|

|
"زير"
و"لالة" لكل بيت عراقي
|
|
بغداد-
نضال الأسدي- إسلام أون لاين.نت/ 5-7-2003
|
 |
|
العراقيون يعيشون بلا كهرباء
|
تنبيه
واجب: هذا الموضوع جرت وقائعه وتمت
كتابته وتسجيله ببغداد المحتلة في
العام الثالث من القرن الـ 21 الميلادي
الذي يحلو للبعض تسميته بـ"القرن
الأمريكي".
زير
وقلة من الفخار بزاوية الدار، و"لالة"
نضع فيها نفطًا نشعل فتيله لنحصل على
ضوء خافت، تسهر عليه عيون الأولاد
المرهقة ليذاكروا الدرس الأخير
استعدادًا لامتحان الصباح، وبينما تقف
أمي على التنور الطيني تطبخ لنا
بالحطب، أمسك أنا بمهفة من خوص النخيل،
أحركها يمينًا ويسارًا حتى أحصل على
بعض الهواء في حر تموز القاتل.
هذه
كلمات ميساء، التي تسكن في حي الخضراء
الراقي ببغداد، وهي تصف لنا بيتهم الذي
"كان" يمتلئ بالأدوات الكهربائية
الحديثة والمكيفات، قبل أن "يحرر"
الأمريكان بيوت العراقيين من كل ما له
صلة بالمدنية، ويعيدوهم للعصر الحجري.
فاستمرار
انقطاع الكهرباء لساعات طويلة تمتد
إلى 20 أو 23 ساعة يوميا مع ارتفاع درجات
الحرارة إلى 50 درجة مئوية في أوقات
الظهيرة أدى إلى تزايد إقبال الناس على
شراء السلع التقليدية القديمة
كالفوانيس وتنانير الطين والزير
المصنوع من الفخار والمهاف اليدوية
المصنوعة من خوص النخيل وغيرها.
سوق
سوداء
كلمات
ميساء البسيطة نفسها تكررها الدكتورة
"إخلاص محمد" أستاذة في علم النفس
التربوي بجامعة بغداد، وتقول: النقص
الحاد في الكهرباء والماء وغاز الطعام
والبنزين أجبر الناس على استخدام
الأدوات والأجهزة التقليدية عوضًا عن
أجهزة التجميد والتبريد الكهربائية،
وتزايد الطلب على الكثير من المواد
التقليدية أدى إلى ارتفاع أسعارها..
قلة وجود غاز الطعام جعل القنينة
الواحدة في السوق السوداء تباع بسعر
يتراوح بين 2000-4000 دينار(الدولار حوالي
1300 دينار عراقي) بينما كان سعرها 250
دينارًا فقط، فضلاً عن شراء (الجولة)،
وهي جهاز نفطي صغير كان يستعمل قديمًا
قبل أكثر من 50 سنة أيام كانت الحياة
بعيدة عن أجواء التمدن والتحضر التي
وصل إليها العالم حاليا.
كذلك
ارتفعت أسعار تنانير الطين للطهي
بدلاً من تنانير الغاز التي اعتادت
عليها العائلة العراقية منذ 13 سنة بسبب
فرض الحصار الاقتصادي في زمن الرئيس
المخلوع صدام حسين.
وتشاركها
الحديث الدكتورة "ثريا محيي الدين"
اختصاص بيولوجي قائلة: الكهرباء بلا شك
تعني الحضارة، والماء يعني الحياة،
وحياتنا غدت خالية من الحضارة ومن
الحياة، وأجواء الحياة المضنية التي
نعيشها لم تكن وليدة الاحتلال
الأمريكي الذي جاء ليزيد الطين بلة،
فنظام صدام فرض بالإكراه ذات الأجواء
قبل 12 عاما، وكنا نعيش متعكزين بحجة
فرض الحصار على العراق.
وتساءلت
الدكتور بأسف قائلة: هل بإمكان أي
إنسان أن يتخيل أن أقوم يوميًا بمراجعة
بعض رسائل الماجستير التي أشرف عليها
على ضوء الفوانيس والظلام الدامس يحيط
بي من كل جانب والعرق يتصبب من جبيني،
هل يا ترى هذه أجواء الحرية التي تنادي
بها أمريكا وجميع حلفائها لتخليص
الشعب العراقي من هول الظلم الذي عاشوه
قبل 35 عاما؟ ألم تكن هذه انتهاكات
جسيمة لحقوق شعب مضطهد وأعزل لا حول له
ولا قوة ولا ذنب له سوى أنه ابن أغنى
بلد في العالم؟
تنفست
الصعداء ثم أردفت قائلة: غالبية الناس
كاظمة الغيظ حاليا، والخشية من الهدوء
الذي يسبق العاصفة.
أما
السيدة أم عبد الله وهي أرملة تعول
أسرتها المكونة من أربع بنات فتقول:
كنت أعمل في زمن صدام ببيع الغاز بعربة
حديدية أدفعها بيدي، تتسع لخمس أو ست
قناني غاز أملؤها يوميا بالغاز مرتين
متجولة بين الأزقة والشوارع من الصباح
الباكر وحتى غروب الشمس منادية بأعلى
صوتي غاز.. غاز.
تتنهد
بحسرة وتضيف: لم تعد هذه المهنة
المضنية تنفعني لقلة الغاز وتوقف
مصافي التصنيع؛ ولأنها سببت لي مشاكل
صحية لا أستطيع احتمالها اليوم؛ ولأنه
ليس لدي صبي يعينني على عسر الحال
ففضلت العمل ببيع الصحف والمجلات على
قارعة الطريق بالتعاون مع جاري "أبو
محمد" الذي أشفق علي، وطلب مني العمل
معه بدلا من المكوث في البيت الذي لا
يجدي نفعًا.
إسهال
وتيفود
السيدة
أم راضي -39 عاما- ربة بيت ولديها 7 أولاد
معظمهم أطفال وزوجها يعمل بقالا تقول:
اضطررنا لشراء الزير المصنوع من
الفخار، و"التنكه" أو ما يسميه
البعض "لالة"، وهي زجاجة بها شريط
صغير متصل بقنينة بها نفط تستخدم
للإضاءة، والمهفة المصنوعة من خوص
النخيل، فضلا عن قيامنا بشراء الثلج من
الباعة المتجولين.
وتضيف
أم راضي: "استمرار انقطاع الكهرباء
كان سببًا كبيرًا بإصابة طفلتي مها
التي تبلغ 3 أعوام بالإسهال الحاد
لأنها لم تستطع مقاومة حرارة الجو
المرتفعة، وحين ذهبت بها إلى مستشفى
الأطفال الرئيسي في الإسكان، أصبت
بالذعر والخوف لتفاقم حالات الإسهال
لدى الأطفال الرضع إضافة لتعرض بعضهم
للإصابة بالتيفود والالتهابات
الشديدة بالجلد".
وقاحة
العلوج
"أبو
أحمد" خريج كلية الهندسة، اضطرته
الظروف ليعمل خياطا، وقد تأثر عمله
بسبب انقطاع الكهرباء يقول: هناك عادات
وطقوس متبعة تعود إلى أيام الدولة
العباسية فغالبية العائلات كانت تفضل النوم على سطوح المنازل
للتمتع بأجواء
شاعرية رائعة تحت ضوء القمر والنجوم
ونسائم الهواء العليلة بعد منتصف
الليل، ولكن مع تطور الحياة وانتشار
أجهزة التكييف والتبريد تم العزوف عن
هذه العادات، إلا أن مأساة الحياة التي
نعيشها أجبرتنا على النوم على سطح الدار.
لكننا
مع ذلك لا ننام؛ لأن طائرات الأباتشي
الأمريكية تظل تحلق طول الليل وعلى
ارتفاعات منخفضة جدا، ووصلت الوقاحة
بالعلوج هؤلاء أنهم يخرجون أحذيتهم من
الطائرة فوق رؤوسنا.
شهر
عسل بالسطح!
وتؤكد
أم أحمد كلام زوجها قائلة: من
المفارقات المضحكة أن ابن أختي قضى شهر
العسل على سطح منزله المطل على ضفاف
دجلة في منطقة السفينة في الأعظمية،
ويوميا تقوم عروسه بعد زوال الشمس
بتهيئة الأغطية والفرش للسرير ذي
المساند الفضية الأربعة التي تقوم
بتغطيته بشرشف مخملي أبيض اللون.
ثم
تستدرك ضاحكة: للأسف هذه حياة بدائية
لا أحد يقتنع بها أرجعتنا إلى قرون
ماضية؛ لأننا لا نستطيع الحفاظ على
المواد الغذائية لتعرضها إلى الفساد
بسرعة كبيرة، ولا نستطيع شراء اللحم
إلا بكميات قليلة بسبب ارتفاع أسعارها
فضلا عن عدم المقدرة على حفظها
بالطريقة الصحية الصحيحة.
طالب
الماجستير وليد عمر اختصاص الطب
البيطري تحدث عن معاناته خلال الفترة
الأخيرة قائلا: يبدو أن اللعبة المسلطة
على رقاب هذا الشعب، ومنذ دخول
الإنجليز إلى العراق عام 1917 وإلى اليوم
هي إبقاء المواطن العراقي تحت مظلة
الفقر والحرمان والجوع، وكلما حاول
الشعب رفع رأسه كانت هناك أساليب قمع
عنيفة بانتظاره، وإلا ما ذنب العراقي
أن يشرب الماء في عز الصيف من الزير
والعراق عائم على مناجم ضخمة من
الموارد المائية والخيرات التي لا
يمكن تخيلها كالنفط والزئبق الأحمر
واليورانيوم المنضب والفسفور و.. و..
وحتى التراب العراقي أخذت تتكالب عليه
كبرى الشركات العالمية؛ لأنه يصلح
لصناعة أرقى أنواع السيراميك في
العالم.
|