لا
تكاد خيوط الفجر الأولى لأيام صيف قطاع
غزة تبزغ حتى يبدأ المواطنون الزحف نحو
شاطئ بحرهم (الأبيض المتوسط) الذي
تحاصره الزوارق البحرية الإسرائيلية
من كل الاتجاهات، وذلك في محاولة منهم
لإزالة الهموم التي تحاصرهم بسبب
الإغلاق المفروض عليهم.
وما
إن تطأ أقدام المواطنين رمال الشاطئ
حتى يبدءوا بخلع همومهم؛ لغسل أوجاعهم
بمياه البحر الممتدة، بينما يقوم
العشرات من الأطفال باللهو بالطائرات
الورقية التي تزين سماء الشاطئ.
ويوضح
مراسل "إسلام أون لاين.نت" أنه على
الرغم من قرب الشاطئ من بيوت المواطنين..
فإن الوقت الذي يستغرقه المواطن
للوصول إليه كبير؛ نظرا لازدحام الطرق
بسبب الإقبال الكثيف للمواطنين.
ويعتبر
المواطنون شاطئ القطاع بمثابة المتنفس
الوحيد لهم في هذه البقعة التي تعد
الأكثر كثافة سكانية في العالم على
الإطلاق -حيث يعيش أكثر من مليون شخص
على مساحة قدرها 362.7 كيلومترا مربعا،
خاصة في ظل عدم تمكنهم من مغادرة
القطاع بسبب القيود الأمنية التي
يفرضها الاحتلال الإسرائيلي.
ويقول
عامر -40 عاما الذي حضر بصحبة عائلته- لـ"إسلام
أون لاين.نت" الأربعاء 30-6-2004: "لقد
اعتدت المجيء إلى البحر مع أطفالي بين
فترة وأخرى في الصيف، وذلك بعد أن أصبح
البحر هو المتنفس الوحيد لي من أجل
الترويح عن نفسي من هموم وأوجاع الحياة".
ويضيف:
"الأطفال أيضا بحاجة لشيء من الراحة
والهدوء بعد انتهاء الامتحانات
المدرسية، إضافة للترويح عن أنفسهم،
خاصة في هذه الأوضاع غير الطبيعية التي
يعيشونها".
ويشير
مراسل "إسلام أون لاين.نت" إلى أن
الغزاويين يتوجهون لشاطئ البحر هربا
من حرارة الصيف المرتفعة والمشبعة
بالرطوبة، لا سيما بعد انعدام أي وسيلة
أخرى يستطيع سكان القطاع من خلالها
الترفيه عن أنفسهم أو عن أطفالهم.
وتختار
كل فئة أسلوبا للترويح عن نفسها؛
فالشباب بعضهم يفضل الانغماس بالماء
بحثا عن المتعة عبر السباحة، ومنهم من
يمارس الألعاب المختلفة. بينما تكتفي
النساء والفتيات بالجلوس على رمال
الشاطئ ليراقبن المياه في جلسة هادئة،
دون أن يمارسن السباحة؛ وذلك للطبيعة
المحافظة التي يتسم بها مواطنو القطاع.
 |
|
الطائرات الورقية تحلق بسماء البحر |
أما
الأطفال فإنهم يستخدمون الشاطئ كملعب
لنشاطاتهم وألعابهم؛ حيث يمارسون
هواية الطائرات الورقية التي تنتشر
بشكل كبير في المكان؛ حيث تبدو في سماء
الشاطئ كنجوم وكواكب متناثرة.
ويتفنن
الأطفال في تشكيل هذه الطائرات،
ويعمدون إلى رسم العلم الفلسطيني ذي
الألوان الأربعة (الأحمر والأخضر
والأبيض والأسود) على طائراتهم، بينما
تحمل طائرات أخرى صور الشهداء ورموز
التنظيمات والفصائل الفلسطينية.
ويقول
الطفل غسان وهو يراقب طائرته: "هذا
هو المكان الوحيد الذي أستطيع من خلاله
ممارسة هوايتي (الطائرات الورقية)؛
لأنني لا أستطيع القيام بذلك في بيتنا
لعدم وجود المكان والمساحة لذلك".
ويضيف:
"في كل فرصة تتاح لي للحضور إلى هنا
برفقة زملائي أو عائلتي أصنع الطائرة
وألوح بها في السماء؛ فأنا أحب هذه
اللعبة".
ويصنع
الأطفال الطائرات الورقية بواسطة
أعواد من جريد النخيل، ويكسونها
بالورق الملون الرقيق، ويحاولون من
خلال لعبهم بها تعويض الحرمان الذي
يعانون منه جراء الجرائم الإسرائيلية
بحقهم.
الهواء
النظيف
من
جهتها تشير أم رمزي في حديثها لـ"إسلام
أون لاين.نت" أن "حياة
الفلسطينيين المعيشية أضحت جحيما لا
يطاق، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية
الخانقة والحصار المفروض، والحر الذي
لا يحتمل مع هذا الازدحام العمراني
الخانق، وانقطاع الكهرباء المستمر؛
مما يدفع الناس للتوجه إلى البحر كي
يتنفسوا هواء نظيفا".
وأضافت
وهي تراقب أطفالها الذين يلعبون
بالماء: "لم يتبق لنا إلا البحر كي
نأتي إليه لنروّح عن أنفسنا قليلا
ولقضاء ساعات قليلة يستعيد من خلالها
الإنسان نشاطه.. الأطفال من حقهم أن
يعيشوا طفولتهم ويلعبوا ويفرحوا بعيدا
عن أجواء الحزن السائدة".
فرص
عمل
وخلقت
حركة الاصطياف على الشاطئ فرص عمل
للعديد من المواطنين، خاصة سائقي
السيارات والباعة المتجولين وأصحاب
الاستراحات والخيام المنتشرة على طول
الشاطئ.
وينتشر
باعة أكواز الذرة المسلوقة والمشوية
على طول الشاطئ؛ حيث يقومون بتحضيرها
باستخدام الفحم. فيما يعرض باعة آخرون
ملابس البحر بعد أن أقاموا أكشاكا خاصة
بهم.
وتنتشر
الخيام على طول الشاطئ لتقديم خدماتها
للمصطافين مقابل أسعار يراها الكثير
من المصطافين مرتفعة في وقت تعصف
البطالة بمعظم سكان القطاع.
ونظرا
للمستوى المعيشي المتدني للمواطنين
يعمد الكثير من المصطافين إلى إحضار
خيامهم الخاصة بهم، ويقومون بنصبها
على الشاطئ، بينما يحضر آخرون أطعمتهم
من البيوت وذلك للتخفيف من التكاليف.
رعب
وقلق
 |
|
دبابات تمنع الفرحة |
وفي
محاولة لإشاعة أجواء من الرعب والقلق
في نفوس المواطنين تعمد دبابات
الاحتلال إلى الاقتراب من شاطئ البحر
محدثة سحبا من الغبار قبل أن تعود إلى
مستوطنة نيتساريم المقامة جنوب غزة.
فيما تقف الزوارق البحرية الإسرائيلية
لتراقب هي الأخرى الشاطئ عن كثب، لا
سيما في المنطقة الشمالية منه.