|

|
سابقة عراقية.. بنوك دم بأرصفة بغداد
|
|
بغداد- إياد الدليمي (قدس برس)- إسلام أون لاين.نت/ 10-1-2005
|
 |
|
نزيف الدم العراقي لا يتوقف منذ الغزو الأنجلو أمريكي |
يشهد
المجتمع العراقي منذ احتلاله من قبل
القوات الأنجلو أمريكية في إبريل 2003
ظواهر جديدة وغريبة عليه، كانت بالأمس
القريب من المحرمات والممنوعات، منها
بيع أكياس الدم على أرصفة الشوارع؛ وهو
ما يسجل سبقا للعراقيين وسط شعوب
المعمورة.
فبعد
الاحتلال وسقوط نظام الرئيس صدام حسين
غدا العراق ساحة ينتشر فيها كل ممنوع
وغريب؛ فالحدود المفتوحة بلا رقيب أو
حسيب طيلة عام ونصف عام من الاحتلال،
سهلت على الكثير من عصابات الجريمة
المنظمة دخول العراق والعمل فيه. كما
أن غياب سلطة الدولة وأجهزتها
الرقابية سهل على الكثير من العراقيين
العمل في كل شيء، وأي شيء؛ ما دام يوفر
لقمة عيش للفقراء أو ربحا للطامعين في
الترف، خاصة أن هؤلاء قد عاشوا في ظل
نظام، كان كل شيء فيه يخضع لرقابة
صارمة؛ مما فوت على الكثير منهم فرصة
تحقيق الأرباح التي يحلمون بها؛ لذا
فما إن سقط النظام واختفت أجهزته
الأمنية الصارمة حتى وجد هؤلاء الفرصة
مواتية.
أكياس
الدم
وتتمثل
آخر صيحات الانفلات الأخلاقي والرقابي
ببلاد الرافدين في بيع الدم على
الأرصفة، وهي ظاهرة أطلت برأسها على
المشهد اليومي بقوة بعد سقوط صدام؛ حيث
يقوم باعة بعرض أكياس الدم أمام
مستشفيات بغداد، مستغلين غياب
الرقابة، والحاجة الماسة للمواطن الذي
بات يتعرض يوميا لعمليات قتل
وانفجارات جعلت حاجته للدم شبيهة
بحاجته للخبز والماء.
فقرب
"مدينة الطب" ببغداد التي تعتبر
من أضخم المستشفيات العراقية يتجمع
يوميا عدد كبير من باعة الدم، دون أي رد
فعل من جانب المسئولين عن المستشفى أو
وزارة الصحة العراقية.
ظاهرة
عادية
ويقول
إحسان جودي لوكالة "قدس برس": "أعمل
في هذه التجارة منذ سنوات.. في زمن صدام
كانت الأجهزة الأمنية تمنعنا من بيع
الدم؛ بل إن بعض أصدقائي اعتُقل وسجن،
إلا أننا مع ذلك كنا نبيع الدم خفية،
وبعد سقوط النظام صارت ظاهرة بيع الدم
عادية؛ حيث نحصل على الأكياس من المصرف
القريب (بنك الدم)، وهناك الكثير ممن
يرغبون ببيع بعض دمهم لنا لقاء مبالغ
نقدية.. ونحن بدورنا نبيعه للراغبين
وبأسعار معقولة".
كل
شيء في العراق أضحى من الممكن شراؤه
بغض النظر عن ماهية هذا الشيء، وحاجة
العراقيين المتجددة للدم، وسط دوامة
العنف التي جعلت سوق بيعه من الأسواق
الرائجة؛ حيث يبلغ سعر كيس الدم ما بين
25 إلى 30 ألف دينار عراقي (الدولار يساوي
أكثر من 1400 دينار)، وكلما كان الدم
جديدا كان سعر الكيس أعلى.
أما
عن سبب لجوء العراقيين لشراء الدم من
الباعة بالرغم من وجود عدد من مصارف
الدم يقول جودي: "هناك الكثير من
الحالات الطارئة التي تحتاج للدم،
والاعتماد على المصارف قد يتعثر بسبب
الإجراءات الروتينية؛ مما قد يعني موت
المريض؛ لذلك فشراء الدم من الباعة
يكون أسرع وسيلة للمحتاج والمضطر".
جهات
معادية
وتُقابَل
هذه الظاهرة باستنكار الكثير من
الأطباء الذين يتخوفون من أن تلعب "جهات
معادية" دورا في تمرير مخططات
وصفوها بالشريرة.
ويقول
الدكتور خالد القيسي لوكالة "قدس
برس": "بيع الدم من قبل أشخاص غير
مختصين، وبعيدا عن الرقابة الصحية
سيؤدي حتما إلى تفشي العديد من الأمراض
الوبائية بين المواطنين".
ويضيف
"لا أحد يعلم من أين يأتون بأكياس
حفظ الدم، ولا بنوعية الدم الذي فيها،
ناهيك عن عدم خضوع الدم المبيع
لإجراءات الفحص، ومن هنا فمن المحتمل
أن تقوم بعض الجهات بإدخال دم ملوث
يباع عبر هؤلاء، ومن ثم انتشار الأمراض
الخطرة بين العراقيين كالإيدز مثلا".
مدمنو
مخدرات وكحوليات
ورغم
تأكيدات وزارة الصحة العراقية أنها
قامت مؤخرا بعمليات دهم واعتقال
لمروجي هذه "البضاعة" فإن هناك
عددا كبيرا من هؤلاء الباعة ما زالوا
يقفون أمام المستشفيات.. والعراقيون
الذين باتوا بأمسِّ الحاجة إلى الدم
يلجئون في أحيان كثيرة إليهم لإنقاذ
مرضاهم.
وفي
هذا الصدد يشير بعض الباعة إلى أنه في
أوقات الأزمات أو المواجهات العسكرية
في بعض المناطق تمنع الحكومة العراقية
المستشفيات من استقبال الجرحى
والمصابين؛ فلا يكون بإمكان ذويهم إلا
اللجوء إلينا لشراء الدم بغض النظر عما
يمكن أن يحتويه، كما حصل في إحدى
المواجهات التي دارت في شارع حيفا صيف
2004، عندما منعت المستشفيات القريبة من
استقبال المصابين القادمين من هذا
الشارع.
ويقول
عادل محسن المفتش العام في وزارة الصحة
العراقية تعليقا على هذا الموضوع: إن
وزارته قامت بالتعاون مع وزارة
الداخلية العراقية بعمليات اعتقال
وتوقيف لعدد من هؤلاء الباعة. وأضاف أن
"أغلب هؤلاء هم من مدمني المخدرات
والكحوليات الذين وجدوا في هذه المهنة
وسيلة سهلة لكسب المال".
وقد
تفنن العراقيون بعد الاحتلال في كسب
رزقهم بعد أن تعطلت كل مفاصل دولتهم،
وبعد أن ذهبت عقود ووعود إعمار العراق
أدراج الرياح؛ فالبعض منهم باع الوقود
مستغلا أزمته المستدامة، وآخرون لجئوا
إلى بيع الكهرباء، من خلال مولدات
عملاقة نصبوها بين البيوت والمنازل،
بعد أن صار التيار الكهربائي ضيفا
خفيفا عليهم، بينما قام آخرون ببيع
أجزاء من أعضائهم البشرية التي
يعتقدون أنه بإمكانهم أن يعيشوا
بدونها أو بجزء منها، وأخيرا فإن صيحة
بيع أكياس الدم هي آخر ما توصل إليه
العراقيون في زمن صار فيه الدم العراقي
سلعة رخيصة تباع وتشترى.
وقبل
هذه الصيحة شهدت أرصفة العاصمة ما يسمى
"صيدلية الرصيف"؛ حيث لم يعد على
العراقي أن يحصل على وصفة طبية من طبيب
نقابي؛ إذ يكفي أن يذهب إلى أي رصيف من
أرصفة بغداد ليجد مختلف أنواع الأدوية.
|