|

|
الجزيرة
الخضراء.. نهاية حلم الهجرة
|
|
الجزيرة
الخضراء (إسبانيا)- الأمين الأندلسي-
إسلام أون لاين.نت/ 25-1-2005
|
 |
|
مقابر بالجزيرة الخضراء |
في
مقبرة الجزيرة الخضراء في أقصى الجنوب
الإسباني، قرب مضيق جبل طارق، توجد
آلاف القبور لإسبان تعلو بعضها صلبان
حديدية أو رخامية وورود يتجدد وضعها
على أغلب القبور كل يوم أحد، وعبارات
تأبين تأسف لرحيل الفقيد، وتتمنى له
"مقاما جيدا في العالم الآخر".
القبور
مبنية على شكل دور صغيرة تبدو فيها
وكأنها أفرشة من إسمنت فوق بعضها البعض
توضع الجثث ممددة حيث لن يضيرها لا قرّ
الشتاء ولا قيظ الصيف.
كثير
من الورود الحمراء والبيضاء
والبنفسجية والصفراء توجد قرب القبور،
بعضها وضعت في كؤوس من قش أو فخار أو من
نحاس لمّاع، وعلى القبور أسماء
الراقدين داخلها وصور صلبان وتاريخ
الموت وعبارات هي أقرب إلى الشعر منها
إلى النثر.
مجهولو
الهوية
بين
آلاف القبور والصلبان توجد مقابر لا
توجد قربها أي وردة لا صفراء ولا حمراء
ولا زرقاء، لا كأس قشّ ولا كأس نحاس، لا
صليب ولا هلال، لا عبارات شعر ولا نثر.
أحيانا يخط على إسمنتها تاريخ الوفاة
أو تاريخ الدفن. إنها مقابر مهاجرين تم
دفنهم في المقبرة المسيحية بسبب عدم
التعرف على جنسياتهم، أو بسبب عدم
إمكانية إعادة جثثهم إلى بلدانهم
الأصلية.
في
المقبرة يوجد الكثير من الأموات
الأفارقة وعدد كبير من المغاربة لقوا
مصرعهم وهم يولّون وجوههم شطر البحر
القريب الذي تزأر فيه الرياح الشرقية؛
حيث لقوا حتفهم غرقا أثناء محاولاتهم
اليائسة عبور مضيق جبل طارق من أجل
معانقة أوربا قارة الأحلام.
300
جثة
منذ
سنة 1988 وصلت إلى مقبرة الجزيرة الخضراء
وحدها أكثر من 300 جثة، 90% منهم من دول
جنوب الصحراء، والباقون مغاربة لم يتم
التعرف على هوياتهم، بحسب مسؤولين عن
المقبرة.
بعض
المقابر الإسبانية المحاذية لمضيق جبل
طارق اضطرت إلى توسيع مساحتها من أجل
استيعاب الأموات الجدد القادمين من
إفريقيا.
حق
الدفن
ويقول
حارس في المقبرة يزاول هذه المهنة منذ
أكثر من 20 عاما لإسلام أون لاين.نت إن
"هناك مقابر في المنطقة ضاقت
جنباتها بالأموات المجهولي الهوية؛
فأصبحت تطلب حق لجوء الدفن لدى مقابر
أخرى أقل ازدحاما".
على
قبور هؤلاء الضحايا كتبت عبارات قصيرة
تدل فقط على جنسياتهم في حالة التعرف
عليها، لا عبارات تأبين ولا أسف، فلا
أحد يأسف على ميت لا يعرفه. حتى عائلات
هؤلاء الأموات الراقدين في مقبرة
الجزيرة الخضراء ما يزالون يمنّون
أنفسهم بالتوصل يوما لرسالة أو مكالمة
هاتفية من الغائبين. وربما يتمنّون
أكثر من ذلك، أي أن يعود الغائب يوما
إلى أسرته بسيارة فاخرة وملابس جديدة
والكثير من الهدايا.
المهاجرون
السريون
لكن
مقبرة الأحلام في الجزيرة الخضراء
تبقى أهون الشرين، فهي تأوي بين
إسمنتها البارد غرقى الهجرة السرية
عوض أن تتحلل جثثهم في أعماق البحر أو
تعبث بها أسماك القرش فتتحول إلى أكوام
لحم وعظام متناثرة تعبث بها التيارات
البحرية والأمواج اللامبالية.
في
المكان مقابر أخرى لمهاجرين سريين
ترتفع فوقها صلبان صغيرة من حديد
وأسماء إفريقية. ويقول مسؤول المقبرة
لإسلام أون لاين.نت إن هذه القبور هي في
الغالب لشبان أفارقة مسيحيين؛ لأنهم
كانوا يحملون على صدورهم سلاسل
تتوسطها صلبان وتنقش عليها أسماؤهم
بحروف صغيرة حتى ما إذا قضوا غرقا
فسيدفنون إلى جانب إخوانهم في الدين،
أما إن عاشوا أو وقعوا في قبضة الشرطة
الإسبانية فإن صلبانهم الصغيرة حول
أعناقهم ربما تشفع لهم عند الإسبان، أو
تجعلهم يتلقون مساعدة من بعض الكنائس.
أسوأ
ما يمكن أن يحدث لأسر ضحايا الهجرة
السرية بين إفريقيا وأوروبا هو تلقيها
مكالمة أو رسالة عاجلة تخبرها بموت من
كانت تعول عليه من أجل انتشالها من
الفاقة والعوز، بل أكثر من هذا، فإن
إعادة الجثة إلى الأسرة تتطلب مصاريف
تضاعف أكثر من ثلاث مرات ثمن الهجرة
السرية حيا.
فإذا
كان ثمن ركوب قارب من القوارب السرية
التي تحمل كل ليلة عشرات الحالمين
بحياة أفضل لا يتجاوز في أغلب الحالات
ألف يورو، وأحيانا أقل، إلا أن إعادة
جثة المهاجر لتدفن في بلده الأصلي تكلف
حوالي أربعة آلاف يورو، وفي أحسن
الحالات ألفي يورو. هذا الثمن واحد من
الأسباب التي تجعل الكثير من الأسر
المعوزة "تتنصل" من استعادة الجثة
ليتم بعد ذلك دفنها في المقبرة
المسيحية في الجزيرة الخضراء، أو في
مقبرة بلدة "طريفة" المجاورة التي
لا تفصلها عن البحر إلا بضعة أمتار.
تجارة
الموت تزدهر
تجار
الموت في إسبانيا ازدهرت تجارتهم
قليلا منذ أوائل التسعينيات من القرن
الماضي حين بدأت قوارب الصيف والشتاء
تعبر مضيق جبل طارق نحو الشواطئ
الأوروبية بعد أن فرضت بلدان الاتحاد
الأوروبي التأشيرة على رعايا بلدان
العالم الثالث. منذ ذلك الوقت توحدت
تعريفة إعادة الجثث إلى بلدانها
الأصلية وصار ثمن الكابوس يصل أضعاف
حلم واحد.
ويقول
كريم. س لإسلام أون لاين.نت أحد الذين
جربوا الهجرة في قوارب الموت قبل أن
يلقى عليه القبض في إسبانيا ويتم
ترحيله إلى المغرب "من الصعب على
أسرة باع أفرادها حليّهم وأشياءهم
الثمينة، وأحيانا رهنوا بيوتهم أو
استدانوا من أقربائهم أو باعوا
ثلاجاتهم وأجهزة التلفزيون أو بقراتهم
لكي يمدوا أملهم الوحيد بسبل الهجرة،
من الصعب عليهم أن يؤدوا أضعاف ذلك لكي
يستردوا حلمهم في تابوت".
ويضيف:
"في أغلب الحالات تحيا هذه الأسر على
الكفاف. تقاوم تكاليف الحياة يوما بيوم،
وتعتبر الحصول على القوت أغلى أمانيها.
كيف إذن أن توفر ثمن استعادة حلم ميت؟".
ويضيف "أحمد الله أني عدت إلى أهلي
حيا، وإلا كنت كلفتهم، في حال موتي،
مبلغا كبيرا من المال لا سبيل لهم به
لكي يستردوا جثتي، إن تم العثور عليها
طبعا"؟.
في
شهر أكتوبر 2003 غرق مركب يحمل أربعين
مهاجرا سريا كلهم من جنسية مغربية وحكم
القضاء الإسباني على المسئول عن هذه
الكارثة أواخر 2004 بأربعين سنة سجنا، أي
بعد مرور أكثر من عام على الحادث
المأساوي.
وقد
عثر خفر السواحل الإسبان يومها على 37
جثة واستدعيت عائلاتهم إلى إسبانيا
للتعرف عليهم، لكن ثلاث أسر فقط
استطاعت أن ترسل من ينوب عنها إلى
إسبانيا للتعرف على ذويهم.
وحتى
في حالات محاولة استرجاع الجثث فإن ذلك
يكون صعبا بسبب التحلل الذي تتعرض له
بعد ساعات قليلة في المياه بحيث يصبح
من المستحيل التعرف على ملامحها،
وبالتالي فإن مصيرها لن يكون مختلفا عن
مصير باقي الجثث، وستدفن في المقابر
الإسبانية كما تدفن الأحلام في أي مكان،
ستوضع على قبورهم المرتفعة عن الأرض
"مهاجر من المغرب" أو "مهاجر من
إفريقيا" حين تكون بشرته دليل هويته،
ولا شيء غير هذا.
|