اعتبرت
مصادر حكومية سودانية مطلعة أن الخطوة
التي أقدم عليها العقيد جون جارنج -زعيم
الجيش الشعبي لتحرير السودان- بترؤسه
لأول مرة منذ 20 عامًا وفد الحركة في
الجولة المقبلة من المفاوضات مع
الحكومة يرجع إلى إحساس جارنج بـ"تضييق
الخناق عليه عربيًا"، خاصة من قبل
مصر التي قادت تحركًا داعمًا للخرطوم
في الفترة الأخيرة.
وكان
ياسر عرمان -المتحدث باسم جارانج- قد
صرح لوكالة الأنباء الفرنسية في وقت
سابق الأربعاء 3-9-2003 أن جارانج غادر إلى
نيروبي "مترئسًا لأول مرة منذ 20 عاما
وفد الحركة في المفاوضات مع الوفد
الحكومي برئاسة علي عثمان محمد طه نائب
الرئيس السوداني"، في حين أشارت
الصحف السودانية الصادرة الأربعاء
3-9-20003 في الخرطوم إلى احتمال استئناف
المفاوضات بين الجانبين بعد أن علقت في
أغسطس 2003، بدءًا من الأربعاء 3-9-2003
بلقاء بين طه وجارانج.
وأوضحت
المصادر السودانية الحكومية في
تصريحات خاصة لشبكة "إسلام أون لاين.نت"
الأربعاء 3-9-2003 أن التحركات التي قامت
بها مصر أخيرًا خاصة الاتصالات مع
الولايات المتحدة ومبعوثها جون
دانفورث والاتصالات بدول الإيجاد (الهيئة
الحكومية للتنمية ومكافحة التصحر بشرق
أفريقيا) "بينت كثيرًا من الأمور
التي كانت غامضة لدى هذه الأطراف
الفاعلة".
وأشارت
المصادر ذاتها إلى أن "الدعم المصري
الذي وصل إلى حد الوعد بالدعم العسكري
للحكومة السودانية أعطى إشارات واضحة
لأطراف المشكلة بأن الخرطوم باتت
تتمتع بدعم عربي كبير لا يمكن تجاهله
أثناء وضع المشروعات الخاصة بالحل".
وألمحت
إلى أن "التحرك المصري أعطى
انطباعًا مؤكدًا لدى كافة الأطراف
المعنية بأن رؤية الحكومة السودانية
تحظى بإجماع وموافقة عربية كاملة، وأن
المطالب الخاصة بالحكومة مدعومة بشكل
كامل من قبل الدول العربية".
ووفقا
للمصادر نفسها فإن "مصر على الرغم من
عدم إمكان دخولها كطرف في المفاوضات
فإن ذلك الوضع في حد ذاته أعطاها مرونة
كبيرة في التحرك على الساحتين الدولية
والإقليمية، مستخدمة ثقلها السياسي في
دعم مطالب الحكومة السودانية، وتوضيح
وجهة نظرها لكافة الأطراف".وقالت
المصادر: إن التنسيق بين الحكومة ومصر
لم يتوقف منذ أكثر من شهرين، وبالتحديد
عندما ظهر جليًا الاتجاه داخل أروقة
المفاوضات نحو دعم انفصال جنوب
السودان عن شماله؛ وهو ما لا تحبذه مصر
والدول العربية.
وفي
رسالة واضحة تؤشر على اهتمام مصر
بالملف السوداني قام وفد مصري برئاسة
وزير الخارجية أحمد ماهر ويرافقه مدير
المخابرات العامة عمر سليمان -الذي بات
يتولى الآن ملف السودان بالإضافة إلى
فلسطين- بزيارة الخرطوم الإثنين 1-9-2003
لإجراء مباحثات مع الحكومة السودانية
قبيل جولة جديدة من المفاوضات بين
الحكومة والجيش الشعبي حول تطبيق "اتفاق
ماشاكوس الإطار للسلام في السودان"
الذي أبرم في يوليو 2002.
موقف
"نفسي" للحكومة!
 |
|
جارانج |
من
جهته قال د.منصور خالد -المستشار
السياسي للحركة الشعبية لتحرير
السودان-: إن الحركة لا تنظر إلى هذا
الاهتمام المصري بالقضية السودانية
على أنه تطور جديد؛ "فهذا الاهتمام
ممتد لفترة طويلة بحكم وحدة المصير بين
البلدين".
ورأى
خالد في تصريحات خاصة لشبكة "إسلام
أون لاين.نت" الأربعاء 3-9-2003 أن "عددًا
كبيرًا من الوسطاء بينهم مصر يحاولون
إخراج الحكومة السودانية من حالة
نفسية أوقعت نفسها فيها عندما حاولت
خلق وضع معين برفضها الكامل التعامل مع
مقترحات ناكوروا" التي طرحتها
الإيجاد على الجانبين في يوليو 2003،
ورفضتها الخرطوم؛ باعتبارها "تكرس
لفصل جنوب السودان عن شماله".
وأعرب
خالد عن اعتقاده بأن "الدعم الذي
تتلقاه الحكومة لا يخرج عن هذا الإطار"،
مشيرًا إلى أن "وثيقة ناكوروا ذاتها
لا تعدو أيضًا أن تكون مقترحات من حق أي
طرف من الأطراف المشاركة في المحادثات
قبولها أو رفضها، وأن الحركة قبلتها
كمرجعية للمحادثات، وليست كبنود
أساسية للحل؛ لأن لديها اعتراضات
عديدة على عدد من بنودها".
وأضاف
خالد أن "من حق أي طرف في هذه
المباحثات أن يستلهم إطارات أخرى
لتكون مرجعية في المفاوضات، وهو ما
طالبت به الحركة عندما أشارت إلى عدد
من الوثائق بينها مقترحات ناكوروا".
أربع
قضايا خلافية
 |
|
علي عثمان طه |
وحول
القضايا المثيرة للجدل بين الحكومة
وحركة جارانج، قال خالد: "إن هناك
أربع قضايا أساسية مثار حوار ساخن بين
الحكومة والحركة"، متوقعًا أن تشهد
جولة المفاوضات المقبلة برئاسة جارانج
وعلي عثمان طه "تفاهمات أكثر
إيجابية بشأن هذه النقاط، وهي اقتسام
السلطة، واقتسام الثروة، وموضوع
العاصمة القومية والجيشين (الشمالي
والجنوبي).
وأشار
خالد إلى أن الموضوعين الأولين (اقتسام
السلطة والثروة) يتعلقان بـ"إنهاء
حالة من الظلم التاريخي الذي وقع على
الجنوب والمناطق المهمشة لفترة طويلة
من الزمن".
أما
الموضوع الثالث والخاص بالعاصمة فرأى
خالد أن "الحكومة تحاول خلط الأوراق
في هذه القضية لئلا نقدم على مناقشتها؛
فنحن في الحركة لم نقل أبدًا بعاصمة
علمانية، وإنما قلنا بعاصمة قومية يجد
كل مواطن في السودان نفسه فيها،
وبالتالي فلا بد من نزع الصبغات
الدينية أيًا كانت من القوانين التي
تحكم داخلها".
وتابع
قائلا: "أما بالنسبة لموضوع الجيشين
فهو في الحقيقة إقرار لواقع قائم
بالفعل على الأرض؛ حيث يوجد جيشان
حزبيان في السودان: أولهما في الشمال
ويسيطر عليه حزب الحكومة بعد أن تم
تفريغه من كافة العناصر غير الموالية
له، والثاني في الجنوب ويعبر عن الحركة
وليس كل الجنوب".
وشدد
خالد على أن "المطلوب هو تكوين جيش
جديد يتمتع بالطابع القومي والمهني
الخالص؛ وهو ما يجب أن يتباحث بشأنه
المفاوضون، على أن يتم ذلك وفق آليات
محددة خلال الفترة الانتقالية، أما
رفض وجود جيشين، هما موجودان على أرض
الواقع؛ فهو تطرف القصد منه إفشال
المفاوضات"، على حد قوله.
انعطافة
مهمة
وتوقع
هاني رسلان -الخبير بالشأن السوداني
بمركز الدراسات السياسية
والإستراتيجية بالأهرام- أن تشهد جولة
مفاوضات ماشاكوس الجديدة "تغييرات
مهمة على مستوى شكل وعمق المباحثات
وبالتالي نتائجها".
وقال
في تصريحات خاصة لشبكة "إسلام أون
لاين.نت" الأربعاء 3-9-2003: "إن
الانعطافة المهمة التي شهدها الموقف
المصري وبالتالي العربي تجاه القضية
السودانية سيكون له ثقله الشديد في
مجرى المحادثات".
واعتبر
رسلان أن الزيارة الأخيرة للوفد
المصري للخرطوم وظهور جهاز الأمن
القومي المصري وقائده بقوة في الصورة
وما سبقها من إعلان مصري باستعدادها
تقديم أي دعم عسكري للحكومة في السودان
عند زيارة وزير الدفاع السوداني
للقاهرة.. أعطيا إشارات واضحة لكافة
أطراف الصراع بدخول مصر والعرب بشدة
كطرف أصلي في المفاوضات حتى إن لم
يشاركوا بشكل رسمي".
وأضاف
رسلان أن "تصريحات أحمد ماهر وزير
الخارجية المصري التي أكد فيها على أن
مصر لن تشارك في المفاوضات هي اختيار
واع؛ حيث يعطي هذا الموقف مصر القدرة
على المناورة بشكل أفضل، خاصة أن مصر
تشارك عبر أكثر من قناة ومن خلال طرق
عديدة غير مباشرة".
وأرجع
رسلان هذا الجهد المكثف إلى إحساس مصر
بأن "القاعدة التي تتم عليها
المفاوضات غير مستقيمة؛ حيث يغلب
عليها البعد الأفريقي للسودان على
البعدين العربي والإسلامي".