تعرض
المجتمع المصري لهزَّة اجتماعية عنيفة
في أعقاب حادث الثأر البشع الذي شهدته
قرية بيت علام في محافظة سوهاج بصعيد
مصر السبت 10-8-2002 الذي راح ضحيته 22 شخصًا
من عائلة واحدة، وأعاد الحادث للأذهان
عمليات الثأر التي كانت في طريقها إلى
الاختفاء من المجتمع المصري بعد
التطور وحملات التوعية التي شهدتها
البلاد في السنوات الأخيرة.
ويرجع
د. أحمد المجدوب الرئيس السابق لوحدة
البحوث الاجتماعية بالمركز القومي
للبحوث الاجتماعية والجنائية عادة
الثأر إلى الجذور القبلية التي دخلت
مصر من الجزيرة العربية مع الفتح
الإسلامي لمصر، ولكن عادة الثأر اختفت
من معظم أقاليم مصر مع الاتصال الحضاري
بالمجتمعات الأخرى.
ويؤكد
د. المجدوب في تصريحات لإسلام أون لاين.نت
الأربعاء 14-8-2002 أن هذه العادة ظلت
مستقرة في محافظتين رئيسيتين هما قنا
وسوهاج؛ لأنهما معزولتان جغرافيًا
واجتماعيًا عن غيرهما، بالإضافة إلى
الفقر الشديد الذي تعاني منه
المحافظتان نتيجة التزايد المستمر
للسكان ومحدودية المساحة القابلة
للزراعة.
ويضيف
د. المجدوب "أن الفقر جعل الإنسان
بلا قيمة في هذه البلاد فأصبح القتل من
الأمور السهلة".
وأوضح
"أن الإنسان هناك أسير العادات
والتقاليد التي تحددها القبيلة أو
العائلة التي ينتمي إليها، وبالتالي
فهو مطالب بالتضحية بنفسه من أجل
الدفاع عن هذه العادات والتقاليد،
وإلا كان مصيره الموت الاجتماعي الذي
يصل إلى درجة العار، فإما أن يعيش بروح
القبيلة وإما أن يهجر المنطقة وينسلخ
عن جذوره".
ويشير
د. أحمد المجدوب إلى التفسير الخاطئ
للعامل الديني من خلال فكرة القصاص،
خاصة في ظل غياب المؤسسات الدينية بدءا
من الأزهر وانتهاء بالأوقاف.
وأكد
أن خطباء المساجد في صعيد مصر لا
يجرءون على مناقشة قضية الثأر، حتى لا
يغضب سكان هذه المناطق فيفضلون الخطب
التقليدية والقصص المكررة.
الضغوط
النفسية
أما
د.عادل مدني رئيس قسم الطب النفسي
بجامعة الأزهر فيرجع عادة الثأر إلى
"الضغوط النفسية التي تحاصر بها
الجماعة الشخص المطلوب منه الثأر،
والتي تصوره بالبطل الذي تم اختياره
لمهمة مقدسة لغسل عار العائلة، وهذه
الضغوط تُفقد الشخص السيطرة على نفسه
بحيث لا ينتقم فقط، بل تكون لديه شحنة
من الضغوط تجعله يفرغ 100 طلقة في الشخص
المراد الثأر منه بالرغم من أن طلقة
واحدة تكفى!".
أما
الكاتب الروائي المستشار محمد صفاء
عامر الذي تناول في العديد من مسلسلاته
التلفزيونية قضايا وعادات الصعيد،
فيقول: "حاولت تجنب إثارة عمليات
الثأر في المسلسلات بقدر الإمكان
اعتقادًا مني بأنها في طريقها إلى
الزوال والاختفاء من المجتمع المصري
الصعيدي، وإن ظلت على نطاق محدود
للغاية في بعض محافظات الصعيد، خاصة في
أسيوط وسوهاج وقنا".
ويضيف
أن عودة ظاهرة الثأر تتطلب أن يخضع
المجتمع لدراسة معمقة من علماء
الاجتماع والأنثروبولوجي حتى لا تتفشى
هذه الظاهرة وتصبح سلوكًا معتادًا لدى
الإنسان المصري، خاصة بعد تفشي
الإحساس بالسخط العام وتحدي الحكومة
وعدم احترام القانون واختفاء العادات
والتقاليد الجميلة التي كانت تحكم
الحياة الاجتماعية في مصر في وقت سادت
فيه الفوضى بين فئات المجتمع المختلفة.
ويرى
أن المجتمع المصري معروف عنه المسالمة
والطيبة طوال التاريخ، وأن هذا العنف
غريب عليه.
أهمية
التوعية
ويقول
د. أحمد المجدوب أن "علاج ظاهرة
الثأر يتلخص في القضاء على الفقر
والجهل، بوضع خطط لتنمية هذا المجتمع
وتحسين مستوى معيشة الفرد فيه، حتى
يصبح للإنسان قيمة، وبالتالي تصبح له
قابلية للحياة التي تمنعه من أن يلقي
بنفسه لوقود الثأر بسهولة".
ويشدد
على أهمية التوعية في وسائل الإعلام
بخطورة هذه الظاهرة بطريقة غير
مباشرة، مؤكدا أن الثأر مشكلة
اجتماعية لا يتم حلها بالقانون ولكن
بعلاج أسباب الظاهرة وعوامل بقائها.
ويشير
د. المجدوب إلى التجربة الإيطالية في
مواجهة ظاهرة الثأر في جزيرة صقلية،
التي وصل الأمر فيها إلى حد اغتيال
قضاة ورجال أمن ومسؤولين.
وأوضح
أن السلطات الإيطالية اتجهت نحو
التطوير الاقتصادي وتحسين دخول السكان
تدريجيًا، ونجحت في القضاء على هذه
الظاهرة.
قادة
الرأي
أما
د. مدني فيقترح أن تتم مواجهة هذه
الظاهرة من خلال قادة للرأي من أبناء
المحافظات التي تنتشر بها عادة الثأر،
مدربين بأيدي علماء نفس، متخصصين في حل
النزاعات.
وقادة
الرأي هؤلاء - كما يوضح د. مدني - هم
مجموعة من الشباب الواعي من أهل هذه
المناطق يتولون الانتشار بين رجال
القرى، ويعقدون الندوات والاجتماعات
معهم، فضلاً عن التدخل السريع في حالة
نشوب أي نزاع قبل أن يتطور إلى عمليات
ثأر متبادل ومتوارث بين العائلات.
ويؤكد
د. عادل مدني على أهمية دور العامل
الديني والجمعيات الأهلية في توعية
الأهالي وتذكيرهم بمدى الخسائر التي
يدفعها الجميع في حالة الاستسلام
لعمليات الثأر.
وكانت
قضية الثار قد تفجرت من جديد في مصر بعد
حادث الثأر الذي وقع السبت 10-8-2002 بقرية
بيت علام بمحافظة سوهاج وراح ضحيته 22
شخصاً من عائلة الحناشات بأيدي رجال من
عائلة عبد الحليم بسبب خلافات بين
الأسرتين ترجع لعام 1990 حينما نشبت
مشاجرة بين أطفال العائلتين خلال حفل
عرس.
ولم
تقف المذبحة عند حدود قرية علام، بل
انتقلت إلى الكويت، حيث يعمل مئات من
أفراد العائلتين هناك، ولكن القنصلية
المصرية بالكويت تدخلت لتهدئة الأوضاع
وإنهاء الأزمة.