|

الإيكونوميست: اقتصاد مصر بلا أسنان
هشام سليمان- إسلام أون لاين.نت/8-1-2002
في
تشخيص لحالة مصر الاقتصادية، اعتمد
على المقارنة بين مصر والأرجنتين..
رسمت ريشة الإيكونوميست في 3-1-2001
صورة قاتمة لتردي الأحوال
الاقتصادية في مصر.
وفيما
استبعد التقرير أن تؤدي الحالة
الراهنة للاقتصاد المصري إلى ثورة
شعبية مثلما حدث في الأرجنتين؛ حيث
إن الدين الخارجي لمصر يعد قزما
مقارنة بالحالة التي عليها
الأرجنتين.. فإنه أكد على انزلاق
الاقتصاد المصري إلى "نفق مظلم".
وقد
أرجع التقرير سبب هذا التردي إلى
تضافر مجموعة من العوامل، لخصها في
انهيار أسعار صرف الجنيه المصري
مقابل العملات الأجنبية، وهبوط
أسعار الأسهم وقيم الملكية إلى
النصف عما كانت عليه منذ ثلاث سنوات.
كما أن هروب رؤوس الأموال إلى خارج
مصر، وفشل الحكومة في دعم العملة
المحلية تسببا في انخفاض صافي
الأصول الأجنبية إلى الثلثين.
وقد
دلل التقرير على تفاقم سوء هذه
الأوضاع بمشكلة البطالة التي وصلت
إلى 20% (حسب التقديرات غير الرسمية).
ويزيد من حجم هذه المشكلة لجوء
الشركات الخاصة إلى خفض رواتب
العاملين بها، وتسريح أعداد أخرى من
موظفيها، إضافة إلى 800 ألف باحث عن
فرص عمل ينضمون سنويا إلى طابور
العاطلين.
وقد
وصف التقرير مصر بأنها تشبه الآن "تمساحا
أهتم" (بلا أسنان) مقارنة بدغدغة
المشاعر وحالة التفاؤل التي كانت
سائدة في وسط تسعينيات القرن
العشرين التي كان يروّج فيها لمصر
بوصفها "نمرا اقتصاديا" في
المنطقة.
إحصائيات
الحكومة محل شك
وفيما
ترى الحكومة المصرية أن الوضع
الاقتصادي ليس سيئا بهذه الدرجة؛
حيث لم ينخفض إجمالي الناتج المحلي
إلا لنسبة 4.9% لسنة 2001 مقابل 6% لسنة 2000،
فإن التقرير أبرز أن الاقتصاديين
المصريين المستقلين ينظرون لتلك
الأرقام بعين الشك. فحسب بعض
التقديرات –وصفها التقرير بـ"الخاصة"-
انخفض إجمالي الناتج المحلي لنسبة 3%
في سنة 2001. وتتوقع التقديرات نفسها
أن تتقلص تلك النسبة إلى أقل من ذلك
في السنة الجارية.
كذلك
تسود حالة الشك هذه بين هؤلاء
الاقتصاديين فيما يخص تقارير
الحكومة، حيث
يعتقدون أن الحكومة لم تذكر
الحقيقة فيما يخص عجز الموازنة
العامة للدولة، وأن العجز الحقيقي
في الموازنة بلغ ضعف ما ذكرته
الحكومة. كذلك تتستر الحكومة على
الحجم الحقيقي للدين المعدوم.
أحداث
سبتمبر زادت الأزمة
وقد
أشار التقرير إلى أن مثل هذه الوساوس
غير جديدة في الدوائر الاقتصادية
بمصر، لكنّ هجمات 11 سبتمبر 2001 أضافت
مشاكل أخرى، حيث تلقت كل مصادر الدخل
القومي لمصر ضربة موجعة بعدها.
وتتركز مصادر الدخل القومي بمصر في
عوائد تصدير البترول، ورسوم عبور
قناة السّويس، والسياحة، وحوالات
المصريين المهاجرين خارج مصر، إضافة
إلى المساعدات الخارجيّة.
وعلى
سبيل المثال، فإن عوائد السياحة
التي وصلت إلى حد قياسي بالنسبة لمصر
وبلغت 4.3 مليارات دولار بحلول يونيو
2001، تدهورت بشدة بعد أحداث سبتمبر؛
حيث انخفض عدد السائحين إلى النصف
بحلول أكتوبر 2001، فيما بلغت أقصى حد
في التدهور بمزيد من إلغاء البرامج
السياحية في ذروة الموسم السياحي
الشتوي بمصر. كذلك فقد الدخل القومي
المصري ثلث الإيرادات النّفطيّة.
أصل
الأزمة
وفي
معرض تقصي أصل الضائقة الاقتصادية
التي تعاني منها مصر، ذكر التقرير
وجه التشابه بين كل من مصر
والأرجنتين بأن كلا منهما ربطت
برامج الإصلاح الاقتصادي الذي
يدعمها صندوق النقد الدولي بالدولار
الأمريكي.
وبعد
عقدين من تطبيق تلك البرامج شهدت
فيهما مصر انتعاشا نتيجة عودة 60
مليار دولار من الأموال الوطنية
المهاجرة في شكل استثمارات، وكذلك
إسقاط الدول الغربية الدائنة لثلثي
الدين الخارجي لمصر، إلا أنها شهدت
انتكاسات بعد عدة حوادث إرهابية
داخل مصر، وأزمة النمور الآسيوية في
عام 1997.
لكن
يظل السبب الرئيسي في وصول الأزمة
الحالية إلى هذا المستوى هو
الاندفاع المصري في اتجاه التوسع في
الملكية والاستثمارات العقارية
والاستهلاكية، بدلا من الاستثمار
الإنتاجي، بل إن الحكومة نفسها دعمت
هذا الاتجاه حيث توسعت في نفس
الاتّجاه بتمليك مساحات كبيرة من
الأرض للمقاولين، وكذلك توجيه عوائد
الضرائب إلى مشاريع كبرى لاستصلاح
الأراضي الزراعية الباهظة التكلفة،
وهو ما تسبب في غرق حجم الثّروة
الصّافية للبلد في مساحات من
الأراضي منخفضة القيمة، بعضها نصف
مبني، وفي قرى وفيلات سياحية لا تجد
من يشتريها، وهي كلها مشروعات لم
تدرس من حيث الجدوى بروية وأناة.. لذا
ففي تسعينيات القرن العشرين انخفضت
حصة مصر في التجارة الدولية –
الضعيفة أصلا – بنسبة 20%،
وانخفضت نسبة السّلع المصنّعة
في صادراتها بنسبة 25%.
وبالرغم
مما سبق فلا ترجع الأزمة الحالية
كلها لسوء اختيارات الاستثمار،
فالتقرير يرى أن التقلبات التي
يحدثها صناع القرار بمصر دمرت الثقة
فيهم؛ حيث واجهت الحكومة أزمة نقص
الدولار الأمريكي بفرض قيود على
الواردات، وهو ما أنعش السوق
السوداء لتبادل العملات، وبدلا من
أن يؤدي ذلك إلى دعم الجنيه المصري
تسبب في خفض قيمته بنسبة 8%، ثم شرعت
الحكومة في سحب رخص مكاتب استبدال
العملة، وهو ما يشير إلى أن الحكومة
المصرية ما زالت تنوي السيطرة على
سوق المال بتكتيكات عنيفة.

|