لم يبرز التعاطف في الإعلام الفرنسي مع القضية الفلسطينية من قبل مثلما ظهر خلال هذه الأيام التي يقضيها الرئيس ياسر عرفات في أحد مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس التي وصلها الجمعة 29-10-2004.
ويقول مراسل إسلام أون لاين.نت في باريس إنه رغم مرض عرفات فقد استطاع بث رسالة رمزية مضمونها أن فرنسا تبقى أحد الحلفاء المخلصين للفلسطينيين، في حين تشهد الأوساط اليهودية الفرنسية القريبة من إسرائيل حالة من الصمت الكامل.
وعلى
خلاف التسمية التي تحاول الآلة
الإعلامية الإسرائيلية إلصاقها
بالرئيس الفلسطيني كونه زعيما
للإرهاب، ومحاولة تسويق هذه التسمية
في وسائل الإعلام الغربية أو القريبة
من اللوبي اليهودي بفرنسا، فإن صحف
باريس منذ اليوم الأول لحلول عرفات
حرصت على تسميته "بالمقاتل من أجل
استقلال شعبه".
وأجمعت
على هذه الصفة جرائد يمينية ويسارية.
وخصصت جريدة "ليبراسيون"
اليسارية ملفا يذكر بتاريخه النضالي
ويرسم صورته الحالية كأحد أبرز "رموز
حركات التحرر الوطني". أما جريدة "لوفيجارو"
اليمينية القريبة من الحزب الحاكم
فذهبت إلى حد الدفاع المباشر عن سياسة
فرنسا تجاه عرفات.
"إخلاص"
وتحت
عنوان "الإخلاص الفرنسي" اعتبرت
"لوفيجارو" في عدد السبت 30-10-2004
"أن وراء قرار استقبال عرفات سياسة
مساندة ثابتة من فرنسا لمنظمة التحرير
الفلسطينية، وبعيدا عن الاعتبار
الإنساني (الذي أكده الرئيس جاك شيراك)
هناك حركة سياسية تدفع إلى طرح العديد
من الأسئلة حول مغزاها".
وقالت
في افتتاحيتها: "إن العديد من
البلدان تعتبر منذ مدة عرفات يمثل
المحاور الشرعي، لكن فرنسا كانت من
أكثر الدول التي عبرت عن هذا المنحى في
التعامل مع عرفات وظلت مخلصة لذلك".
وذكرت
"لوفيجارو" كيف وفرت فرنسا
الحماية لعرفات سنة 1982 أثناء حصار
بيروت ومكنته من مغادرتها تحت حراسة
فرنسية. ورأت أن العديدين في الخارج
خاصة في إسرائيل يعتبرون هذه الزيارة
العلاجية بمثابة دليل آخر على "لاسامية
فرنسا"، كما هي دليل على تقارب فرنسا
مع العرب.
وتضيف
الصحيفة: "أما بالنسبة للأمريكيين
وهم في أوج حملتهم الانتخابية
فسيزدادون اعتقادا بأن الهوة أصبحت
سحيقة بين ضفتي المحيط الأطلسي وأن
فرنسا لم تَعُد حليفا مضمونا".
وبالرغم
من ذلك فإن "لوفيجارو" تقول: إنه
من البلاهة الاكتشاف الآن أن سياسة
فرنسا القريبة من العرب ولدت مع زيارة
عرفات الاستشفائية؛ فمنذ عهد الجنرال
"ديجول لم تهمل فرنسا على الدوام
الحضارة العربية وساهمت في حل
مشاكلها، وقد استعملت فرنسا دائما
دبلوماسيتها، ومجيء عرفات لن يكون
قطعا الأخير في هذه السياسة بالرغم من
إغضاب الإسرائيليين والأمريكيين".
من
جانبها غطت قنوات التلفزيون الفرنسية
أولا فأولا وقائع وصول عرفات إلى باريس
وبثت بالخصوص رسائل الامتنان التي
أطلقها مواطنون عرب وفرنسيون من أمام
مستشفى "بيرسي"، حيث يعالج تجاه
البادرة الفرنسية معتبرين أنها تتناسق
مع المواقف المشرفة لفرنسا وللرئيس
شيراك تجاه القضايا العربية.
وتعود
أول زيارة قام بها عرفات إلى باريس إلى
2-5-1989، حيث استقبله وقتذاك الرئيس
فرانسوا ميتران بعد 6 أشهر من إعلان
منظمة التحرير الفلسطينية قبولها
قرارات الأمم المتحدة التي تنص على
الاعتراف بدولة إسرائيل، وبعد بدء
حوار رسمي بين الولايات المتحدة
ومنظمة التحرير.
والعلاقات
التي تربط بين الزعيم الفلسطيني
وشيراك الذي انتخب في 1995 وثيقة أيضا.
وقد قال عرفات خلال زيارته السادسة
للرئيس الفرنسي في يناير 1997: إنه يلجأ
إلى "الدكتور شيراك" عندما يواجه
مشكلة.
العلاقات
الفرنسية الإسرائيلية
ويأتي
القبول الفرنسي من أعلى مستوى
باستضافة الرئيس عرفات للعلاج في أحد
أهم المستشفيات العسكرية الفرنسية
وإفراده بغرفة الضيوف الكبار في
مستشفى بيرسي في مدينة كلامار جنوب
باريس ليخلط الأوراق من جديد في
العلاقات الفرنسية الإسرائيلية،
وخاصة على إثر زيارة وزير الخارجية
الفرنسي "ميشال بارنييه" إلى
إسرائيل في وقت سابق من أكتوبر 2004 في
مهمة وصفت بأنها زيارة "ترميم
العلاقات" بين تل أبيب وباريس بعد
التوتر الذي أحدثته تصريحات رئيس
الوزراء الإسرائيلي إريل شارون ودعا
فيها يهود فرنسا إلى الهجرة الجماعية
إلى إسرائيل.
وحاول
"نسيم زفيلي" سفير إسرائيل في
فرنسا أن يقلل من أهمية إثر الزيارة
العلاجية، حيث حاول من خلال إذاعة
الطائفة اليهودية الفرنسية "جيدايكا
فم" أن يعيد إلى الأذهان صورة عرفات
الذي لم يَعُد شريكا للإسرائيليين في
صنع السلام، كما حاول أن يبرر عدم
السماح للطائرة التي أقلت عرفات من
عمان إلى باريس من عدم المرور فوق
الأجواء الإسرائيلية بكونه ناتجا عن
عدم تقديم الفرنسيين طلبا.
وركزت
الصحافة الفرنسية أثناء وصول الرئيس
الفلسطيني إلى باريس على ما أسمته "بمنع
الطائرة الطارئة للرئيس المريض" من
المرور عبر الأجواء الإسرائيلية، مما
أطال عمر الرحلة التي أجبرت على عبور
المجال الجوي اللبناني وهو الذي أثار
الاستغراب والتنديد لطبيعة الرحلة
الطارئة والإنسانية.
يهود
فرنسا: لا تعليق
من
جهته رفض المجلس التمثيلي للمؤسسات
اليهودية بفرنسا أن يعلق على زيارة
عرفات العلاجية. واعتبر مسئول في
المجلس لجريدة لوفيجارو في اليوم
الأول لوصول عرفات إلى فرنسا "أن
المجلس لا يرى جدوى من التعليق على
مسألة ذات طابع إنساني".
وكرس
عدم تعليق الجمعيات والمنظمات
اليهودية على وصول عرفات إلى باريس
حالة الصمت المطبق التي خيمت على
للمثقفين والسياسيين المعروف عنهم
تقليديا أنهم مساندون دون شروط
لإسرائيل؛ إذ غابت أي تعليقات لهم أو
آراء خاصة لنقد استضافة ما يعتبرونه
"إرهابيا".