها
هيمنة شبه مطلقة، من خلال احتكار البث،
وتعيين المسئولين، والتحكم في توزيع
الإشهار والرخص، وقائمة الممنوعات
والخطوط الحمراء الملزمة.
وقد
تم منذ عام فتح الفضاء السمعي البصري
للخواص، وبعثت إذاعة خاصة، سميت إذاعة
"موزاييك"، وفضائية وحيدة سميت
"حنبعل"، على اسم قائد قرطاجي
قديم.
الخطوط
الحمراء
ويؤكد
مختار الجلالي -النائب السابق
بالبرلمان- أن الخطوط الحمراء التي
ترفع في وجه الصحافة التونسية كثيرة،
وتتمثل في مواضيع لا يقع التطرق إليها
عادة إلا بحذر شديد. أما التعليمات
الصادرة عن أجهزة السلطة إلى الصحف فهي
واقع يومي، ولا أدل على ذلك من النصوص
المستنسخة التي تنشرها صحف مختلفة،
والمقالات غير الموقعة التي تمثل وجهة
نظر جهات في السلطة، وكذلك الحرص
الواضح على أن يكون الإعلام بوق دعاية
لسياسة الحكومة.
ويضيف
أن "أجهزة الإعلام والمشرفين عليها
يعتبرون أن البَوْح بالرأي لا يزال من
المحرمات، وأن المعارض الذي يمارس
دوره بجدية وبصدق إنسان متهور أو غير
وطني.. وعلى سبيل المثال فقط أورد هنا
ما صدر عن مدير جريدة (لابرس) الرسمية
عندما طالب عددًا من نواب المعارضة
بالعفو التشريعي العام، من أننا نحاول
قطع الغصن الذي نجلس فوقه، وبأننا نشجع
الإرهابيين، علاوة على تلميحه إلى
أننا تنكرنا للجميل بعد أن تمّ إدخالنا
البرلمان على سبيل (المزيّة) أي المنة،
فعضضنا اليد التي تكرمت علينا، وبصقنا
في الحساء، حسب تعبير منصف قوجة، مدير
تلك الجريدة آنذاك".
ممنوعات
غير سياسية
وتعتقد
هندة العرفاوي الصحفية بجريدة (لابرس)
الناطقة بالفرنسية أن هناك خطوطًا
حمراء صريحة في مختلف وسائل الإعلام،
وتتعلق ببعض الأحزاب السياسية
المعارضة، أو ببعض الشخصيات المغضوب
عليها، والقائمة تتغير حسب الطقس
السياسي. وهناك مواضيع جديدة يمكن أن
تدخل ضمن الممنوعات، بحسب حالة القلق
التي قد تنتاب المسئولين، حتى وإن كانت
غير سياسية، كنقص الحليب في السوق، أو
غلاء الأسعار، أو الرشوة، أو غياب
الإسمنت من السوق، وغيرها.
من
جهته يؤكد محمود الذوادي الصحفي
بجريدة (الصحافة) الحكومية، الكاتب
العام لنقابة الصحفيين التونسيين، أن
المشكلة التي تواجه الصحفيين منذ
حوالي 15 عامًا هي أنه ليس هناك خطوط
حمراء واضحة.
ويقول
الذوادي: تفاقم استخدام مصطلح "الرقابة
الذاتية"، وعدم وجود نصوص واضحة
بشأن الممنوعات أدى إلى استفحال ظاهرة
التأويل، ومعنى ذلك تزايد سلطة
الرقيب، فباستطاعة هذا الأخير أن يمنع
أي موضوع باستعمال تفسيرات عديدة
وغامضة مثل "المصلحة العامة"، أو
"مصلحة الوطن"... إلخ، ورئيس
التحرير يمكن أن يمنع أي موضوع، مع أنه
لا يمسّ بأمن البلاد أو بالناس، وعذره
الوحيد أنه قد يثير الذعر داخل أحد
القطاعات التجارية أو السياحية.
رقابة
مستمرة
وقد
حاولت مؤسسات المجتمع المدني
والمؤسسات الحقوقية في السنوات
الأخيرة ملء الفراغ وطرح قضيّة حرية
التعبير، خاصة مع تراجع دور جمعية
الصحفيين التونسيين، ففي 3 مايو 2003،
وفي الوقت الذي أصدرت فيه الجمعية
تقريرًا لا يعكس المشهد الإعلامي
التونسي على حقيقته، نشرت عدة مؤسسات
حقوقية تونسية عريضة ضدّ الانتهاكات
التي تطال حرية التعبير.
ويؤكد
المحامي يوسف الرزقي الرئيس السابق
لجمعية المحامين الشبان أن الحكومة
تلجأ لإصدار التعليمات بصفة منتظمة
ودائمة لإحكام الرقابة على كل
المواضيع التي تقدر أنها حساسة،
وتتراوح تلك المواضيع من الانتخابات
إلى الأحوال الجوية. ويعتقد الرزقي أن
تحرير وسائل الإعلام يتطلب شرطين
أساسيين هما: إنهاء احتكار الحزب
الحاكم للمؤسسات الإعلامية، ووجود
قضاء مستقل.
أما
رشيد خشانة رئيس تحرير جريدة (الموقف)
المعارضة فيرى أن أهم الخطوط الحمراء
في تونس تتعلق بقضايا الفساد المالي
والرشوة والتعذيب وأوضاع السجناء
السياسيين والحريات عمومًا، لكن قائمة
الممنوعات في وسائل الإعلام بدأت
تتوسع، وصارت مواضيع مثل علاقة
النوادي الرياضية بأعضاء الأسرة
الحاكمة، وزيادة الأسعار، والإضرابات
العمالية، وتصريحات معارضين ينتقدون
الحكومة، مدرجة ضمن خانة الخطوط
الحمراء.
ويذهب
القاضي المستقيل مختار اليحياوي إلى
أن الرقابة المفرطة على الإعلام نجحت
في منعه عن الاضطلاع بأي دور تنويري
داخل المجتمع، ويعتبر ذلك من أهم أسباب
نشر الضحالة الفكرية، ونقص الثقافة
العامة لدى كل شرائح المجتمع. ورغم
مرور 50 عامًا على الاستقلال لم توجد
بعد تقاليد منتظمة في متابعة الصحافة
لدى الأغلبية الساحقة من العائلات
التونسية، كما لم توجد صحافة قادرة على
تشكيل قواعد رأي خاصة بها، لانعدام
الفروق تقريبًا بين مختلف الصحف التي
توزع.
شروط
تحرر الإعلام
وللخروج
من الوضع الإعلامي الحالي يقترح محمد
القوماني عضو الهيئة المديرة للرابطة
التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وضع
مؤسسة الإذاعة والتلفزة الوطنية
ووسائل الإعلام الرسمية الأخرى تحت
إدارة مجلس تعددي مستقل، وإلغاء جميع
القوانين الزجرية ذات الصلة بحرية
الإعلام، وإجراء استشارة شاملة داخل
الوسط الإعلامي والمجتمع المدني، من
أجل وضع مجلة جديدة للصحافة، تخضع في
بنودها للمعايير الدولية، وفسح المجال
حرًّا أمام الراغبين في بعث مؤسسات
إعلامية مستقلة، وعدم إخضاع التراخيص
إلى تقديرات وزارة الداخلية أو غيرها،
وتغيير نظام توزيع الإشهار، بإخضاعه
إلى هيئة مستقلة، أو جعله حرًّا بين
المعني بالأمر والمؤسسة الإعلامية،
بحسب إشعاعها في المجتمع.
من
جهته يقول المحامي والناشط الحقوقي
منذر الشارني: لتعزيز حرية الإعلام لا
بد من إلغاء النصوص الزجرية في مجال
الصحافة وغيرها. وتوضيح مفهوم
التأليب، وانتهاك الحياة الخاصة،
وتعكير صفو النظام العام، وغيرها، مما
جاء في القانون التونسي والتي يتضرر
منها بالدرجة الأولى الصحفيون وحرية
الإعلام عمومًا.
كما
يقترح الشارني إيجاد آليات لدعم كل
الصحف بدون تفرقة، وتوزيع الإشهار
العمومي بشكل مستقل عن الحكومة،
وتدعيم الوعي لدى الإعلاميين بأن
الإعلام سلطة رابعة، وليس بوق دعاية،
أو ترويجا لأي كان.
|