|

|
"لوسي" تصلح الدبابات وتقرأ رسائل حبيبها
|
|
بغداد- علي حلني- إسلام أون لاين.نت/ 10-5-2003
|
 |
|
جنود أمريكيون على دبابة قرب مسجد بالعراق |
شهر
بكامله استغرقته رحلتي في الطريق من
الصومال إلى العراق، تنوعت خلالها
العقبات، بعضها تقني وبعضها إجرائي،
ربما قاسمها المشترك جنسيتي الصومالية
التي هي استثناء عند كل المعابر
والحدود العربية تستدعي التوقف
والتحقيق، وأحيانا الاحتجاز الإداري (في
زنزانة) لمدة تطول أو تقصر.
المهم
وصلت أخيرا.. لأجد القوات الأمريكية
الموجودة على الحدود العراقية
الأردنية قد كثفت انتشارها على طول
الطريق السريع الذي يربط بين عمان
وبغداد، فبعد أن كانت نقاط التفتيش
التي يتمركز فيها الجنود الأمريكيون
قليلة، شهدت بداية شهر مايو 2003 حضورا
عسكريا ملحوظا على طول الطريق ابتداء
من معبر الكرامة الأردني وحتى مشارف
العاصمة العراقية بغداد.
في
مدخل المعبر الذي كنت مضطرا إلى الوقوف
عنده لانتظار دوري في العبور إلى جانب
المسافرين لفت نظري عجوز عراقي بدا لي
أن السبل تقطعت به في هذا المكان،
مستندا إلى صخرة كانت مطروحة على جانب
الطريق، فألقيت عليه السلام ورد علي
بصوت خافت ممزوج بمرارة، ولكنني
استدرجته للحديث فسألته عن الطريق
وأحواله فرد علي: "الطريق سالك
والعلوج في كل مكان"، وكانت مقولته
في موضعها، فما إن دخلت الأراضي
العراقية حتى وجدتني أقف في أكثر من 10
نقاط للتفتيش أقامها الجنود الأمريكان
في هذا الطريق، وكانوا في الشهر السابق
يقتصرون على الأمر بفتح شبابيك
السيارات، والنظر تحت المقاعد، لكن
هذه المرة نفذ التفتيش والمعاينة إلى
فتح الحقائب والأكياس ومعاينة جميع
الأغراض واحدة بواحدة حتى يتأكدوا من
خلوها من "مواد محظورة" بتعبير
أحد الجنود الأمريكيين الذي سألته ما
هي هذه المواد المحظورة؟ وما هو السر
وراء هذا الحرص المفاجئ على العراق
للحيلولة بينه وبين دخول مثل هذه
المواد؟ رغم أنهم تسببوا في ضياع أشياء
كثيرة في العراق تم سلبها ونقلها أمام
أعينهم في بغداد وفي أماكن أخرى من
العراق؟ فلم يعلق.
تركته
وتوجهت بسؤالي للضابط الأمريكي الواقف
بجوار دبابة: هل يسمح لي بالتحدث إلى
بعض أفراد الجنود الأمريكيين؟ فوافق،
لكنه منعني من التصوير ووضع جنديا
لمراقبتي ثم صاح: يا جماعة هذا الصحفي
يريد أن "يدردش" معكم.
لوسي
تصلح دبابة
"لوسي"
كانت بين الجنود، تعمل مجندة صيانة
وإصلاح للدبابات. قبل أن أبدأ كلامي
معها فاجأنا ساعٍ من الجنود ليبشرها
بوصول رسالة لها من كاليفورنيا، كانت
الرسالة من حبيبها الذي تركته قبل أن
تودعه كما يجب -على حد قولها- والتحقت
على عجل بوحدتها المسافرة لحرب "التحرير"،
اعترضت على استخدام هذه الكلمة، وقلت
لها تقصدين حرب احتلال العراق، فأصرت
على رأيها، تركتها لحظات مع رسالتها،
وعادت بعدها لتقول: إن حبيبها كتب
إليها معددا الأماكن الجميلة التي
كانوا يزورونها والأمسيات التي
قضياها، لكنها قالت: تخيل أنني الآن
أقارن هذه الأماكن الجميلة التي
أفتقدها بلفح الصحراء وحرها القائظ
الذي أعمل فيه بالعراق.
سألتها
عن انطباعاتها حول الوضع في العراق
والعمل الذي تقوم به داخل الوحدة وقلت
لها: المستعمرون القدامى الأوروبيون
لم يرسلوا فتياتهم إلى البلدان التي
احتلوها في أفريقيا وآسيا إلا في بعض
الحالات التي كانت تعمل فيها المرأة
طبيبة أو مبشرة، لكن بلدك بعثت المرأة
إلى العراق وهي غازية تحمل البندقية
وتركب الدبابة! فقالت: الوضع يختلف من
زاويتين فالأوروبيون كانوا غزاة، ونحن
محررون، والثانية هي أن الظروف
الحربية والتكنولوجيا المتقدمة مكنت
المرأة من أن تعمل كمجندة في القوات
الأمريكية، فالدنيا تغيرت بعد مرور
قرون.
لوسي
كانت تخاطبني بثقة وانطلاق، وتبدو
مصرة دائما على استخدام كلمة التحرير
بدل "الاحتلال" التي كنت
أستخدمها، وكانت تقاطعني كل مرة
وتذكرني بـ قل "تحرير".
ولما
سألتها مباشرة: هل هي واثقة من عدالة ما
تقوم به هنا في العراق؟ ارتابها تردد،
وصمتت لبرهة ثم قالت لي: "سأحدثك
بصراحة؛ لأني فعلا أفكر في هذا الأمر
كثيرا، إن مشاعري تجاه ما أفعله وتجاه
العمل العسكري متناقضة"، وأوضحت
أنها متمسكة بالدفاع عن الولايات
المتحدة التي "تحبها"، لكنها مع
ذلك لا تحب أن ترى نفسها "في وضع تكون
فيه بين خيار أن تُقتل أو تَقتل".
وتذكرت
لوسي أنها في الانتخابات الأمريكية
الأخيرة لم تدل بصوتها؛ لأنها "لا
تثق في السياسة والسياسيين، أما
الدفاع عن الوطن والخوض في حرب تحرير
الإنسانية فهي تراه عملا نبيلا مع
قساوته"، على حد تعبيرها.
بعد
هذه "الدردشة" القصيرة ناداني
السائق، وكان قد لاحظ أن القافلة كلها
انطلقت، ولم تبق إلا سيارتنا فأشار
بضرورة اللحاق بها خشية أن نتعرض
لمشكلة مع مليشيات "الحرامية"
التي شاع أنها تتعرض للسيارات العابرة
في بعض الأحيان، فما كان لي بد أن أجيبه
وودعت المجندة "لوسي" التي قذفتني
بدورها بكلمة سمعتها من أفواه كثير من
الجنود الأمريكيين: "سوف لن ترى
حربا، ولكنك سترى عراقا محررا بالكامل".
وفي طول الطريق ومداخل بغداد وشوارعها لم أجد ما يمت إلى التحرير بصلة، ولكنني وجدت أشياء مختلفة تماما بفعل رسل الخراب والدمار في هذا الزمان الوافدين والآهلين، وكانت المشاهد شبيهة بالعاصمة الصومالية "مقديشو" التي كنت أعيش فيها قبل أكثر من 10 سنوات، وتأكد لي قول العجوز العراقي حين قال: "يا ابني الطريق سالك والعلوج في كل مكان".
|