|

|
بغداد..
أكو شمس.. أكو حياة
|
|
بغداد
- إمام الليثي- إسلام أون لاين.نت/ 15-3-2003
|
 |
|
حياة طبيعية وسط الاستعداد للحرب |
|
|
أنهت
خديجة كلامها معي قائلة: "شوف ما دام
أكو شمس.. أكو حياة" أي أن الأمريكان
لن يستطيعوا أن يسلبوهم الحياة ما دامت
الشمس موجودة.. ساعتها تذكرت لحظة
خروجي من مصر في طريقي لتغطية الأحداث
المتلاحقة ببغداد.. كنت أعتقد أنني
سأجد أهل العراق بين راحل قبل الضربة
المرتقبة وقابع في منزله في انتظار صفارة الإنذار لينطلق إلى المخبأ؛
هربا من القصف الأمريكي.. ولكنني بمجرد
أن وطئت قدماي الطائرة تبددت هذه
الفكرة تماما؛ فقد اصطدمتُ بالعديد من
العائلات العراقية العائدة بأبنائها
ونسائها إلى بغداد.. والكل له هدف واحد
هو الدفاع عن هذه الأرض التي افتتن بها
أبناؤها.
قالت لي "هند رشيد" صحفية عراقية التقيتها أثناء الرحلة: "أنا ما أقدر أعيش خارج بلدي وأهلي مهددين بالقصف.. أموت".. رفضت دعوة أختي المقيمة بأمريكا رغم كل الإغراءات المادية التي وعدتني بها.. كان لا بد أن أعود لكي أكون بجوار أمي، خصوصا بعد وفاة أبي.
وتدخل
سعد الموصلي في الحديث قائلا: "لا
أظن أن هناك عراقيا يستطيع أن يبقى
بالخارج ليتابع الأحداث عبر شاشات
التلفزيون.. يتابع أرضه وعرضه وهما
يُنهبان"!!
أما
خديجة -أو "أم البراء" كما تحب أن
تُنادى، ربة بيت- فقد توعدت الأمريكان
بتربية أبنائها على الجهاد. وقالت: "سأجعلهم
كأبناء الفلسطينيات، لسنا أقل من نساء
فلسطين؛ فعندنا في العراق نساء على
استعداد لإعادة الصورة الفلسطينية".
وحكت لي قصة الشاعرة الفلسطينية "ضوية"
من بني حجيم التي أجبرت زوجها على
الخروج لمواجهة الاحتلال الإنجليزي
والذود عن عرضه بالرغم من كونه شيخا
كبيرا في السن.
وتمثلت
"أم البراء" بالأبيات التي قالتها
الشاعرة ضوية:
يل
ما تهز عزمك هزايز ** يل نفتخر بيك
وتنابز
شوف
الربع كامت تبارز** وهاي الفعايل الك
حافز
انهض
لصد خصمك وناجز** من تنجتل بالخلد فايز
عيب
عليك تكون عاجز
أما
"ماجد" سائق التاكسي الذي ركبته
في طريقي من المطار إلى الفندق فقد هزأ
بأمريكا وبأسلحتها قائلا: "... يضربون
ما يضربون، نحن ما نهتم.. سنبقى بالعراق
ونقاومهم، إذا ما كنت أنا يبقى أخوي،
وإن ما كان أخوي يبقى ابني... الإنسان
بيدافع لو على ماله، لو على عرضه، نحن
منتظرينهم على الأرض".
في
شارع المتنبي
لم
أكد أضع قدمي في سوق المتنبي في اليوم
الثاني في العراق حتى أيقنت أن هذا
الشعب لا بد أن يتخطى عقبته؛ فالشارع
يضجّ بالحركة وكأن الآذان قد صُمّت عن
تهديدات أمريكا وبريطانيا.. بغض النظر
عن الحالة الاقتصادية التي حدت بالبعض
إلى أن يخرج كتبا من مكتبته الخاصة لكي
يبيعها على أرصفة شارع المتنبي من أجل
أن يجد ثمن غذائه.
الشيشة
والسبحة.. متلازمتان في المقهى العراقي..
بمجرد دخولك إليه تشعر كأنك عدت إلى
زمن الأربعينيات؛ إذ يختلط المثقفون
والمبدعون، ويجلس ذلك الدرويش الذي
يمسك مسبحة ناظرا إلى اللاشيء متعبدا
لمولاه بجوار الشاب الذي يسحب أنفاس
الشيشة، بينما انتحت مجموعة أخرى من
شباب السينمائيين جانبا تخطط على
الورق يوم عمل جديدا لأول فيلم عراقي
يسعون لإنتاجه منذ عام 1990 واسمه "غير
صالح للعرض"!!.. وفي الأركان تتناثر
الأحاديث حول الحرب والحياة والغلاء
والأيام الخوالي.
يقول
العراقيون: إن دجلة أعطى للأحياء
أسماءها.. ويدللون على ذلك بأسماء بعض
الأحياء مثل: "البكرات" وهي
السواقي، وحي "الكسرة" الذي يلتوي
عنده دجلة وينحني... وغيرها من الأحياء
التي تسمت بأسماء تشكل النهر.. والنهر
اليوم يمنح العراقيين إحدى أهم المتع:
متعة التواصل ولمّ الشمل والنظر إلى
المياه الرقراقة.. فالنفس لا تجد هذه
الأيام ملاذا يريحها إلا شاطئه، حيث
تتناثر العائلات للهو واللعب والغناء..
ويلهو الأبناء والأطفال عن ذلك الغول
الذي يدق طبول الحرب.
|