|

|
أسرة عراقية في دوامة الحياة
|
|
بغداد - أوس الشرقي - إسلام أون لاين.نت/ 24-9-2003
|
 |
|
مظاهرات الغضب للعراقيين لا تتوقف |
مثل
حال الكثير من الأسر العراقية، تعيش في
بيت متواضع صغير، في حي السيدية بجنوب
غربي بغداد، أسرة "حميد ياسر" -54
عاما، وكُنيته أبو علي- المكونة من
الزوجة و4 أبناء، وكل ما تتمناه في ظل
الاحتلال هو الأمان والخبز والكهرباء.
ترك
الأب -كما يقول- العمل في الإذاعة مكرها.
وكان يعمل فنيا، بعد أن أعلنت قوات
الاحتلال الأمريكية حل وزارة الإعلام
بعد شهر من سقوط بغداد في أيديها في
إبريل 2003 ليجد نفسه -فجأة- بلا مهنة ولا
راتب، رغم أنه لم يكن بعثيا؛ بل كان في
سريرته لا يحب النظام السابق.
لكنه
مثل "7 آلاف" موظف، طردوا من
وظائفهم دون ذنب أو جريرة بعد حل وزارة
الإعلام.
الأم
أما
أم علي وهي "ربة بيت" -48 عاما-
فتجلس، كل صباح، لتحضير طعام الإفطار
لولدين تلميذين في المرحلتين
الابتدائية والمتوسطة، ومعهما "علي"
-20 عاما- الذي ترك العسكرية منذ الأيام
الأولى للحرب بعد أن كان جنديا مُكلفا.
"إسلام
أون لاين.نت" عايشت عائلة "أبو علي"
ليوم كامل.
يقول
الأب: "لقد استلمنا منحة -كما يسميها
الأمريكان- وهي 60 دولارا، بعد 4 أشهر من
البطالة. ويبدو أنها كانت بسبب
المظاهرات، التي قام بها موظفو
الإعلام وطالبوا فيها برواتبهم".
ويساوي
الدولار نحو 2000 دينار عراقي.
وأضاف:
"منذ 20 عاما وأنا فني في أستوديوهات
إذاعة بغداد. كانت مهمتي التسجيل
والمكساج الصوتي. وقد تركت الوظيفة
وأنا لا أجيد العمل في مجال آخر".
رسوم
الدراسة الجامعية
يقول
أبو علي: المشكلة التي تواجهنا الآن هي
أن "علياء" -البنت الكبرى 22 عاما-
طالبة في كلية المنصور في الصف الثالث
بهندسة الحاسبات، وهي كلية أهلية
تضاعفت رسومها الدراسية هذا العام
لتصل إلى نصف مليون دينار، وهو مبلغ
خيالي لا أستطيع توفيره إلا إذا بعت
داري؛ لذا ستضطر علياء إلى ترك الدراسة
التي تبدأ أوائل أكتوبر هذا العام؛
خاصة أن الأوضاع الأمنية سيئة إلى درجة
لا تسمح بذهابها إلى الكلية وحدها...
أما المستقبل فعلمه عند الله.
ترك
الجيش ليعمل حلاقا
أما
علي - 20 عاما- فقد اضطر بعد قيام سلطات
الاحتلال بحل الجيش العراقي في مايو 2003
إلى العمل مساعد حلاق في محل أحد
الأقرباء بعد أن ظل بلا مورد رزق أكثر
من 3 أشهر. وهو يحاول تعلم المهنة
تدريجيا. لكنه يخرج مبكرا في الصباح
ليعود مع آخر ساعة لفترة حظر التجول.
ويقول
الأب: إن هذا "يجعلني أعيش في قلق
يومي، كلما جن الليل بسبب تردي الأوضاع
الأمنية".
بائع
سجائر وحلوى
من ناحيته، اضطر الأب إلى وضع منضدة صغيرة أمام باب داره الواقعة بالحي الذي يقع إلى جانب منطقة الكرخ على بعد 15 كم من مركز العاصمة بغداد، وبدأ يبيع السجائر وبعض الحلوى للأطفال. ويقول: "كنت أشعر بالخجل أول الأيام؛ فأعمد إلى ترك أحد الأولاد مكاني. لكني تعودت الآن وأصبح الأمر طبيعيا" في حي متوسط أغلب الفئات التي تسكنه من الموظفين.
وأضاف
بحسرة: "أحيانا تعود بي الأفكار إلى
الماضي القريب؛ حين كان معظم زملائي
ينادونني بالأستاذ حميد، أما الآن
فأنا لست سوى بائع سجائر، ثم أردد في
نفسي الحمد لله أني ما زلت موجودا في
بلد يقال فيه الطايح رايح"، أي أن من
يموت لا أحد يسأل عنه.
ويواصل
أبو علي حديثه قائلا: بدأ علي يساعدني
ماديا ولو بصورة بسيطة.. المهم أننا
نوفر -بالكاد- لقمة العيش. صحيح أننا لا
نأكل اللحم أو الدجاج، لكن الحال
مستورة بفضل "الحصة التموينية"
التي استمرت منذ أيام صدام حسين.
صانعة
خبز
أم
علي (الزوجة) شرعت تخبز للجيران "بتنور
طيني" وضع في سطح الدار، وأصبحت توفر
بعض المال؛ وإن كان لا يسد الحاجة.
وتقول: إن الأولاد يحتاجون إلى الملابس
والأحذية ومستلزمات الدراسة، خاصة أن
الشتاء على الأبواب. وقد بدأنا نعيد
إصلاح بعض "القمصان" وبنطلونات
الإخوة ليتبادلوها كلما أمكن ذلك.
من
سيئ لأسوأ
يقول
أبو علي: "لا أستطيع تصور المستقبل
لأولادي. الناس في هرج، والأوضاع من
سيئ إلى أسوأ.. فالأسعار تتصاعد بجنون؛
حتى أسعار الخضراوات لم تعد تطاق،
والحمد لله أن لي بيتا أسكنه. فما هو
حال أصحاب العائلات ممن لا يملكون دارا
يركنون إليها".
واضطر
"زيد" الابن الثالث -وهو طالب في
الثالث المتوسط- إلى الخروج، منذ شهر
مع أحد أبناء الجيران لبيع الصحف. وبدأ
يكسب مصروفه اليومي.
عائلة
أبو علي ليست وحدها في هذه الدوامة.
فمئات العائلات تعيش اليوم في ظروف
قاسية؛ تعاني من البطالة والفاقة.
ولجأت
قوات الاحتلال -في الآونة الأخيرة- إلى
تشغيل الشباب بتنظيف الشوارع مقابل
دولارين في اليوم الواحد في محاولة
لامتصاص نقمة العراقيين جراء تفشي
البطالة.
لا
أحد يعلم ما يخبئه المستقبل، وخبت
الأحلام -التي راودت البعض- في أن
العراق سيتحول إلى نموذج للرفاهية في
الشرق الأوسط، بعد زوال نظام صدام حسين.
وتقول
أم علي: "لا نريد الرفاهية؛ نريد
الأمان والخبز والكهرباء ورحيل
الأمريكان".
|