اعتبر
أنس بن حسن الشقفة رئيس "الهيئة
الدينية الإسلامية" في النمسا -الهيئة
الرسمية الممثلة لمسلمي النمسا- أن
المسلمين لا يزالون ضحية سياسات لا
تقبل بوجودهم في أوربا، كما رأى أن
العلمانية في صالح المسلمين وتساعدهم
على "الاندماج الإيجابي" في
المجتمعات الأوروبية التي قال بأن
عدوى "التطرف الديني" انتقلت
إليها من العالم الثالث.
وصرح
الشقفة -أحد المهتمين بشأن الجالية
المسلمة بأوروبا- في حديث لـ "إسلام
أون لاين.نت" الأربعاء 19-11-2003 أجري في
الرباط التي يزورها حاليا أن أوضاع
المسلمين بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 في
الولايات المتحدة "أصابها نوع من
الاهتزاز". وأوضح أنهم أصبحوا "إما
إرهابيين أو متعاطفين مع الإرهابيين،
وصُنف الدين الإسلامي على أنه دين
الإرهاب".
لكنه
قال: إن هذا "الوضع الجديد انعكس
بتفاوت من دولة أوروبية إلى أخرى"،
ورأى أن "تأثر المسلمين في النمسا
أقل بكثير مما تأثر إخوانهم في بقية
أنحاء أوروبا". وأضاف: "تمكنا
بالتعاون مع السلطات الحكومية ومع
الأحزاب ومع تنظيمات المجتمع المدني
من احتواء هذه الأزمة، والحمد لله لم
يبق لهذا التاريخ تأثير في النمسا عكس
بعض الدول الأوروبية التي استغلت
الأحداث لإصدار قوانين وتشريعات جديدة
تحد من حرية المسلمين".
وتشهد
فرنسا حاليا جدلا حول قانون يمنع
ارتداء الحجاب في المدارس وفي الدوائر
الرسمية، وفي ألمانيا تستعد بعض
الولايات لإصدار قوانين تمنع الحجاب
في المصالح الحكومية بعد أن قضت
المحكمة الدستورية الألمانية أنه لا
يمكن منع السيدات من ارتداء الحجاب
لعدم وجود قوانين تمنع ذلك. لكن يحق
للولايات الألمانية إصدار مثل هذه
القوانين.
صعوبات
الاندماج
وعن
الانتقادات التي توجه لمسلمي أوروبا
بشأن استمرار ارتباطهم ببلدانهم
الأصلية ونقلهم مشاكل الشرق إلى
الغرب، قال الشقفة: إن "هذا الموضوع
معقد، ويمكن تناوله من وجهين على
الأقل؛ فهناك الرغبة في الاندماج في
المجتمع من طرف المهاجر من جهة،
واستعداد هذا المجتمع لتقبل هذا
المهاجر كما هو وليس كما يريدونه أن
يكون".
وأضاف
أن "أغلب المجتمعات الأوروبية ليست -كما
تظن أنها- متسامحة، لكنها تدعو للتسامح
خارج أوروبا أما داخلها فلا؛ لأن
أوروبا حقيقة تفتقد إلى تقاليد
التسامح".
وقال
رئيس "الهيئة الدينية الإسلامية"
في النمسا: إن المجتمعات الأوربية تريد
"من المسلم الاندماج الانحلالي في
المجتمع، وليس الاندماج مع المحافظة
على الهوية؛ الهوية الدينية على الأقل
والهوية الثقافية إلى حد ما".
وأوضح
أن "المجتمعات الأوروبية نشأت على
أحادية الثقافة، وكانت لا تقبل التعدد
الثقافي. أما التعدد الديني فهو لم يكن
معروفا في أوروبا".
وأضاف
أن "تاريخ أوروبا احتوى على كثير من
التناقضات وتميز بالحروب الدينية بين
المذاهب المسيحية؛ لأن المجتمع
الأوروبي دائما كان أحادي الثقافة
وأحادي العقيدة، وبعد أن تجاوزت
أوروبا خلافاتها المذهبية، وقبلت وجود
تعدد المذاهب المسيحية، يواجهها -الآن-
وجود أديان أخرى، خاصة الدين الإسلامي".
العلمانية
"تساعد على الاندماج"
وقال
الشقفة: إن العلمانية إذا كانت تعني أن
إدارة الدولة منفصلة عن إدارة الدين
"تساعد المسلمين على الاندماج. ونحن
لا نريد أن ندعو إلى أسلمة هذه الدول
ولا نهدف إلى المطالبة بتحكيم الشريعة
الإسلامية في هذه الدول".
وأضاف:
"نريد فقط الالتزام بالقوانين
السائدة في تلك البلدان؛ لأنها هي
قوانين المواطنة لنا ولغيرنا. ولكن لا
نريد قوانين خاصة لنا أو علينا؛ فمثلا
قانون منع الحجاب هو قانون علينا. ونحن
لا نريد قوانين لنا تعطينا امتيازات
خاصة، ولا نريد قوانين تميز ضدنا وهذا
ما نسعى إليه؛ ولذلك نحن نقر مبدأ
العلمانية ونعتبره في صالح المسلمين
لو طبق على حقيقته".
التطرف
ورأى
رئيس "الهيئة الدينية الإسلامية"
في النمسا أن التطرف الديني انتقل إلى
أوروبا بالعدوى؛ لأن "التطرف نشأ
أصلا في بلاد العالم الثالث الإسلامية
لوجود خلل في النظام الاجتماعي
والنظام السياسي والاقتصادي" بتلك
الدول، على حد قوله.
وأضاف
أنه "في أوروبا انتقل التطرف
بالعدوى. وأصيبت دول بهذه العدوى أكثر
من غيرها لأن فيها ظروفا مواتية؛ مثل
وجود البطالة بين أبناء المسلمين،
والتمييز الاجتماعي ضدهم؛ وهو ما جعل
بعض البلاد مهيأة أكثر من غيرها لقبول
نشوء هذه الظاهرة لديها".
وقال:
إن "البلدان التي أعطت للمسلمين
حقوقهم وحولت السلم الاجتماعي من شعار
إلى واقع مطبق مثل النمسا لا تعاني من
التطرف الديني.. هناك بعض المتزمتين
لكنهم قلة قليلة جدًّا تعيش على هامش
المجتمع ولدينا تقارير من وزارة
الداخلية النمساوية تقول إن هؤلاء لا
يميلون إلى العنف؛ وهو ما يعطي دليلا
آخر على نجاح الإدماج".
ووصف
الشقفة ملايين المسلمين الذين تضمهم
أوروبا حاليا بأنهم "حقيقة صعبة
الهضم على الأوربيين"؛ وهو ما
يجعلهم "يتخفون وراء أقنعة العلمنة
وفصل الدين عن الدولة لتضييق الخناق
على المسلمين ومنعهم من ممارسة
شعائرهم الدينية".
"مراكز
اتخاذ القرار"
وقال:
إن المسلمين في النمسا وصلوا إلى مراكز
اتخاذ القرار. وأوضح "لدينا الآن في
مجلس برلمان ولاية فيينا نائب مسلم
وملتزم ومعروف أنه مؤيد من طرف قطاع
المسلمين الملتزمين ومقبول في المجتمع".
لكنه
رأى أن تجربتهم في الاندماج "متأخرة"
بسبب تأخر المسلمين "في مسعاهم
للاندماج. فقد كانوا إلى زمن قريب
يظنون أن إقامتهم في أوروبا مؤقتة
وأنهم سيعودون إلى أوطانهم بعد جمع شيء
من النقود". وقال: إنه "قبل عشرين
سنة مثلا كان بعض المسلمين يجدون حرجا
في طلب الجنسية. واليوم تغير الأمر
وأصبح المسلمون يسعون للتجنس وحصل
تطور فرضته الحياة، لكن لا نلوم الناس
على الماضي لأن لكل ظرف حيثياته".
بريطانيا
أفضل
واعتبر
الشقفة أن وضع المسلمين في بريطانيا
أفضل من وضعهم في النمسا؛ "حيث توجد
شرطيات مسلمات صمم لهن غطاء رأس خاص
يلائم زي الشرطة الموحد". وقال: إنه
"يوجد مسعى مماثل في هولندا وفي
السويد"، معتبرا أن هناك "تفاوتا
في الدول الأوروبية في التعامل مع
المسلمين؛ فبعضها يحارب هويتهم وبعضها
يشجعهم على الاندماج الإيجابي".
وقال:
إن الظروف التاريخية التي أحاطت
بانتقال الجالية المغاربية المسلمة
التي انتقلت إلى فرنسا إبان الاستعمار
الفرنسي لشمال إفريقيا أو بعد تصفية
الاستعمار كانت أدعى لأن يتمتع
المسلمون بفرنسا بوضع أفضل مما هم عليه
الآن لا العكس؛ "لأن العلاقة بين
فرنسا وبين بلاد المغرب قديمة، ولأن
الفرنسيين أباحوا لأنفسهم أن يأتوا
لهذه البلاد وأن يستعمروها، (لكن) بعد
أن انتهت هذه الحقبة التاريخية وأصبح
هناك حركة متبادلة، لم يتيحوا
للمسلمين أن يستقروا على أرضهم بشكل
يحفظ عليهم هويتهم وعقيدتهم الدينية،
في حين أن دولا استعمارية أخرى وضع
مسلميها اليوم أفضل".
الحرية
مقابل الولاء
واعتبر
الشقفة أن "إعطاء جاليات المسلمين
مزيدا من الحرية الدينية، يشجعهم على
إعطاء الولاء للدول التي يعيشون على
أرضها. وإذا شعر المواطن أن الدولة
تعطيه حقوقه المقررة بالشرائع
والقوانين والدساتير، فلن تكون لديه
أي نزعة للتمرد؛ لأنه يشعر بالأمن
والحماية، ويتحول إلى مواطن صالح".
وقال:
"نحن ندعو إلى أن يصبح المسلمون في
أوروبا مواطنين صالحين مثل بقية
المواطنين، وولاؤهم لهذه الأوطان مع
الحفاظ على علاقات الود والصداقة مع
أوطان آبائهم الأصلية".