ما
بين الحملة الإعلامية الأنجلو أمريكية
التي سبقت غزو العراق واحتلال العراق
فعليا، شهدت تصريحات القادة
الأمريكيين والبريطانيين تراجعًا
منظمًا وتناقضًا صارخًا في الوقت نفسه
حول حيازة العراق لأسلحة الدمار
الشامل، وذلك بعد فشل قوات الاحتلال في
إثبات صدق مزاعم واشنطن ولندن التي
تفيد امتلاك العراق لأسلحة بيولوجية
وكيماوية محظورة، والتي كانت الذريعة
الكبرى للغزو.
وأدت
الضغوط التي مارسها الرأي العام
الدولي والمحلي الذي يتلهف لرؤية
الدليل العملي أو "جسم الجريمة"
الذي من أجله تم تبرير الحرب على
العراق.. إلى صدور تصريحات هوّنت من
مسألة عدم العثور على هذه الأسلحة
المحظورة.. بل وتسعى إلى دفن هذه
المسألة.
فبعد
سلسلة من الإخفاقات المتكررة لقوات
الاحتلال في العثور على أي أسلحة
كيماوية أو بيولوجية في العراق تعرضت
الإدارة الأمريكية والحكومة
البريطانية لانتقادات لاذعة، وصلت إلى
حد اتهامهما بشن حرب لأغراض أخرى غير
المعلنة، فيما طالب البعض بالكشف عن
الأسباب الحقيقية التي دفعت هؤلاء
الساسة لاتخاذ القرار بشن تلك الحرب.
ودفعت
هذه الضغوط والمطالب والاتهامات إلى
تبدل اللهجة المفرطة في الثقة لهؤلاء
القادة التي كانت تؤكد امتلاك العراق
لأسلحة الدمار، والتي تجلت مثلا في
تصريح نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني
في 26-8-2002 بأنه "ما من شك أن صدام حسين
يمتلك الآن أسلحة دمار شامل"،
ورئيسه جورج بوش الذي قال بلغة الواثق
في ذلك الوقت: "إن العراق يطور ويوسع
من منشآته التي استخدمها من قبل في
إنتاج الأسلحة البيولوجية"، وذلك في
12-9-2002؛ أي قبل شن الحرب أيضا.
آري
فلايشر المتحدث باسم البيت الأبيض
استلهم نفس طريقة رئيسه بوش، وقال (في
2-12-2002): "نحن نعلم حقيقة.. وهي أنه
يوجد أسلحة هناك"، يقصد أسلحة دمار
شامل في العراق، وكان الرئيس بوش أكثر
تحديدا وهو يقول (في 28-1-2003): "إن
مسئولي الاستخبارات لدينا قدروا أن
صدام حسين لديه مواد خام لإنتاج ما
يعادل 500 طن من غازات السارين والخردل
والأعصاب وفي إكس".
وسعى
جاهدا وزير الخارجية كولن باول من خلال
العرض المدعم بصور وتسجيلات، والذي
قدمه لمجلس الأمن في نهاية فبراير 2003..
إلى إقناع قادة وممثلي الدول الأعضاء
في المجلس، وكذلك في كل العالم الذي
كان يتابع وقائع الجلسة عبر شاشات
التلفاز بحيازة العراق لأسلحة الدمار
الشامل.
وتبددت
الثقة
هذه
التصريحات والمواقف الجازمة التي قطعت
الشك باليقين تحولت في نهاية المطاف
إلى تصريحات غامضة مطاطة، مثل التي
صدرت عن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد
عندما قال في 27-3-2003 (أي بعد بدء الغزو
بأسبوع): "ربما كان لديهم الوقت
لتدميرها" قبل الحرب، في معرض حديثه
عن أسلحة الدمار الشامل لدى العراق.
وإمعانا
في السعي إلى التهوين من قيمة هذه
القضية باعتبارها السبب الرئيسي الذي
دفع القوات الغازية لشن الحرب على
العراق صرح في 28-5-2003 نائبه بول ولفويتز
-وهو الذي كان من أشد صقور البنتاجون
حماسة لشنها- أنه "لأسباب
بيروقراطية اتفقنا على قضية واحدة،
وهي أسلحة الدمار الشامل كتبرير لغزو
العراق" كعنوان رئيسي يبرر الحرب.
وبعد
7 أسابيع من نهاية الحرب بيّن ولفويتز
أنها الذريعة الفضلى التي يمكن "أن
يتفق عليها كل شخص"، كما أماط اللثام
عن سبب آخر "مهم جدا.. لم يسترعِ
انتباه أحد" -على حد قوله-، ويتمثل في
أن الإطاحة بنظام صدام حسين تسمح
للولايات المتحدة بسحب قواتها من
السعودية.
وقال
ولفويتز: "إن مجرد إزالة هذا العبء
عن السعوديين سيفتح الباب" أمام شرق
أوسط أكثر سلما.
وبين
التصريحات التي سبقت الحرب والتصريحات
التي تلتها، هناك جملة من التصريحات
المتضاربة؛ ففيما حدد دونالد رامسفيلد
وزير الدفاع مواقع المخازن التي تحوي
هذه الأسلحة المحظورة؛ حيث قال في
الأيام الأولى من الحرب (22-3-2003): "نعرف
أين هي الآن.. إنها في المناطق التي حول
تكريت والعراق".. فإن تكرار السؤال
المزعج للإدارة الأمريكية دون إجابة
شافية دفع مستشارة الأمن القومي
كوندوليزا رايس إلى إبداء مشاعر
الغضب، وهي تصرح (في 12-5-2003) أن
المسئولين الأمريكيين لم يتوقعوا أبدا
"نحن ذاهبون لنفتح الجراجات لنجد"
أسلحة الدمار الشامل.
ومنذ
احتلال العراق وحتى الآن زار خبراء
الغزو حوالي 320 موقعا مشبوها، ولم
يعثروا على شيء، ورجعت اللجان
المشكّلة للعثور على أسلحة الدمار
الشامل في العراق بخفَّيْ حنين.
وبعد
هذا الفشل أعلن مسئولون أمريكيون
الجمعة 30-5-2003 أن الولايات المتحدة
وحلفاءها سيقومون الأسبوع المقبل
بمحاولات جديدة للبحث عنها عبر إرسال
1300 شخص إضافي إلى المنطقة، منهم عدد من
المحللين والمتخصصين في مجال
الاستخبارات، بجانب أكثر من 200 شخص
ينفذون هذه العمليات في الوقت الراهن.
وبقيت
الحقيقة تتجلى في أن معظم المحاولات
التي حاول فيها المسئولون الأمريكيون
تهدئة الرأيين العالمي والمحلي،
ومطالبتهم بالتحلي بالصبر ريثما يتم
العثور على الأسلحة المحظورة في
العراق، مبررين ذلك بقدرة النظام
العراقي السابق الفائقة على "إخفاء"
أسلحة الدمار الشامل التي بحوزته.. قد
باءت بالفشل.
ولندن
تحاول
وحاول
من جانبه رئيس الوزراء البريطاني توني
بلير دعم موقف واشنطن؛ حيث قام في
البداية بعرض "ملف أسلحة الدمار
العراقية" أمام البرلمان البريطاني
قبيل الحرب كوثيقة تثبت حيازة النظام
العراقي لأسلحة الدمار الشامل، وبدا
مهتاجا.
وبعد
عودته من زيارة جنوده في الكويت وجنوب
العراق، قال بلير في 30-5-2003: "إذا
ذهبتم للعراق، وتكلمتم مع الناس هناك،
ورأيتم الحرية التي هم فيها.. فسوف
تدركون أننا كنا بالتأكيد على حق"،
في غزو العراق (في محاولة واضحة
للتقليل من مسألة عدم العثور على أسلحة
دمار).
وسبقه
على نفس المنوال وزير الخارجية
البريطاني جاك سترو الذي صرح عقب الحرب
مباشرة في النصف الثاني من شهر إبريل
بعد سقوط النظام البعثي العراقي.. "أن
العثور على أسلحة الدمار الشامل ليس
ضروريا!".