|

مصر..
تسكين الاقتصاد بمؤتمر للقروض
خالد
حنفي - إسلام أون لاين.نت/ 5-2-2002
تعول
الحكومة المصرية على مؤتمر الدول
المانحة الذي تحتضنه مدينة "شرم
الشيخ" صباح الثلاثاء 5-2-2002، الذي
يستمر ليومين؛ للخروج من الأزمة
التي تعصف باقتصاد البلاد منذ
عامين، وكان أبرز ملامحها العجز
المزمن في الميزان التجاري، وتخفيض
العملة المحلية مقابل الدولار،
وارتفاع مستويات التضخم والبطالة.
ويناقش
المؤتمر الذي تشارك فيه 37 هيئة
ودولة مانحة سياسات النمو
الاجتماعي والبشري في مصر، ووسائل
تحفيز القطاع الخاص على الدخول في
مشروعات التنمية. وسوف ترأس السيدة
"فايزة أبو النجا" وزيرة الدولة
للشئون الخارجية الوفد المصري
المشارك في المؤتمر الذي يرعاه
البنك الدولي.
وتقدم
مصر إلى هذا المؤتمر مشروعات محددة
تتواءم مع خطة الدولة، وتعمل في
اتجاه تحقيق الأولويات التي تم
تحديدها للعمل الحكومي، وهي: إيجاد
فرص عمل للشباب، وتحسين مستوى
المواطن المصري، والتركيز على
المناطق الريفية وتنميتها، مع إبراز
دور وأهمية رعاية المرأة الريفية
بما يرتبط بذلك من خدمات أساسية من
صحة وتعليم ومياه نقية للشرب ونظام
صرف صحي وغيرها من الخدمات.
وفي
الوقت الذي ستطلب الحكومة المصرية
من ممثلي الدول المانحة حوالي 2.5
مليار دولار؛ لاستيعاب العجز
المتوقع في ميزان المدفوعات الذي
قدّرته مؤسسات التمويل الدولية
بحوالي ملياري دولار بحلول نهاية
يونيو 2002م -يعارض بعض الاقتصاديين
المصريين هذه الخطوة، معتبرين أن
الاعتماد على القروض للخروج من
الأزمة الحالية حل مؤقت وتسكيني!
القروض
ليست عبئا
وتدافع
الحكومة المصرية عن لجوئها للقروض
لحل أزمتها الحالية بالقول بأن هذه
القروض لن تزيد من حجم المديونية
الخارجية؛ فيقول "محمد عواد"
خبير اقتصادي بمجلس الوزراء المصري:
"إن المساعدات الخارجية ستساهم
مرحليًّا في تجاوز الأزمة الحادة
التي يواجهها الاحتياطي الأجنبي إلى
حين انفراج الوضع وانطلاق الاقتصاد
العالمي مجددًا"، موضحًا أن
الركود "سمة عالمية، وليس خصوصية
مصرية فقط".
ويضيف
الخبير المصري أن "المساعدات التي
ستحصل عليها مصر من الدول والهيئات
الدولية المانحة المشاركة في
اجتماعات شرم الشيخ لا تُعد قروضًا
بالمعنى المفهوم ذات فائدة مرتفعة
تثقل كاهل الاقتصاد المصري، إنما
هي مساعدات يتم الاتفاق عليها بما لا
يرهق كاهل الحكومة، خاصة أن
الحكومة تبنَّت مؤخرا سياسة لتثبيت
حجم الديون الخارجية المستحقة عليها
عند مستوى 25 مليار دولار".
وتؤكد
الحكومة المصرية أنها لم تنتظر ما
سيجود به اجتماع شرم الشيخ للخروج من
الأزمة الاقتصادية؛ بل إنها اتخذت
عددا من الإجراءات الضرورية، حيث
عمدت إلى تطبيق إجراءات محددة
لمواجهة الانخفاض في عائدات
السياحة، ومنها خفض سعر صرف الجنيه
المصري مقابل الدولار الأمريكي؛ في
محاولة لإضفاء المزيد من التنافسية
على الصادرات المصرية إلى الخارج،
وجذب المزيد من السياح الأجانب إلى
مصر.
ولا يتوقع المراقبون أن تجد الحكومة
أي مشاكل في الحصول على هذه الأموال؛
نظرًا للعلاقات الإستراتيجية التي
تربطها بأهم الدول المانحة، وهي:
الولايات المتحدة، وكذلك بعد توقيع
مصر على اتفاقية الشراكة مع أوروبا.
ويقول
دبلوماسي غربي لراديو كندا الدولي
الثلاثاء 5-2-2001: "لا يمكننا أن ندع
مصر تسقط، ولا يوجد من يرغب في زعزعة
استقرار هذا البلد، حليف الولايات
المتحدة وأوروبا، والوسيط المهم بين
العرب وإسرائيل".
السبب
11 سبتمبر
ورغم
أن الأزمة الاقتصادية في مصر تعود
إلى ما قبل أحداث 11 سبتمبر 2001 فإن هذه
الأحداث فاقمت من أزمة الاقتصاد
المصري؛ حيث وقعت قطاعاته الرئيسية
في أزمة مستفحلة، فقطاع السياحة خسر
حوالي ثلاثة مليارات دولار، حسب
تقديرات معهد التخطيط القومي في
ديسمبر 2001، كما انخفضت حصيلة دخل
قناة السويس بنسبة تتراوح بين 20 إلى
25%، وضعفت تحويلات العاملين
بالخارج، وكذلك حصيلة النفط. يضاف
إلى ذلك عدم كفاية الاستثمارات
الأجنبية والصادرات (بلغ حجمها بين
الأعوام 1998 و2000 ستة مليارات دولار
سنويا، في حين بلغت الواردات 17
مليارًا سنويا في الفترة ذاتها).
وهناك أيضا الدَّين الحكومي الكبير
بسبب المشاريع الكبرى للري وإنشاء
مدن جديدة.
أما
الأزمة الكبرى التي أظهرت عورات
الاقتصاد المصري خلال عام 2001 فهي
تدهور قيمة العملة المحلية؛ فقد
خفضت السلطات المصرية سعر الجنيه
مقابل الدولار الأمريكي أربع مرات
خلال عام؛ وذلك لمواجهة النقص
الحاصل في السيولة، كان آخرها منتصف
ديسمبر الماضي 2001، وحدَّد سعر الصرف
قبل يومين بـ(4 جنيهات و58 قرشا) مقابل
الدولار الواحد مع هامش تقلب بنسبة 3%
صعودًا وهبوطًا، لكن "الورقة
الخضراء" (الدولار) باتت مفقودة في
الأسواق حاليًا، وسعر السوق السوداء
تجاوز (5 جنيهات و50 قرشا).
وقد
أدى تدهور قيمة العملة المحلية إلى
محاولة الحكومة ضخّ دولارات في
السوق المصرية لجمح انخفاض الجنيه
المصري أمام الدولار ومواجهة السوق
السوداء؛ الأمر الذي نال من
الاحتياطي النقدي. وكان مجلس الشورى
المصري قد أصدر يوم الثلاثاء 15-1-2002م
تقريرًا أوضح فيه أن حجم احتياطي
العملات الأجنبية بلغ 12 مليار دولار
في نهاية عام 2001م، مقابل 22,5 مليارًا
قبل خمسة أعوام؛ أي بانخفاض يبلغ
حوالي 50%.
مسكنات..
وليس حلا
لكن
السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستحلّ
القروض مشاكل الاقتصاد المصري؟..
الخبير الاقتصادي "حازم الببلاوي"
يحذر من "الاستكانة إلى المساعدات
الخارجية التي تعمل على تسكين الألم
والتخفيف منه بدلاً من استئصاله"،
مشيرًا إلى أن "ثقة الناس في
الإدارة الاقتصادية معدومة،
وبالتالي في مستقبل البلد".
واعتبر
الببلاوي أن "الأزمة الحالية
مكونة من عناصر هيكلية وأخرى ظرفية،
فضلاً عن العوامل النفسية"،
مؤكدًا أن ميزان المدفوعات بات في
"وضع هشّ للغاية؛ بسبب مشكلة
الصادرات المحدودة، وتوفير العملة
الأجنبية سريعة التبخر".
وأكَّد
أنه "لا يمكن تغيير الوضع في
الفترة المقبلة؛ نظرًا للعيوب
الهيكلية في الاقتصاد"، موضحًا أن
"الكارثة تكمن في المصاعب
المتعددة التي نواجهها من بطالة،
وكساد، ونقص في السيولة، وعجز في
الميزانين: التجاري والمدفوعات،
وليس أزمة مالية فقط".
ودعا
الببلاوي إلى "سياسة مالية
وتجارية لمعالجة هذه المشاكل، وليس
نقدية فقط"، متسائلاً عن "معنى
وجود سياسة نقدية، في حين يتم تقييد
السياسة المالية في الوقت ذاته؟".
أما
الدكتور "محمود عبد الفضيل"
أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة
فيقول: "إن أزمة الاقتصاد المصري
تتعلق بالخلل في القطاعات الرئيسية
التي يعتمد عليها؛ فالنفط وقناة
السويس والسياحة وتحويلات المصريين
في الخارج كلها قطاعات ترتبط بعوامل
خارجية؛ وهو ما يجعل الاقتصاد
معرضًا دائما لهزات، وهذا الأمر
يتطلب تغييرا في البنية الاقتصادية،
وإعطاء دور رائد للقطاعات الإنتاجية
التي يمكن أن تساهم في زيادة
الصادرات وتقليص الفجوة مع الواردات".
ويشير
عبد الفضيل إلى أن القروض حل مؤقت،
والاستمرار فيها يعقّد الأزمة ولا
يحلها، محذِّرا من اشتداد وطأة
الأزمة بعد استهلاك هذه القروض في
أغراض الإنفاق الاستهلاكي العام،
وليس لهدف إنفاق إنتاجي يعود على
البلاد بزيادة في فرص التوظيف ونمو
الصادرات.
من
أجل سوق الصرف
أما
"أحمد سيد النجار" خبير اقتصادي
بمركز الدراسات الإستراتيجية
بالأهرام، فيقول في تحليل لهيئة
الإذاعة السويسرية: "إن استخدام
جزء من القروض لضخها في سوق الصرف
لإعادتها لتوازنها -خاصة مع التزام
الحكومة بضخ 250 مليون دولار شهريا
منذ يناير 2002 ولمدة ستة أشهر- يمثل
مضيعة لجزء من القروض؛ لأن هذا لا
يعالج الاختلال الهيكلي المتمثل في
وجود عجز في الموازين الخارجية
لمصر، وبالأساس في الميزان التجاري
الذي بلغ العجز فيه نحو 41.7 مليار
دولار في مجموع الأعوام الثلاثة
الماضية: 1998، 1999، 2000".
وحسب
النجار، فتتطلب معالجة الوضع في سوق
وسعر الصرف في مصر ضرورة إعادة النظر
في سياسة ربط الجنيه المصري
بالدولار الأمريكي التي تسببت في
خسائر كبيرة لمصر في الأعوام
الأخيرة؛ حيث شكلت أحد العوامل
المهمة في كبح نمو الصادرات المصرية
إلى دول الاتحاد الأوروبي التي تُعد
الشريك التجاري الأكثر أهمية
بالنسبة لمصر.
ويضيف
النجار أن المضي في سياسة السباق مع
السوق السوداء على تخفيض الجنيه
مقابل الدولار، والاقتراض من أجل
تمويل الواردات - سيعيدان سوق الصرف
المصرية لأوضاع مشابهة لوضعها
المضطرب في عامي 1990 و1991، فضلا عن
أنهما سيؤديان في النهاية لتزايد
الديون الخارجية.
|