|

|
أطفال
بغداد في" سوق السلاح"
|
|
بغداد-
صبحي حداد- إسلام أون لاين.نت/ 10-8-2003
|
سقطت
بغداد فعمت الفوضى، وزادها الاحتلال
الأمريكي نارا ودمارا، وفاق الانفلات
الأمني كل وصف، حيث نشأت أسواق كانت
سابقا تتخفى تحت جنح الظلام؛ هي أسواق
الدعارة وبيع المخدرات والخمور..
وآخرها أسواق بيع الأسلحة النارية
التي اتخذت عدة أماكن من العاصمة مجالا
لنشاطاتها، لكن أشهرها هو سوق "مريدي"
الواقع في مدينة الثورة أكثر أحياء
بغداد ازدحاما بالسكان ذات الأغلبية
الشيعية، والتي سميت مدينة الصدر بعد
سقوط النظام السابق.
حاولنا
مرارا دخول المريدي وكل مرة تواجهنا
مشكلة العثور على موضع للسيارة حتى لا
تسرق، وفي النهاية قررنا أن نستقل
سيارة أجرة، بعد أن تأكدنا من خلو
جيوبنا من أي دولارات تجعلنا هدفا
مغريا للصوص المسلحين، حتى آلة
التصوير "الكاميرا" تخلينا عنها،
فقط أردنا أن ترصد عيوننا شهادة على
بداية عصر الاحتلال في قلب بغداد.
السلاح
والشهادات المزورة هما أشهر السلع في
سوق مريدي. لكننا دخلنا شارع السلاح
أولا، شارع طويل يمتد بطول الحي، يتراص
على جانبيه باعة الأسلحة من كل نوع، ما
عدا القاذفات والمدافع المضادة
للطائرات. سألنا أحدهم: من أين تحصلون
على بضاعتكم؟ ابتسم ببلاهة ولم يرد،
لكن أحد المتسوقين رد علينا في استنكار
للسؤال من فرط بداهته: "مشاجب ومخازن
العتاد العسكري للجيش العراقي كانت
كلها على مصارعها مفتوحة لمن أراد أن
يغرف ما يشاء، والقوات الأمريكية كانت
تتفرج على الجميع دون تدخل، فهل أنت لا
تعرف هذه المعلومات حتى تسأل مثل هذه
الأسئلة؟!"، وبالطبع لم نجب عليه،
وانصرفنا لغيره.
وقد
كنا نعرف أن تقديرات بعض المصادر لعدد
قطع السلاح التي توفرت لدى السكان بعد
سقوط نظام الرئيس صدام حسين حوالي
ثمانية ملايين بندقية كلاشينكوف، عدا
الأسلحة الأثقل التي لم تعرف كمياتها،
والرمان (القنابل اليدوية) الذي لا حصر
لعدده.
الأطفال
في السوق
لم
يكن في سوق مريدي جديد يدهشنا بعد كل ما
سمعنا عنه غير مشهد الأطفال والصبية
الصغار الذين احترفوا بيع السلاح في
هذه السن، أحدهم قال لنا ما توقعنا
سماعه: "ماذا أفعل؟ أنا أفضل بيع
السلاح على السرقة"، وقال آخر وكأنه
يصحح ما قاله صاحبه دفعا للالتباس: "وحتى
السلاح لم نقم نحن بسرقته بل نبيعه
ونشتريه فقط".
ويقول
عدد من الباعة بأنهم سينصرفون عن هذه
التجارة في حال توفر الأعمال، وعندما
نسألهم: لماذا المتاجرة بالسلاح وليس
غيره؟ يقولون بأنها تجارة وجدناها
رائجة ورابحة، والناس تطلب دوما شراء
السلاح واستبداله.
معظم
الصبية الذين يتعاملون بالسلاح لا
يريدون حتى مجرد التفكير في المكان
الذي سيذهب إليه السلاح الذي يبيعونه،
بل إنهم يجهلون أصلا الدافع من وراء
شراء السلاح، ما يهمهم هو عملية البيع
والشراء. وعندما قلنا لصبي لم يبلغ
الثلاثة عشر عاما إن السلاح الذي تبيعه
قد يؤدي إلى إساءة استعماله؛ أجاب غير
مكترث: "المسألة تخص المشتري ولا
تخصني إطلاقا".
أحد
المشترين كان يقلب في كلاشينكوف روسي،
سألناه عن رأيه في ظاهرة بيع السلاح من
قبل الأطفال. وقبل أن يجيب سألنا بدوره:
من أنتم؟ فلما أخبرناه بأننا صحفيون؛
أصلح من هيئته كما لو أنه في مقابلة
تلفزيونية، ثم قال: "كان من الأجدر
لهؤلاء الأطفال واليافعين أن يتعلموا
فنون الألعاب الرياضية أو الدخول في
نوادٍ تحميهم من الانحراف ليكونوا
نواة رجال المستقبل؛ فالأمة تقاس بما
تملك من شباب متعلم وواع، فهم الثروة
الحقيقية وليس البترول الذي جلب
الخراب والدمار لهذا البلد". وحين
أنهى جوابه البليغ التفت عنا وراح
يفاوض الصبي في سعر الكلاشينكوف.
وكانت
أسعار السلاح في سوق مريدي بعد أيام من
احتلال بغداد منخفضة بسبب كثرة ما عرض
في الأسواق من السلاح، حيث بيعت بندقية
الكلاشينكوف بسعر يتراوح بين خمسة
آلاف إلى ستة آلاف دينار عراقي، أما
الآن فإنها تباع بـ75 ألف دينار للأنواع
الروسية، أما البلجيكية فتباع بـ150 ألف
دينار. فيما يتراوح سعر المسدس نوع
طارق، عراقي الصنع، من 300-350 ألف دينار،
وقد يصل سعر المسدس نوع براوننك إلى
مليون دينار، أي ما يعادل 650 دولارا
أمريكيا.
رب
ضارة نافعة
أحدهم
لم يتركنا نغادر المكان دون أن يوضح
لنا وجهة نظره؛ رافضا ذكر اسمه ولا
صفته، قائلا: "يا إخوان رب ضارة
نافعة، فهذه السوق غير الشرعية يحصل
منها العراقيون على أسلحة يحمون بها
أنفسهم بعد أن تركتهم قوات الاحتلال
بلا حماية ولا أمن، بل ويحلو لجنودهم
أن يرددوا على مسامع العراقيين القول:
نحن لسنا شرطة لكم!.. والفائدة الثانية
للسوق أن المقاومين يحصلون منها على
الأسلحة التي سيطردون بها المحتل بعون
الله، خصوصا بعدما زادت عمليات
المقاومة اليومية عن 25 عملية، توقع ما
بين 10-15 قتيلا أمريكيا يوميا".
قال
الرجل كلماته كما لو كان يحفظها، أو أن
عنده رسالة يريد أن يوصلها للإعلام،
واختفى عن أنظارنا.. ورحلنا بدورنا قبل
أن يلحق بنا أذى في مكان هو الجريمة
العلنية بعينها.
|