|

|
السودان مفتوح على خيارات يصعب تقديرها
|
|
لندن
- قدس برس - إسلام أون لاين.نت/ 10-2-2004
|
 |
|
سس |
يجتاز
السودان في المرحلة الراهنة منعطفا
تاريخيًّا سيفضي به إلى مفترق طرق
متشعبة؛ فالبلاد التي شهدت جولات من
المفاوضات بين الحكومة والجيش الشعبي
لتحرير السودان (متمردي الجنوب) أسفرت
عن توقيع اتفاق أمني يوم 26-9-2003، ذلل
إحدى العقبات الكبرى التي تعترض جهود
إنهاء الحرب.
وبينما
أعلن الطرفان عن توصلهما لاتفاق يحل
الخلافات العالقة فيما يتعلق بتقسيم
الثروة؛ فإنّ التفاوض بشأن تقسيم
السلطة السياسية وعلى إدارة المناطق
الثلاث (جبال النوبا، وولاية النيل
الأزرق الجنوبية، وإيبي) أرجئ إلى وقت
لاحق، كما أعرب الجانبان عن الأمل في
التوصل إلى اتفاق سلام شامل يوقع قريبا.
ويقضي
الاتفاق الذي وُقِّع في 7-1-2004 بتقاسم
نفط الجنوب مناصفة بين حكومة الجنوب
والحكومة الاتحادية، بنسبة 50%، وأن
تحصل الولايات المنتجة للنفط على نسبة
2% من عائدات النفط المستخرج.
أما
العائدات غير النفطية التي يتم
تحصيلها في الجنوب مثل الضرائب
والرسوم الجمركية؛ فسيتم اقتسامها
مناصفة أيضا بنسبة 50% لكل طرف، على أن
تكون السلطة النقدية واحدة، بأن يكون
للمصرف المركزي السوداني فرع في
الجنوب.
ويشير
تحليل أعده مركز "المنظور السياسي
للدراسات والاستشارات" الذي يتخذ من
لندن مقرًّا له، وحصلت وكالة "قدس
برس" للأنباء على نسخة منه،
الثلاثاء 10-2-2004.. إلى أنه على الرغم من
حاجة كلا الطرفين للتسوية السلمية
للصراع؛ فإنّ أجواء التشكك وعدم الثقة
ستبقى مخيمة على سير المفاوضات، بل
ويتكهن بعض المراقبين بأنها يمكن أن
تكون سببا في عدم الالتزام بما اتفق
عليه.
الضغط
الأمريكي
 |
|
الفرقاء السودانيون عقب توقيع اتفاق تقسيم الثروات |
ولكن
كان للضغط الأمريكي على طرفي النزاع
أثره في التوصل للاتفاق؛ فإضافة
للمكاسب الإستراتيجية التي تتطلع
إليها واشنطن من إعادة ترتيب الوضع
السوداني؛ فإنّ صانعي القرار الأمريكي
يبحثون حاليًّا عن بعض النجاحات التي
تخفف من حدة المأزق الذي تواجهه
سياستهم الخارجية؛ وهو ما يفسر عناية
وزير الخارجية الأمريكي كولن باول
بالملف السوداني وتقدم مباحثات نيفاشا
في كينيا.
ويبدو
واضحا أنّ الموقف الحكومي السوداني
يتأسس على خيار تبديل الإستراتيجيات،
ومحاولة تحقيق مكاسب دبلوماسية عجزت
الحكومة عن تحقيقها عسكريًّا؛ باعتبار
أنها تواجه حربا يديرها المتمردون
بالوكالة عن دول ومؤسسات خارجية لا
تتوقع الحكومة أن تخرج منها منتصرة
عسكريًّا.
ويتطلع
السودان إلى إنهاء الحرب الأهلية التي
تدور رحاها منذ ما يقرب من عقدين من
الزمان، وأوقعت قرابة مليون ونصف
المليون قتيل، وأدت إلى نزوح أربعة
ملايين نسمة.
تفاديًا
للخطر الأمريكي
ومن
ناحية أخرى ترى الحكومة السودانية أنّ
التلاقي في منتصف الطريق مع المطالب
الأمريكية الملحة لتحقيق سلام قد
يمكنها من تجاوز خطر الاستهداف
الأمريكي المباشر لنظام طالما اعتبره
البيت الأبيض أحد أبرز الأنظمة
الراعية للإرهاب؛ فقد كان محطة لأسامة
بن لادن زعيم القاعدة وأنصاره
والعائدين من أفغانستان من العرب.
كما
أنّ الحكومة السودانية تحاول -على ما
يبدو- الاستفادة سريعا من الدرس
العراقي الذي ثبت من خلاله أهمية تماسك
الجبهة الداخلية؛ فسعت إلى التصالح مع
القوى السياسية السودانية، وبادرت
بإطلاق سراح السجناء السياسيين، وكان
في مقدمتهم الدكتور حسن الترابي، كما
خففت القيود على حرية التعبير وحرية
التجمع والعمل السياسي.
ويقول
مركز "المنظور السياسي": إن
التحدي الذي تواجهه الحكومة السودانية
هو ما ستنتهي إليه الفترة الانتقالية
المفتوحة على خيارات يصعب تقديرها
بالكامل، ومدى قدرة الشمال السوداني -ومن
خلفه الدول العربية- على إقناع
الجنوبيين قولا وفعلا بخيار الوحدة مع
الشمال، وتحديدا عبر سلسلة من عمليات
إعمار الجنوب السوداني، وربط
الجنوبيين بالوطن الأم، وترغيبهم في
خيار الوحدة.
تقارب
في الوقت الضائع
وبمعزل
عن خيار الوحدة فإنّ التحول
الدراماتيكي سيكون عسير الاحتمال؛
فالسودان مرشح أيضا لفقدان ربع مساحة
أرضه، وثلث ما يتوفر له من مخزون نفطي.
أما
على البعد الإستراتيجي فإنّ الأمر
مرتبط أيضا بتعزيز موطئ القدم
الإسرائيلية على الأرض السودانية، من
خلال التحالف بين تل أبيب وقادة
المتمردين؛ وهو ما يعني في الوقت ذاته
تطويقا لدول شمال أفريقيا، وعلى رأسها
مصر من الجنوب، وهو ما يفسر جانبا
هامًّا من التقارب بين القاهرة
والخرطوم الذي جاء -على الأرجح- في
الوقت الضائع؛ أملا في إنقاذ ما يمكن
إنقاذه.
ولا
يغيب عن أنظار المراقبين أنّ المناطق
الجنوبية في السودان قد تحولت إلى مرتع
للأذرع الطويلة لدول ومنظمات وقوى
تحاول استغلال تناقضات الحالة
السودانية لصالح أجندات خارجية، ولو
كان ذلك تحت لافتة إنسانية أو دينية.
وتدرك
الخرطوم من جانبها أنّ خيارها
الإستراتيجي للحيلولة دون الانفصال
الذي تسعى لحشد الدعم العربي
والإسلامي له.. هو تحقيق التنمية
الاقتصادية والاجتماعية في أرجاء
السودان، والتواصل الثقافي
والاجتماعي مع مختلف مكوناته، والتصدي
للمخططات المناهضة للوحدة وإفشالها؛
أي أنّ الأمر يبدو شبيها بمجازفة
سياسية، يقولون في الخرطوم: إنه لا
مفرّ منها.
وبينما
رحّب كثير من المراقبين والساسة
بالتقدم على طريق اتفاق السلام
السوداني، ورأوا فيه مدعاة للتفاؤل،
معتبرين أنه سيفتح صفحة جديدة في تاريخ
السودان السياسي، ويمهد الطريق نحو
مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا؛ فإنّ
هناك بالمقابل من يحذر من أنّ الأمر لا
يعدو أن يكون اتفاقا، شأنه شأن الكثير
من الاتفاقيات التي وقعت من قبل، ويمكن
بجرة قلم أن يأتي حاكم جديد في السودان
يلغيه، وتعود عجلة الحرب الجهنمية
للدوران من جديد.
وللمتشائمين
مبرراتهم أيضا؛ إذ يشيرون في هذا الشأن
إلى أنّ اتفاق أديس أبابا الذي استمر
العمل به من عام 1972 حتى عام 1983، ووقع
بين حكومة النميري وحركة أنانيا قد لا
يبقى حالة فريدة.
ولم
تستبعد التحليلات والتكهنات خيار
انفصال الجنوب على الشمال، بل تدعمه
العديد من العوامل، وعلى رأسها تناقض
توجهات الحكومة السودانية التي تحمل
مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية،
والمتمردون الذين ينحون منحا
علمانيًّا ذا نزعة مسيحية.
كما
أنّ هناك المسحة الأكثر أفريقية في
الجنوب السوداني التي لا تتوافق
والبعد العربي الإسلامي الذي يشكل
المكوِّن الأساس لهوية شعب الشمال،
هذا بالإضافة إلى العوامل
الإستراتيجية المتمثلة في الدعم
الإريتري والكيني للمتمردين وعدم
توافقها مع حكومة الشمال، وفق "قدس
برس".
ولعلّ
الأهم من ذلك هو الدعم الأمريكي
والإسرائيلي لمتمردي الجنوب
ومشروعهم، ورفضهم للمشروع الشمالي
وأهدافه التي تحذر أوساط أمريكية
وإسرائيلية من أنها تستهدف مصالحهم
بشكل مباشر.
دافور
وأخواتها
والمتغيرات
المتجددة التي طفت على السطح -خاصة
تفجر الأوضاع في دارفور الواقعة غربي
السودان- قد تضعف من قبضة الحكومة
السودانية على مقاليد الأمور في
البلاد؛ وهو ما سيسهم في تعزيز موقف
القادة الجنوبيين، ومن ثم تعزيز خيار
الانفصال.
ويرى
بعض المراقبين أنّ حصة التناقضات داخل
الجنوب وبين مكوناته العرقية
والسياسية في الدفع نحو إيجاد صيغة
تفاهم مع الشمال تعادل -وقد تفوق- ضغط
العوامل الخارجية؛ لذا فإنّ خيار
الانفصال سيعتمد كثيرا على الحالة
السياسية في الجنوب، وتحولها إلى حالة
مستقرة، أو تفجرها وانقسامها على
نفسها؛ وهو ما يعني مزيدا من الصراعات
والاقتتال الداخلي، وفق تقديرات هذا
الفريق.
تجمع
صنعاء
وأما
المتغير الآخر المناقض فيتمثل في
تبلور قمة تجمع صنعاء الثلاثية، وهو
تحالف إقليمي يضم صنعاء والخرطوم
وأديس أبابا. فالقمة التي عُقدت
بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا في
15-10-2002 اختتمت بتعهد دول التجمع، وهي
اليمن والسودان وإثيوبيا بتعزيز "مكافحة
الإرهاب"، وشجب تصرف إريتريا،
واعتبارها مصدرا للمشكلات في القرن
الأفريقي.
تزداد
أهمية هذا التحالف في أنه آخذ في
الاتساع خلال المرحلة القادمة؛ إذ إنّ
إثيوبيا -صاحبة الفكرة- تسعى لضم كل من
جيبوتي وكينيا والصومال إليه، ويبدو
أنّ هذه الجهود ستؤتي ثمارها قريبا،
خاصة بعدما أعلنت جيبوتي أنها ستنضم
للتحالف الذي يحظى بدعم أمريكي واضح،
خاصة بعدما أعلنت دوله عند تأسيسه أنّ
أحد أهدافه هو "مواجهة الإرهاب
والمنظمات الإرهابية في المنطقة".
وسيكون
التقارب السوداني الأثيوبي خطوة مهمة
في تحييد خصم أرهق الحكومة السودانية،
وتخفيف العبء عن كاهلها، ومن حجم
الضغوط التي واجهتها. ولا شك أنّ
التفاهم السوداني الأمريكي ساهم بشكل
مباشر في تغيير أثيوبيا مواقفها تجاه
السودان.
ولذا
يمكن اعتبار القمة في هذه الجزئية
مكسباً سياسيًّا مهماً للسودان الذي
يحمّل إريتريا مسئولية زعزعة استقرار
البلاد من خلال دعمها التمرد في دارفور.
فهذا التجمع الإقليمي آخذ في فرض عزلة
على الخصم المشترك للدول الثلاث:
إريتريا، وهي العزلة التي ستكون شديدة
الوقع، خصوصا بعد التقارب بين السودان
والولايات المتحدة وقرب التوقيع على
اتفاق سلام ينهي الحرب في الجنوب.
|