|

|
مصر.. جامعيون يحاربون البطالة بـ"الصيني"!
|
|
القاهرة - حمدي الحسيني - إسلام أون لاين.نت/ 25-5-2004
|
 |
|
لم يجدوا أمامهم سوى افتراش جنبات الطرق بالبضائع لكسب أقواتهم |
مع
تزايد وطأة الأوضاع الاقتصادية في مصر
وما رافقها من انكماش في سوق العمل،
ازدادت بشكل لافت أعداد خريجي
الجامعات الذين اتجهوا للعمل في
مجالات ومهن لا علاقة لها بمؤهلاتهم،
بل بادر بعضهم إلى ابتكار مهن جديدة
للتغلب على البطالة ولو بصورة مؤقتة،
بعد أن كان المجتمع ينظر إليها على
أنها لا تليق بالجامعيين.
ويقول
أسامة -30 عاما- خريج كلية التجارة
بجامعة أسيوط (جنوب مصر)، ويعمل بائع
بضائع صينية الصنع على فرش بمنطقة
الإسعاف وسط القاهرة لـ"إسلام أون
لاين.نت": "مررت منذ تخرجي على
الكثير من الوظائف وتنقلت بين الكثير
من الوظائف، إلى أن تعرفت على بعض
الأصدقاء الذين يعملون في مطعم
للمأكولات السريعة بضاحية مصر الجديدة
بالقاهرة، فوافقت على العمل في إعداد
الأطعمة في المطبخ وأعمال النظافة؛
لأنها كانت الفرصة الوحيدة المتاحة".
وأضاف
أنه بعد حوالي 3 أشهر طلب مدير الفرع
تسريح بعض العمالة، فتوجهت للعمل مع
أحد أقاربي في محل فول وطعمية، لكن
سرعان ما اكتشفنا أن المكاسب لا تسمح
بفائض ربح يغطي أجورنا. وتابع: "ثم
تعرفت على مجموعة من محترفي بيع
البضائع الصينية المهربة، حيث أحصل
على كمية من البضائع الرخيصة
والمتنوعة وأتنقل بها وسط التجمعات
والمؤسسات الحكومية كثيفة العدد".
ولا
يقتصر الأمر على بيع البضائع الصينية،
فهناك أمثلة أخرى، منها هذا الباحث
بالدراسات العليا بكلية الحقوق بجامعة
القاهرة -طلب عدم الكشف عن هويته- الذي
لجأ إلى العمل في وظيفة "فاحص"
بمعمل لفرز البيض في الفترة المسائية
لتغطية نفقاته.
ومع
تضاؤل فرص الاستثمار الكبير، ابتكر
بعض الخريجين مشروعات صغيرة، من بينها
إنشاء "سنترالات هاتفية" متنقلة
بالقرب من الهيئات الحكومية لبيع
المكالمات الهاتفية من التليفون
النقال مقابل تحقيق هامش ربح معقول.
كما
استغل بعضهم الإقبال على شراء أجهزة
الكمبيوتر في مصر للاتجار فيه وفي قطع
غياره، وهي تجارة لا تتطلب مكانا خاصا
أو رأس مال ضخما.
وذكر
تقرير رسمي أن معدل البطالة في مصر
خلال العام المالي 2002/ 2003 سجل نحو 9.9%
بارتفاع نسبته 0.9% مقارنة عما كانت
عليه عام 2001/ 2002. ويعتقد اقتصاديون أنه
ربما تزيد النسبة عن ذلك بكثير.
بائع
الفول
ولا
تقتصر هذه الظاهرة على خريجي الجامعات
الذين لا يجدون وظائف، حيث شملت موظفين
ذوي دخول محدودة والذين يلجئون لمهن لا
تتناسب ومؤهلاتهم للتمكن من إعالة
أسرهم. ولعل أشهر
حالة في هذا السياق تحدثت عنها الصحف
المصرية في الأسابيع القليلة الماضية
هي قصة موظف كبير بوزارة الشئون
الاجتماعية "م س" الذي تم فصله من
العمل بعد تكرار تسربه من عمله
الحكومي، وامتهانه بيع الفول بعد أن
وشى به بعض زملائه لدى رئيسه الذي
أحاله للتحقيق وفصله من عمله.
الجدير
بالذكر أن القضاء الإداري أنصف
الموظف، ورفض قرار الفصل. وجاء في
حيثيات الحكم أن الموظف حاول أن يجد
مخرجا لتدبير مطالب أبنائه بالطرق
المشروعة طالما أن راتبه محدود ولا يفي
بالمتطلبات الضرورية للحياة الطبيعية
في ظل حالة الغلاء الفاحش.
والسيدات
أيضا..
وليست
السيدات ببعيدات عن الرجال في هذا
المجال. فقد شعرت "أم محمود" بأن
زوجها الذي يعمل في وظيفة مرموقة غير
قادر على تسديد الكثير من الالتزامات،
وبدأت الديون تتراكم عليه فقررت أن
تشاركه في تحمل المسئولية، خاصة أنها
جامعية لكنها فشلت في العثور على
الوظيفة المناسبة. وابتكرت هي الأخرى
مهنة تعتمد على مهارتها في الطهي، حيث
اتفقت مع بعض صديقاتها العاملات بأن
تتولى طبخ بعض الأطباق والأكلات
الجاهزة لهن مقابل تسعيرة محددة لكل
طبق بحسب تكلفته مع ضمان هامش معقول من
الربح.
المجتمع
اضطر للتغيير
وتعليقا
على تلك الظاهرة، قال الدكتور أحمد
المجدوب، الخبير السابق بالمركز
القومي للبحوث الاجتماعية بمصر: "إن
المجتمع المصري أصبح مضطرا لتغيير بعض
العادات التي ظلت تسيطر عليه لفترات
طويلة. ففي السابق، كانت الأسر تشترط
على الزوج أن يكون في وظيفة حكومية
معقولة خصوصا إذا كانت الفتاة خريجة
جامعية".
وأضاف
المجدوب: "ولكن في السنوات الأخيرة
ظهرت أزمتان فرضتا على المجتمع المصري
التجاوب معهما، الأولى بطالة
الخريجين، حيث تقذف الجامعات والمعاهد
العليا سنويا بما يقارب 750 ألف خريج
سنويا، في حين أن من يجد وظيفة منهم عدد
محدود للغاية خصوصا في ظل الانكماش
الاقتصادي وتزايد حالات الإفلاس".
وتابع
المجدوب: "أما الثانية فتتمثل في
وجود أكثر من 3 ملايين فتاة تخطت سن 35
عاما من دون زواج في مصر، وهو ما أصبح
مأزقا يؤرق الأسر، فكان ضروريا أن يحدث
تنازل كبير من جانب الأسر حتى بدت
الفتاة مستعدة للزواج من شاب ليس لديه
شهادة عليا، لكنه يملك دخلا مناسبا".
بداية
الظاهرة
وأوضح
المجدوب أن ظاهرة عمل الشباب الجامعي
في وظائف متواضعة ترجع لبداية عصر
السادات (الذي اتبعت فيه مصر سياسة
الانفتاح الاقتصادي) عندما كان يسافر
الشباب إلى أوربا ويعملون في غسيل
الصحون. ومع التوسع السياحي توجهوا إلى
المدن والمنشآت السياحية وعملوا في
نفس الوظائف إن وجدت من الأصل.
وأخذت
هذه الظاهرة في التوسع بدءا من عام 1983،
عندما قررت الحكومة التخلي عن سياسة
التكليف (التعيين الإجباري) للخريجين،
وأصبحت أكثر وضوحا في الأعوام القليلة
الماضية مع تدهور الأوضاع الاقتصادية
وزيادة أعداد خريجي الجامعات.
بنك
للفقراء
من
جانبه، اعتبر الدكتور جودة عبد الخالق
أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة أن
الوضع الحالي يفرض على الحكومة السعي
لإنشاء بنك للفقراء يتولى مهمة توفير
القروض الميسرة؛ لمساعدة صغار
المستثمرين على إنشاء المشروعات
الإنتاجية التي تسهم في التنمية
الفعلية وتوفير
فرص عمل لآلاف الخريجين.
واشترط
الدكتور عبد الخالق ضرورة "منحهم
ميزات وإعفائهم من الضرائب وتوفير
مصادر تمويل بشروط ميسرة، بالإضافة
إلى تطبيق سياسات اقتصادية تراعي ظروف
الغالبية العظمى من الشعب".
كما
اقترح الدكتور عبد الخالق البحث عن
مفهوم جديد للفقر وتحديد الفئة التي
تندرج تحت هذا التصنيف؛ حتى يتمكن صانع
القرار السياسي من وضعها في
اعتباراته، خاصة أن الاقتصاد لم يشهد
أي طفرة تساعده على سد الفجوة التي
نشأت بعد تحرير سعر صرف الجنيه الذي لن
يستفيد منه سوى القادرين.
|