|

مؤتمر بون .. النتائج هزيلة والتطبيق غير مضمون
بون- نبيل شبيب- إسلام أون لاين.نت/ 3-12-2001
 |
|
أحد المشاركين في مؤتمر بون ونظرة للمصير المجهول |
أصبحت
نهاية مؤتمر أفغانستان في بون بنجاح
مضمونة نسبيا، ولكنه نجاح يفرضه حرص
الأطراف المعنية على عدم إعلان
إخفاقه، يسري هذا على الأمم المتحدة
والاتحاد الأوروبي والولايات
المتحدة الأمريكية على وجه التخصيص،
فبدون تحقيق استقرار سياسي نسبي
تكون الحرب العسكرية نفسها حربا
خاسرة.
كذلك
لا يريد أحد من الأطراف الأفغانية
الأربعة في المؤتمر أن يحمل
المسؤولية عن إخفاقه، وهذا ما يعني
الجبهة المتحدة (تحالف الشمال) أكثر
من سواها؛ فزعماؤها –وفي مقدمتهم
برهان الدين رباني- هم المطالبون
بالتراجع واقعيا عن السيطرة على ما
مكّنهم انسحاب طالبان المفاجئ من
السيطرة عليه قبل سواهم، بما في ذلك
كابول العاصمة، وهذا "التراجع"
هو ما تعنيه "رونا منصور"
الناطقة باسم وفد الملك السابق محمد
ظاهر شاه، بقولها أثناء المفاوضات:
"إنه يمكن تفهم عدم رغبة تحالف
الشمال في التخلي عن جزء من مواقع
القوة التي يسيطر عليها".
بتعبير
أوضح أصبح الهدف الرئيسي من مفاوضات
بون أن يقبل تحالف الشمال بأن يوجد
إلى جانبه في أجهزة الحكم
الانتقالية ممثلون عن مجموعات
سياسية من الأفغان، لم تشارك مشاركة
فعالة في الصراع الدائر على البلاد
في السنوات الماضية، ولا في
التحركات العسكرية الأخيرة،
والمقصود هنا علاوة على مجموعة
روما، كل من ممثلي الأفغان من قبرص
الذين يمثلون واقعيا الشيعة من
قبائل هزارا، وبالتالي إيران
إقليميا، ثم ممثلي فريق من قبائل
الباشتون في المنفى الباكستاني.
رباني
وظاهر شاه
وقد
دارت معركة المفاوضات في بون طوال
الأيام الماضية بين جبهتين. كلتاهما
أضعف من الجبهة الرئيسية الغائبة،
ولا يواري ذلك الانطباع بوجود
خيارين رئيسيين هما رباني وظاهر
شاه، فكلاهما لا يعتمد على "غالبية"
تبرر اختياره، إنما تعتمد قوة رباني
السياسية والعسكرية على أنّ طالبان
أرادت بانسحابها السريع من كابول
بالذات أن تمكّن قوات رباني من
دخولها بصورة ورّطت "خصومه"،
بمن فيهم الولايات المتحدة
الأمريكية وباكستان، وبالمقابل
تعتمد قوة ظاهر شاه على أنّه حظي
بدعم أمريكي، ولكن هذا الدعم لا
يعوّض عن الصوت الأفغاني، ولم يظهر
حتى الآن ما يدل على رغبة غالبية ما
من الأفغان من مختلف الفصائل في
عودته للقيام بدور سياسي حقيقي.
وقد
برز في حصيلة المفاوضات حول صيغة
الحل السياسي – وبقيت جولة اختيار
الأسماء لشغل المناصب بها - اضطرار
الجبهة المتحدة (تحالف الشمال) إلى
التراجع عن عدد من النقاط، وهو ما
كشـف عن عدم وقوفها على أرض صـلبة،
وأظهر عمق الانقسامات القائمة فيها،
وأولها كما هو معروف بين الجنرال
الأوزبكي عبد الرشيد دوستم -الشيوعي
المعروف بدموية حياته العسكرية
والسياسية، وهو المفضل أمريكيا في
الوقت الحاضر- وبين رئيس الدولة
رسميا حتى الآن الزعيم الطاجيكي
رئيس مجموعة الحزب الإسلامي في
الجبهة المتحدة برهان الدين رباني.
وقد
ظهر علاوة على ذلك الانقسام داخل
جهاز الحكومة الحالية، وهو ما عبّر
عنه مثلا تهديد وزير الداخلية يونس
قانوني بتجاوز رئيسه رباني، وكذلك
مسارعة وزير الخارجية عبد الله عبد
الله إلى إعلان الموافقة على بعض
المطالب كالقوات الدولية قبل أن
يعلن رباني ذلك، ثم مسارعة الأخير
إلى القول بأن المقصود هو الموافقة
على ما لا يزيد عن مائتي عنصر.
على
أن الأخطر على وضع "الجبهة
المتحدة" على خارطة أفغانستان
السياسية الحالية هو ضعف وجود عنصر
الباشتون فيها، على مستوى الفصائل
وعلى مستوى الزعماء، فيونس خالص -
الأشهر بين زعمائها - لا يملك قوة
عسكرية كبيرة، وقلب الدين حكمتيار
انسحب مع قواته من "تحالف الشمال"،
وقال بأنه ينوي الانضمام إلى
طالبان، ولكن لم يفعل ذلك واقعيا،
والزعيم الذي أُتي به إلى المؤتمر
باعتباره من زعماء القبائل، وهو "حاجي
عبد القادر" انسحب من المؤتمر
بصورة استعراضية قائلا بأن سبب
انسحابه هو عدم تمثيل الباشتون فيها
بدرجة كافية.
هل
نجح المؤتمر؟
وعند
التأمل في مجرى المفاوضات وفي
حصيلتها يتبين بوضوح أنها لم تكن
تجري بين "الأطراف الأفغانيين"
حقيقة، قدر ما كانت بينهم وبين القوى
الدولية المهيمنة على المؤتمر وعلى
صناعة القرار في أفغانستان في الوقت
الحاضر، وكانت هذه الأطراف حريصة
على "نجاح المؤتمر" وفق منظورها
للنجاح، ذلك أن الإخفاق يعني واقعيا
سيطرة الفوضى السياسية التي ذكرت
مصادر طالبان أنها كانت من أهداف
انسحابها السريع من مدن الشمال،
استنادا إلى خلاف تحالف الشمال
المنتظر مع الدول الغربية بمن فيها
الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك
مع الدول الإقليمية ذات العلاقة ولا
سيما باكستان.
هل
يمكن إذن الحديث عن نجاح المؤتمر عند
التأمل في حجم النتائج الهزيلة
وافتقاد ضمانات تنفيذها، أم ينبغي
القول بأن ما بدأت الصياغة الأخيرة
لإعلانه رسميا، إنما هو من قبيل
التغطية على الإخفاق في التوصل إلى
صيغة سياسية شاملة يمكن الاطمئنان
إلى قابلية تطبيقها بحيث تحقق
الاستقرار في أفغانستان في المستقبل
المنظور؟
ومن
العسير أخذ الجواب من تفاصيل الخطة
التي "ابتدعها" ممثلو الأمم
المتحدة لإنقاذ المؤتمر، وقد اعتمدت
على تقسيم المرحلة الانتقالية إلى
مرحلتين انتقاليتين، وزيادة عدد
الأجهزة الانتقالية المراد
تشكيلها، وفق الحاجة إلى ترضية "المشاركين"
في تلك الأجهزة عدديا، وليس وفق
الحاجة الفعلية لتنظيم عملية إعادة
الاستقرار إلى البلاد.
والجوهر
الرئيسي في هاتين المرحلتين –
أولاهما ستة شهور والثانية سنتان-
كامن في عدم إعطاء طرف واحد، لا سيما
الجبهة المتحدة، القدرة على التصرف
على انفراد، وبالتالي الحيلولة دون
أن تعتمد على سياسة فرض الأمر
الواقع، وهو أمر فيه قدر كبير من
التفاؤل؛ فسياسة فرض الأمر الواقع
كانت وما تزال تعتمد على لغة السلاح.
كذلك
فقد جاءت إضافة الفترة الانتقالية
الأولى لستة شهور، للالتفاف على
مطالبة رباني بأن يكون الانتخاب هو
الأساس في تشكيل الجهاز التشريعي
الرئيسي ولو بصفة مؤقتة، ويسري هذا
أيضا على تشكيل "لجنة إدارة مؤقتة"
مـن المفروض أن ينتهي دورها بعد ستة
شهور لصالح "حكومة مؤقتة"..
ولكن
الأهم من دورها سيكون دور ما سمي بـ
"لجنة خاصة"، فهي التي ستحدد
تشكيلة "المجلس الوطني الكبير"
الذي يحدد بدوره مستقبل أفغانستان،
ويبدو أن إقصاء محمد ظاهر شاه عن
رئاسة الحكومة، سيُعوّض بدور له في
هذه اللجنة الخاصة، وهو دور لا
يستهان به وإن كان يوصف بأنه "رمزي"،
وهو ما "يرضي" الجبهة المتحدة!.
|