|

فرنسا: خطبة الجمعة تحض على الأخلاق
باريس - عاليه سي أحمد – إسلام أون لاين.نت/ 11-2-2002
أعدت
وزارة الداخلية الفرنسية دراسة
علمية عن خطبة الجمعة في مساجد
فرنسا، شملت تحليل مضمون 48 خطبة
أُلقيت في 23 مسجدا.
رصدت
الدراسة اتجاهًا في الخطب يؤكد على
الاندماج في المجتمع ارتكازًا على
سلوك الأخلاق الحميدة، وجاءت
النتائج التي حملت خلاصة إيجابية
لصالح مسلمي فرنسا في وقت يتقدم فيه
تيار متصاعد في الولايات المتحدة
وبعض الدول الأوروبية يجعل من
الإسلام عدوا مستهدفا، خاصة بعد
أحداث 11 سبتمبر 2001.
وأجريت
الدراسة بين سبتمبر من عام 1999 ويونيو
عام 2000، ورصدت -في معرض الإشادة- أن
الخطب لا تركز على الجهاد ولا على
الناحية السياسية، وتهتم بالجانب
الأخلاقي في أغلبها، ولجأت الدراسة
إلى تصنيف الخطباء على أساس معايير
معينة من بينها السن، ولاحظت أن
الخطباء كبار السن يركزون على الخوف
من عذاب الله، ويربطون بين آلام
البشرية وانحرافاتها التي تعود
عليهم بالمعاناة في الحياة الدنيا.
وتوصلت
الدراسة إلى أن الخطباء الشباب
الذين تم إعدادهم وتأهيلهم داخل
فرنسا يحضون على الاندماج في
المجتمع وعدم الركون إلى العزلة
والابتعاد عن الفعاليات المفيدة في
الحياة المحيطة؛ التزاما بالمواطنة
الفرنسية.
وأشادت
الدراسة -بين السطور- بالدعوة إلى
الالتزام بالمبادئ الجمهورية
الفرنسية وعدم تركيز الخطباء على
العالمية الإسلامية. ورأت أن
الخطباء يلجئون إلى طرق متفاوتة
لإبلاغ رسالتهم الأخلاقية التي تمثل
الجامع المشترك لمضمون خطبة الجمعة
في مساجد فرنسا؛ فهناك من يبدأ
بالحديث عن رحلة المهاجر لقضاء
عطلته السنوية في بلده الأصلي، ثم
يعرج في هذا المدخل إلى الحديث عن
الرحلة الكبرى -وهو ما يعني الموت
والانتقال إلى الحياة الآخرة-؛ وذلك
بهدف التذكير بالموت وأهمية طاعة
الله وتجنب معصيته.
وأشارت
إلى صنف آخر من الخطباء يتطرق إلى
الامتحان الدراسي وصولا إلى تهيئة
المصلين لتدبر حقيقة "الساعة"
ويوم القيامة، الذي تسميه الدراسة
"الحساب الأكبر". ونوهت إلى أن
أحد المحاور الرئيسية لخطبة الجمعة
هو تركيز الخطباء على الأخلاق في
إطار دعوة المصلين إلى التقيد
الصارم بالسلوكيات المثالية.
فن
البلاغة
وذهبت
دراسة وزارة الداخلية الفرنسية إلى
أن "فن البلاغة" يحتل لدى خطباء
فرنسا دورًا كبيرًا، وقالت: "إن
التعبير اللفظي وقوته العاطفية يبقى
رهان الخطبة الأساسي للتأثير في
عقول وقلوب المصلين".
وأشارت
الدراسة إلى أن الخطباء الكبار في
السن يضعون الكوارث الطبيعية كنتيجة
مترتبة على معاصي الإنسان، أما
الشباب الذي تم تأهيله في فرنسا فهو
على العكس مزود بخبرة اجتماعية كبرى
بأحوال المصلين الذين يعيشون في بلد
غير مسلم (فرنسا)، ويشدد على
المشاركة في الحياة الاجتماعية في
الحياة الاجتماعية المحيطة من خلال
التصويت في الانتخابات، على سبيل
المثال.
وذكرت
الدراسة أن الأغلبية الساحقة من
الخطب المسجلة أُلقيت باللغة
العربية الفصحى أو اللهجات العامية،
والقلة منها ألقيت بلغات أفريقية.
وذكرت
أن الخطب عادة ما تُلقى بالعربية،
وفي نهايتها ملخص بالفرنسية، فيما
يلقي الخطباء الشباب المولودون في
فرنسا خطبهم بالفرنسية بصفة أساسية.
وينتمي
الجزء الأكبر من خطباء فرنسا إلى
المغرب بنسبة 40%، ويتراجع عدد حاملي
الجنسية الفرنسية إلى نسبة 9%
بالمقارنة بنسبة 4% التي تعود إلى
دراسة أجريت عام 1994. ويحتل
الجزائريون المرتبة الثانية بنسبة
24%، والأتراك 15%، والتونسيون 6%،
وأفارقة جنوب الصحراء 4%، كما تشير
الإحصائيات إلى أن هناك 1000 إمام في
فرنسا مقابل 1500 مسجد.
تنصت
سري
وحرصت
وزارة الداخلية على طلب الموافقة من
إدارات المساجد للسماح لباحثيها
بالدخول حاملين أجهزة تسجيل صغيرة
لتسجيل الخطب، ولكن الواقع الفعلي
في المساجد يعرف تنصتا سريا من قِبل
السلطات الأمنية الفرنسية على
الأئمة؛ حيث تمكن البعض منهم من
اكتشاف أجهزة تنصت دقيقة زُرعت في
أماكن معينة، ثم قام بإتلافها.
ويُرجع
البعض هذا التغير الاستثنائي إلى
ضرورات البحث العلمي الذي لا يمكن
نشره متضمنا تنويها إلى أن تسجيل
الخطب تم بشكل "سري" وعن طريق
عملاء.
وقد
قام بالدراسة مجموعة من الباحثين
بمعهد "الدراسات العليا والأمن
الداخلي" –يهيسي- التابع لوزارة
الداخلية، واستعانوا بخبرات علمية
من المسلمين المتخصصين؛ من بينهم
المشرف على الدراسة "مصطفي ديوب"
الأستاذ في المعهد الوطني للغات
والحضارات الشرقية (أينالكو)، إضافة
إلى محرري الدراسة: "محسن إسماعيل"
المتخصص في الشؤون الإسلامية، و"عبد
الرحيم حفيظي" عالم الاجتماع.
خصوصية
معينة
وتعليقا
على ما ذهبت إليه الدراسة، يقول
الشيخ "أنيس قرقاح" مدرس العلوم
الشرعية بالمعهد الأوربي للعلوم
الإنسانية بباريس: "لا شك أن
المنبر يهتم في الأساس بوعظ
المسلمين، وتربيتهم، وتعليمهم،
وإبقائهم على الصلة بالله تعالى".
وأضاف "إن هذه المهمة تشمل جوانب
متعددة كالعقيدة والفقه والأخلاق
بفروعها المختلفة". ويتناول
الأئمة كلهم هذه القضايا أسبوعيا،
وينتهزون المناسبات المختلفة مثل
الصيام والحج لتوضيح أمور الدين
وأركانه للمسلمين.
وتعرف
فرنسا خصوصية معينة على الصعيد
الاجتماعي، من أهم سماتها: الفشل
الدراسي، والإدمان، والصدامات بين
الشرطة والشباب الفرنسي من أصل عربي
في ضواحي المدن الكبرى بصفة خاصة.
ويسهب
الأئمة في إيضاح أن الكثيرة من هذه
المشاكل مزودة بإهمال الآباء لتربية
الأبناء، وتقاعس المعلمين وبعضهم
يشترك مع الطلاب في إدمان المخدرات،
ومنهم من يقع في الشذوذ، ويرتكب كذلك
جريمة اللواط التي تطال حتى بعض
القساوسة.
قلة
المتعلمين
ويستطرد
الشيخ قرقاح "من الملاحظ في فرنسا
الشكوى من قلة الأئمة المتعلمين
تعليما شرعيا مضبوطا محاطا بفهم
دقيق للواقع الاجتماعي لهذا البلد.
والمعروف أن معرفة الشرع ومعرفة
الواقع يساعد في إنزال الشرع على هذا
الواقع؛ إذ إن الصلة بينهما قائمة،
وهي من العلامات البارزة في المجالس
الفقهية؛ لهذا قمنا منذ أكثر من عشر
سنوات بتأسيس معهد العلوم
الإنسانية، وله الآن فرعان في
فرنسا، وفرع واحد في بريطانيا من أجل
تأهيل الأئمة على أرضية من فهم
الواقع الأوربي؛ فهؤلاء الأئمة
الشبان لا يأتون من الخارج بل هم ممن
وُلدوا في أوروبا ويتزودون في
المعهد بالعلم والشرع الصحيح.
إننا
مع إعلان بعض محتويات دراسة وزارة
الداخلية ندعو إلى أن يتحلى
الباحثون والمستشرقون والصحفيون في
الغرب بالنزاهة والموضوعية عندما
يتعرضون للإسلام، وأن يسألوا أهل
التخصص الحقيقي مثلما يحترم رأي أهل
التخصصات الأخرى في العلوم الدنيوية".
|