|

|
كسب الرزق بالصنارة على شاطئ غزة
|
|
غزة-
ياسر البنا- إسلام أون لاين.نت/ 16-6-2004
|
 |
|
المواطنون يبحثون عن رزقهم بالبحر |
ذراعان
سمراوان تجذبان بكل شدة وحرص صنارة
غاصت في مياه استمدت لونها من زرقة
السماء.. وعينان ذابلتان تراقبان
الصنارة التي تبحث عن لقمة العيش لذلك
اليوم.. بينما يصطف العشرات من
الصيادين على طرف لسان بحري يمتد عدة
أمتار في عرض بحر غزة، يتبادلون الضحكة
المحملة بالهم والعذاب.
فعلى
امتداد اللسان البحري في قطاع غزة،
يتناثر صيادون فلسطينيون بين هاوٍ
وباحث عن لقمة عيش، يحملون صنارات
بسيطة متشابهة بذراع طويلة يتدلى منها
خيط طويل، أسفله صنارة معدنية. بينما
تفتقد إلى التطور الذي تحظى به باقي
صنارات الصيد الحديثة ذات الماكينة
المعروفة التي تقوم بلف الخيط وتمكّن
الصياد من قذف الصنارة لمسافات بعيدة.
دفعتنا
الظروف
ويشير
صيادون في حديث لـ"إسلام أون لاين.نت"
الأربعاء 16-6-2004 إلى أنهم لم يأتوا إلى
هذا المكان للتسلية، أو لقضاء إجازة
كما يفعل البعض، بل دفعتهم الظروف
الاقتصادية وحصار الاحتلال
الإسرائيلي المفروض عليهم إلى امتهان
هذا العمل، أملا في الحصول من خلاله
على بعض المال والطعام لعائلاتهم.
ويوضح
مراسل "إسلام أون لاين.نت" في غزة
أن نسبة الإقبال على صيد الأسماك آخذة
بالازدياد يوما بعد يوم من قبل
المواطنين. خاصة أن الاقتصاد
الفلسطيني يعيش في حالة تدهور وانهيار
كبيرين، نتيجة الحصار المفروض من قبل
قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأوضحت
الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي
للإحصاء الفلسطيني أن نسبة البطالة في
غزة بلغت نحو 65% في عام 2003، فيما تعيش
نصف الأسر الفلسطينية في القطاع تحت خط
الفقر.
طعاما
لأبنائي..
 |
|
شاب فلسطيني يتكسب رزقه |
وأوضح
ياسر ظهير -36 عاماً- بعد أن زوّد صنارته
بالطعم المكون من عجينة بيتية، قائلاً:
"لا أبيع ما أصطاده من السمك، بل
أطعم به أبنائي وأسرتي، فأوضاعنا صعبة".
ويضيف،
والعرق يتصبب من جبهته: "كنت أعمل
بشكل أساسي بمهنة حدادة المباني، إلا
أن البطالة المستشرية في غزة -بعد أن
منعنا الاحتلال من الذهاب لأماكن
عملنا- دفعتني لهذا العمل"، ويكمل
موضحا أنه يتمكن من صيد "كمية من
السمك تتراوح ما بين 2 إلى 9 كيلوجرامات
يوميا من أنواع السمك (بوري، سرّوس،
قرّاص)".
ويشير
مراسل إسلام أون لاين.نت أن سمك (البوري)
يعد من أكثر الأسماك صيدا حيث يتمكن
الصياد الماهر من صيد حوالي 4
كيلوجرامات منه يوميا، ويبلغ سعر
الكيلو الواحد منه حوالي 6 دولارات،
بينما يتمكن بعض الصيادين من اصطياد
أنواع أفضل من السمك مثل (السرّوس
والدنيس) التي يبلغ سعر الكيلو الواحد
منها نحو 10 دولارات، ومن حالفه الحظ
يتمكن من صيد سمك (اللوكس)، والذي يعتبر
من أغلى أصناف السمك حيث يبلغ سعر
الكيلو الواحد نحو 17 دولارا.
ويقوم
الصيادون ببيع ما يزيد عن حاجة
عائلاتهم من أسماك لأصحاب المطاعم
المنتشرة على طول الشاطئ في غزة أو في
سوق المدينة للسمك.
الصبر
والخبرة
أما
أحمد المناصرة -18 عاما- والذي تظهر على
وجهه علامات الضجر الشديد، بعد أن عجز
عن اصطياد ولو سمكة واحدة، فيقول: "لا
زلت غير ماهر في صيد السمك، فهذا العمل
بحاجة لخبرة.. وصبر"، موضحا أنه اتجه
لهذه المهنة بعد أن "خاض تجربة مريرة
في مهنتي الخياطة والقصارة (تشييد
المباني)".
وتابع
-بعد أن استأذن من مجلس جمعه مع صياد
أكبر منه سنا كان يوجه له بعض نصائح
الصيد-: "أسعى لأن تكون هذه مهنتي،
وأن تعينني على كسب قوت يومي، ومساعدة
أسرتي.. لقد اشتريت الصنارة بـ10
دولارات، واتجهت للصيد بعد أن رأيت أحد
أصدقائي يمتهن هذا العمل، وأخبرني
أنها مهنة تسد الضائقة التي نمر بها..
لكني حتى الآن لم أتمكن من الصيد الجيد
كما يفعل زملائي".
وعلى
العكس تماما من أحمد المناصرة، يبدو
محمود الجوجو -24 عاما- بارعا في الصيد،
وذا خبرة لا بأس بها، وظلت عيناه
تلاحقان خيط الصنارة المرتفع أعلى سطح
الماء الساكن. وقال: "سمك البوري ذكي
جدا.. إنه يأكل الطعم ويهرب، لذلك يجب
الانتباه لأي حركة من الطواف (جزء من
الصنارة)، ويجب جذب الصنارة بشدة
وبسرعة قصوى قبل أن تهرب السمكة".
ويرجع
الجوجو -الذي كان يرتدي طاقية بحرية
بيضاء اللون- امتهانه لهذا العمل
للأحوال الاقتصادية الصعبة التي
يحياها عمال غزة، موضحا أنه كان "يعمل
في المنطقة الصناعية شمال القطاع (معبر
بيت حانون- إيريز)، إلا أن الاحتلال سحب
مني التصريح وطردني من العمل".
وأشار
إلى أنه يعمل في الصيد منذ عامين،
ويتمكن من صيد حوالي 4 كيلوجرامات
يوميا، ورغم خبرته فإن هناك صيادين
أبرع منه، ويتمكنون من صيد 10
كيلوجرامات من السمك يوميا.
المتنفس
لـ"قتل الفراغ"
من
جانبه يبدو محمد البيك -50 عاما- نشيطا
للغاية في حركاته الرشيقة والمتواصلة
في تزويد صنارته بالطعم وسحبها، وقال،
بعد أن عدّل طاقيته الزرقاء: "أحترف
الصيد كهواية وليس كمصدر رزق، حيث إن
البحر يمثل بالنسبة لي المتنفس الوحيد
في قطاع غزة المحاصر".
ويضيف:
"الكثيرون يمتهنون صيد السمك
بالصنارة كمصدر رزق، بسبب الظروف
الاقتصادية الصعبة، بينما يلجأ آخرون
لهذا العمل وذلك بعد أن فرض على
المواطنين الحصار ومنعوا من الحركة،
حتى أصبح المواطن يخشى الخروج من منزله
بعد غروب الشمس مباشرة".
ويتفق
ماهر أبو لبن -36 عاما- في كلامه مع كلام
زميلة "البيك" الذي سبقه بالكلام،
ويوضح أبو لبن قائلاً: "الصيد أصبح
يمتهن من قبل البعض لسد الفراغ القاتل
الذي يعيشه الشباب الفلسطيني بسبب
الأوضاع الأمنية والاقتصادية
القاسية، ولو كان هناك عمل وحرية حركة،
لما وجدتنا هنا، لكننا نعيش في حالة
فراغ كامل، فقد كنت أعمل في البناء،
لكن الآن لا أعمل في أي شيء".
صراع
البقاء
ويرى
صلاح عبد الشافي -الخبير الاقتصادي من
غزة- أن "الحاجة التي فرضتها الظروف
الصعبة على المواطنين جعلت من صيد
السمك مهنة ذات انتشار واسع تزداد يوما
بعد يوم".
ويضيف:
"الحاجة أم الاختراع، وهذا مثال
أيضا يدلل على صراع البقاء الذي يمارسه
الإنسان الفلسطيني ضد المحتل الذي
يحاول طرده، أو التضييق عليه برزقه".
ووصف
الخبير الفلسطيني هذا الانتشار لهذا
النوع من العمل بـ"الظاهرة
الإيجابية" التي يحاول من خلالها
الفلسطيني القضاء على الفقر الذي ألم
به، ويحاول أن يخفف من نسبة البطالة
التي انتشرت بشكل كبير بين الشباب
الفلسطيني.
ويضيف:
"نحن على مدار سنوات الانتفاضة
خسرنا ضعف الدخل القومي.. وبشهادة
الخبراء الدوليين، فإنه من النادر أن
تتحمل أي دولة خسائر ضعف دخلها القومي
ويستمر الناس في الحياة".
|