|

|
ملوي.. المسلمون يساندون المسيحيين ضحايا القطار |
|
ملوي (مصر) - حمدي الحسيني- إسلام أون لاين.نت/ 6-3-2002
|
تعتبر
مدينة ملوي -300 كم جنوب القاهرة- أقل
المدن نصيبا من حيث عدد ضحايا قطار
الموت الذي أسفر حريقه الأربعاء 20-2-2002
عن مقتل 372 مواطنا حسب التقارير
الرسمية؛ ربما لأن هذه المدينة تُعد
عاصمة تجارية ضخمة بالنسبة للقرى
والمدن المجاورة لها على نطاق محافظتي
المنيا وأسيوط؛ مما يقلل من سفر أبنائها
للبحث عن عمل.
والحالة
التي لاحظ مراسل "إسلام أون لاين.نت"
أنها تشغل أهالي ملوي لضحايا القطار هي
لأسرة مسيحية قدمت شقيقين هما "فاروق"
و"باسم" جرس؛ حيث كانا يعملان في
تجارة القماش بمدينة المنصورة، وقررا
العودة معا في القطار المنكوب.
فاروق
الكبير- 32 سنة- توفي حرقا أثناء نومه في
القطار، بينما شقيقه الأصغر باسم - 30 سنة-
قفز من القطار عقب اشتعال الحريق،
والقطار مسرع، فسقط على قضيب السكة
الحديدية، فأصيب عموده الفقري بإصابات
بالغة، وما زال خاضعا للعلاج في القصر
العيني بالقاهرة.
وأسرة
"جرس" تقيم في البر الغربي للنيل
بإحدى القرى الصغيرة المتناثرة في بطن
الجبل، وللوصول إليهم لا بد من العبور
إلى الضفة الأخرى للنهر بـ"المعدية"،
ثم الانتقال بسيارة نصف نقل لعدة
كيلومترات، وبعد معاناة وصلنا إلى قرية
"دير البرشا"، وهي قرية يسكنها
خليط من المسيحيين والمسلمين.
ذهبنا
لمنزل الضحايا، حيث علمنا بأن جميع
أهالي القرية -مسلمين ومسيحيين- يقف
بجوارهم، خاصة أن الأب مُسنّ، ويرافق
ابنه المصاب في رحلة العلاج بالقاهرة،
بينما الأم وزوجتيْ الابنيْن يقتسمن
منزلا متواضعا، ويعتصرهن حزن شديد.
وتقول
أم الضحايا لمراسل "إسلام أون لاين.نت":
"كل واحد منهما ترك لنا كوم لحم، ولا
نملك أرضًا ولا مالا، وعلاج ابني المصاب
تكلف حتى الآن 20 ألف جنيه في المستشفى،
ولا ندري من أين نأتي بمصاريف العلاج،
ولا كيف سنواجه الحياة بعد هذه الكارثة".
وكان
أهل القرية -مسيحيين ومسلمين- يترددون
على منزل الضحايا لمواساتهم، وتزويدهم
بتبرعات عينية من حبوب ومنتجات محلية
وطعام، ولم تحصل الأم على أي مبالغ على
سبيل التأمين؛ لأن الحصول على التأمين
"الفوري" يتطلب إجراءات روتينية
طويلة لم تنته بعد!
ويزيد
عدد سكان ملوي على مليوني نسمة، يعملون
في مهنتين رئيستين؛ الأولى: الزراعة،
والثانية: التجارة. فالزراعة مهنة أهل
الريف والقرى المحيطة بملوي من كل
الاتجاهات، أما التجارة فهي مهنة أهل
البندر، ومعظم ملوي عبارة عن محلات
تجارية وورش لتصليح السيارات والمعدات
الخاصة بالري وغيرها من أدوات الزراعة.
وفي
طريق العودة كان لا بد أن أستقل نفس "المعدية"
المتهالكة إلى البر الشرقي في ملوي،
التي تعبر كل شيء بالنسبة لهذه القرى،
وتمثل "المعدية" خطرا دائما على
أرواح سكان تلك القرى؛ لأنها لا تخضع
لأي مواصفات، وتفتقد لأبسط قواعد
السلامة والأمان؛ فهي نموذج للإهمال
والعشوائية المنتشرة في معظم قرى
الصعيد.
تجارة
الذهب
وبعد
العودة إلى ملوي لفت نظرنا انتشار محلات
بيع الذهب والملابس الجاهزة والمطاعم،
وقال "باسم رمسيس" -واحد من أصحاب
محلات الذهب الشهيرة بملوي- لمراسل "إسلام
أون لاين.نت": "إن عدد محلات بيع
الذهب بالمدينة تصل إلى حوالي 100 محل،
بينما يوجد أكثر من 400 محل ملابس وعشرات
المطاعم؛ لأننا نتعامل مع سكان 36 قرية
محيطة، كلها تعتمد على البندر في كل
شيء، ويفرح المزارع عندما يأتي إلى
المدينة ليشترى متطلباته كل فترة وفي
مواسم معينة".
ويضيف
باسم "بالنسبة لتجارة الذهب، فهي
تجارة مضمونة المكسب، وخسارتها معروفة
ورأسمالها محدد، ويمكن تصفيتها في أي
وقت بسهولة على عكس باقي أنواع التجارات
الأخرى التي تتعرض للتلف، ويصعب التخلص
منها بدون خسائر ضخمة".
ويقول:
"هذه المدينة عانت الكثير منذ أواخر
عام 1994 حتى منتصف عام 1999؛ فقد كان حظر
التجوال يبدأ تطبيقه من السادسة مساء
حتى السادسة صباحا، خاصة بعد استهداف
بعض الأفراد التي قيل: إنهم ضمن
الجماعات الإرهابية لمحلات الصاغة،
ووقوع عمليات سطو مسلح على عدد من محلات
الذهب عام 1994، وقتل أحد تجار الذهب
بالمدينة".
ويوضح
أن المدينة خلال تلك الفترة عانت من
الشلل التام؛ فقبل موعد تطبيق الحظر يجب
أن تكون المحلات مغلقة، والجميع داخل
منازلهم، ومن يتم ضبطه مخالفا يتعرض
للاعتقال و"البهدلة" –المعاملة
السيئة-، وعكست تلك الأوضاع ظروفا قاسية
على اقتصاد المدينة، وتسببت في خسائر
طائلة.
ويشير
"باسم" إلى أن هناك أيامًا كانت
تعرض المدينة إلى حظر تجول شامل؛ حيث لا
يستطيع أحد مغادرة بيته تماما لمدة
يومين متواصلين، ولكن الآن اختفت مظاهر
القلق تماما، وأصبح الوضع طبيعا،
وبالرغم من أن الركود يسود الكثير من
الأماكن والقطاعات، فإن ملوي تُعد
استثناء؛ فهي تشهد حركة تجارية مستمرة
بسبب القرى المجاورة والتابعة لها،
وتجعل المدينة مثل خلية النحل منذ
الصباح الباكر وحتى وقت متأخر من الليل.
والملاحظ
أن "ملوي" رغم ثراء أهلها فإن
شوارعها غير ممهدة، ومنازلها مشيدة
باستثناء وسط المدينة الذي يضم عددا من
البنايات الضخمة الحديثة، كما أنها تضم
عددا من المدارس بمختلف أنواعها
ومستوياتها، والتعليم فيها محدود،
ومعظم أبنائها يفضلون التعليم الفني؛
لأن مواصلة المشوار الجامعي يتطلب
التوجه إلى المنيا وأسيوط -حيث توجد
الجامعات- لاستكمال الدراسة الجامعية؛
مما يكلف أولياء الأمور أعباء إضافية.
|