كشفت
مصادر رسمية مصرية أن التقارب المصري
الأمريكي الذي ظهرت العديد من ملامحه
في الأسابيع الأخيرة، يعود إلى تغير في
رؤية واشنطن تجاه بعض قضايا المنطقة
الرئيسية باعثه المأزق الأمريكي
المستمر في العراق من جهة ونجاح
الاتحاد الأوربي في فرض تصوراته
المختلفة حول العديد من قضايا الشرق
الأوسط من جهة أخرى.
وفي
تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت"
الإثنين 7-6-2004 أرجعت تلك المصادر هذا
التغيير إلى نجاح أوربا مؤخرا من خلال
جولات حوار مع الإدارة الأمريكية في
فرض تصوراتها حول قضايا الشرق الأوسط
المخالفة للتصورات الأمريكية، مستغلة
فشل سياسة واشنطن في العراق خصوصا بعد
فضيحة صور تعذيب الأسرى العراقيين على
يد جنود الاحتلال الأمريكي التي تكشفت
أواخر إبريل 2004 ولا تزال تلقي
بتداعياتها.
وفي
السياق نفسه، أرجع خبير مصري بالسياسة
الأمريكية هذا التغيير إلى فشل
السياسة الأمريكية في العراق وفلسطين
وحاجة الإدارة الأمريكية إلى تحقيق أي
نجاح يمكن استخدامه لتبرير تكاليف
الحرب على العراق المادية منها
والبشرية خاصة مع اقتراب موعد
الانتخابات الرئاسية الأمريكية
المقررة في نوفمبر 2004.
مظاهر
التقارب
وكانت
الأسابيع الأخيرة من شهر مايو 2004 قد
شهدت عدة مظاهر كشفت عن تقارب مصري
أمريكي مفاجئ شمل عددا من القضايا
المهمة.
فعلى
صعيد القضية الفلسطينية تدخلت مصر
بشكل مفاجئ لطرح مبادرة تهدف إلى إنقاذ
خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل
شارون بشأن "الانسحاب" من قطاع
غزة، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من
لفظ أنفاسه الأخيرة على الساحة
السياسية بسبب الضغوط التي كان
يمارسها عليه اليمين المتشدد الرافض
للخطة.
وأشارت
كافة المصادر التي تحدثت إليها "إسلام
أون لاين.نت" في حينه إلى أن هذا
التدخل جاء بناء على طلب أمريكي.
ومعونات
جديدة
على
صعيد آخر، فوجئ الرأي العام المصري
بإعلان السفير الأمريكي في مصر ديفيد
وولش الخميس 3-6-2004 تقديم الإدارة
الأمريكية لمعونة إضافية إلى مصر
قدرها ثلاثمائة مليون دولار.
هذا
في الوقت الذي أعلن فيه عن موافقة
الولايات المتحدة الأمريكية على ضمان
مصر لدى عدد من هيئات التمويل الدولية،
في قرض قدره مليارا دولار في خطوة وصفت
بأنها الأولى من نوعها في تاريخ
العلاقات المصرية الأمريكية.
وعلى
صعيد مسألة الإصلاح السياسي في العالم
العربي، فوجئ الرأي العام المصري
والعربي مؤخرا بتسريبات إعلامية عن
قيام الإدارة الأمريكية بتعديلها
لخطتها التي تدعو للتسريع بإجراء
إصلاحات سياسية في العالم العربي،
والتي عرفت باسم الشرق الأوسط الكبير
بحيث تضمنت الرؤية المصرية للإصلاح
بشكل يكاد يكون حرفيا؛ الأمر الذي دفع
المراقبين السياسيين للتساؤل "ماذا
يحدث على ساحة العلاقات المصرية
الأمريكية؟ وما هي الأسباب الرئيسية
وراء تلك المتغيرات المهامة؟".
حوار
أوربي أمريكي
مصادر
مصرية رسمية مطلعة أجابت بأن من بين
دوافع التقارب في الرؤى بين الإدارتين
المصرية والأمريكية انتصار الرؤية
الأوربية بشأن الإصلاح في العالم
العربي، وكشفت عن أن حوارا أمريكيا
أوربيا دار على مدى أكثر من أربعة
أشهر، شاركت فيه مصر وعدد من الدول
العربية دعما للرؤية الأوربية انتهى
إلى اتفاق كامل بين دول الثمانية
الكبار على أرضية الموقف الأوربي.
وأشارت
المصادر إلى أن الأمريكان عقب هذا
الحوار قاموا بإجراء تعديلات جوهرية
على المبادرة الأمريكية أفضت إلى أن
تترك واشنطن لكل دولة حرية اتخاذ ما
تراه من إجراءات على طريق الإصلاح بما
في ذلك إقصاء بعض التيارات من المشاركة
السياسية، والتخلي عن المطالبة
بالتعجيل بها.
ورأى
خبراء عرب في تصريحات لـ"إسلام أون
لاين.نت" يوم 29-5-2004 أن "الخوف"
من وصول الإسلاميين إلى الحكم سواء من
جانب الأنظمة أو من الغرب كان وراء ذلك
التغير.
وأشارت
المصادر المصرية الرسمية إلى أن
الزيادة التي منحتها الإدارة
الأمريكية لمصر في المعونة كانت تناقش
في لجان الكونجرس منذ أكثر من عشرة
أشهر، كتعويضات طلبها
قبول
بالمقترحات المصرية
وحول
الموقف المصري الداعم لخطة شارون بشأن
غزة بناء على طلب واشنطن، شددت المصادر
المصرية الرسمية على أن "مصر تحركت
لصالح الموقف الفلسطيني الذي بدا في
أسوأ حالاته، وأن التحرك المصري لم يأت
إلا بعد تقديم ضمانات أمريكية
وإسرائيلية بأن تكون خطة الانسحاب من
غزة ضمن خريطة الطريق الدولية التي
تبنتها اللجنة الرباعية الدولية (الولايات
المتحدة وروسيا والأمم المتحدة
والاتحاد الأوربي)" لتسوية القضية
الفلسطينية.
كما
اعتبرت المصادر المصرية أن "الموقف
الأمريكي هو الذي تحرك خطوات باتجاه
الرؤية المصرية وليس العكس"، مضيفة
أن "كل ما فعله المصريون هو أنهم
استجابوا لهذا التقارب الذي يصب في
صالح قضايا المنطقة من وجهة النظر
المصرية والعربية.
معركة
شرسة
من
جهته، اتفق الدكتور وحيد عبد المجيد
نائب مدير مركز الأهرام للدراسات
السياسية والإستراتيجية مع رؤية
المصادر الرسمية فيما يتعلق بقضيتي
المعونة والمبادرة المصرية الخاصة
بغزة.
وفى
تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت"
الإثنين 7-6-2004 قال: "إن الفشل
الأمريكي في العراق وقرب موعد إجراء
انتخابات الرئاسة الأمريكية، وحاجة
الإدارة الأمريكية إلى تحقيق نجاح في
ساحة الشرق الأوسط يبرر المائة مليار
دولار التي أنفقتها على الحرب في
العراق، بالإضافة إلى الخلاف الأمريكي
الأوربي وبالتحديد مع ألمانيا وفرنسا
هو الذي ساعد مصر على أن تضمن اعتماد
رؤيتها الرسمية بشأن الإصلاح.
وأشار
عبد المجيد إلى أن الموقف الأمريكي هو
الذي تقدم خطوات باتجاه الموقف المصري
الذي ظل في مكانه لم يبرحه.
ودلل
عبد المجيد على مقولته تلك بما حدث
فيما يتعلق بالمبادرة الأمريكية
المسماة بالشرق الأوسط الكبير، مضيفا
أن وجهة النظر المصرية كانت تشدد على
ثلاث قضايا أساسية؛ الأولى أن الإصلاح
يجب أن ينبع من الداخل، وهو ما جاء النص
عليه حرفيا في المسودة الأخيرة
المقدمة إلى مؤتمر دول الثماني حيث نصت
حرفيا على استعداد دول الثماني "للمساعدة
في تنفيذ الإصلاحات التي تنبثق من
المنطقة، مؤكدة على أن الإصلاح الناجح
يجب أن يرتبط بظروف المنطقة وينبع منها".
وأردف
عبد المجيد أن القضية الثانية تمثلت في
إصرار مصر على عدم وجود روشتة إصلاح
يمكن تعميمها على كل دول المنطقة دون
استثناء، وأضاف أن هذا هو ما نصت عليه
مسودة المشروع المعدلة حرفيا أيضا
عندما أكدت على أن "هذه المنطقة تضم
دولا متنوعة كل بلد فيها فريد في نوعه،
وهذا يؤكد على أن الإصلاح يجب أن يرتبط
بظروف وتطور كل بلد على حدة".
وأوضح
عبد المجيد أن النقطة الوحيدة في
الرؤية المصرية المخالفة للرؤية
الأمريكية في المشروع والتي حدث فيها
تغير جزئي هي ما يتعلق بربط قضايا
الإصلاح بحل القضية الفلسطينية؛ حيث
اقتربت الرؤية الأمريكية بشكل جزئي من
الرؤية المصرية، مشددة على وجود هذا
الارتباط، ولكنها شددت على عدم جواز
التعلل بها وتأجيل البدء في عملية
الإصلاح.