|

القدس
تشتاق لأبنائها في رمضان
فلسطين
- مها عبد الهادي والجيل للصحافة -
إسلام أون لاين.نت/ 1-12-2001
الأم
تشتاق لأبنائها حينما يبعدون عنها..
فما بالك بالقدس؟ تلك المدينة التي
عزلها الاحتلال الإسرائيلي عن
أبنائها، الذين يبعدون عنها مئات
المترات؛ بل كذلك حاصروها عن
أبنائها الآخرين في الضفة الغربية
وغزة ، غير أن هؤلاء الأبناء يحاولون
بشتى الطرق أن يصلوا إلى الحرم
القدسي، خاصة في أيام شهر رمضان.
وعبر
"سليم السلفيتي" (55 عاما)- من
مدينة الناصرة داخل الأراضي المحتلة
لعام "48" ، والذي قدم إلى
المدينة المقدسة منذ ساعات الظهيرة
الجمعة 30-11-2001 ليقيم الشعائر في رحاب
الأقصى- عن مدى حزنه مما شاهده في
الأقصى، ويضيف "عندما صليت المغرب
في داخل الحرم، ورأيت قلة الناس
الذين يصلون في المكان أشعر
بقشعريرة، لقد كان المسجد يعج
بالمصلين في الليل، ولا أنسى عندما
كنا نأتي إلى المسجد الأقصى وتنتهي
الصلاة فنتوجه إلى باب الأسباط
بسرعة؛ لأنه دائما يكون أقل زحمة،
ولأنه لا ينفذ إلى البلدة القديمة،
وإنما ينفذ مباشرة إلى الشارع
الرئيسي. ويضيف "كنا دائما نذهب
إلى القدس لنصلي، اليوم نأتي هنا
ونحن ننتظر أن يتم إيقافنا والقيام
بعملية تفتيش لنا ولأرقام بطاقاتنا..
الوضع أصبح لا يُطاق، ولكن علينا أن
نقاوم ما يقومون به حتى لا يجعلوا
القدس حكرا عليهم وهذا ما يسعون إليه".
جنود
وخيالة على الأبواب
ويقف
في العادة مجموعة من رجال الشرطة على
الأبواب، وعلى كل من يريد أن يتجه
للصلاة في الحرم القدسي الشريف أن
يقوم بتسليم بطاقة هويته على
البوابة، ومن ثَم فعليه أن يتوجه إلى
الجنود الذين يقومون مسبقا بعملية
فحص أمني لهذه البطاقات قبل أن
يعيدوها، والكثير من الشبان يتم
اعتقالهم على أبواب الحرم القدسي
الشريف بسبب وجود مخالفات أمنية
عليهم.
ويقول
الشاب "أشرف السيد" من سكان "العيزرية"
في القدس بعد أن منعه الجنود
الإسرائيليون من الوصول إلى الحرم
القدسي الشريف "أصبحت القدس
والحرم محرمة على أبنائها وكذلك على
أي من المسلمين" وأضاف متسائلا
"هل أصبح من حق شارون وكوهين
وغيرهم أن يصلوا إلى الحرم، وأصبحنا
نحن الغرباء؛ حيث يمنعنا الجنود من
أن نصلي داخل الحرم في يوم الجمعة.
يُذكر
أن الجنود الإسرائيليين حددوا عمر 40
عامًا لكل من يحق له الصلاة في
المسجد الأقصى المبارك ضمن سلسلة
شروط ابتدعوها منذ عشر سنوات ساهمت
بشكل أكبر في التضييق على المسلمين.
حصار
منذ العام 1991
ولا
يُعتبر رمضان هذا هو الأول في سلسلة
التضييق على المدينة المقدسة؛
فالحصار مفروض على مدينة القدس منذ
العام 1991، وما زالت تلك الطرق التي
تربط بين باب السلسلة وباب العامود
المؤدي إلى الحرم القدسي الشريف
خالية من أولئك الذين كانوا يهرولون
إلى الحرم القدسي لأداء مناسك شهر
رمضان الفضيل.
وفي
الوقت الذي كانت فيه أعداد المصلين
في الحرم القدسي في الجمع الأخيرة من
رمضان يرتفع أحيانًا إلى نصف مليون
مصلٍّ فإن من أدوا صلاة جمعة منتصف
شهر رمضان أمس لم يتعدوا الـ 60 ألف
مصلٍّ.
تسهيلات
مدعاة
ورغم
ادعاءات الحكومة الإسرائيلية
بسلسلة من التسهيلات مع بداية شهر
رمضان فإن الطرق المؤدية إلى القدس
عبر رام الله تشهد وقائع معاكسة؛ حيث
أغلقت بشكل لم يشهد له مثيل.
وتم
التشديد على الحواجز العسكرية
الإسرائيلية المقامة على مداخل
القدس؛ حيث منع أبناء الضفة الغربية
من المرور عبرها إلى القدس، ووضعت
حواجز إضافية وخاصة على مفترق
مستوطنة "النبي يعقوب" وبيت
حنينا، وعلى طريق الجسر المؤدي إلى
القدس، وفي شعفاط والشيخ جراح وفي
الطور وراس العامود، وعلى جميع
مفترقات الطرق المؤدية من القرى إلى
القدس.
وتبدو
شوارع القدس حزينة؛ فزوارها قلائل
بالنسبة لجمع رمضان في السنوات
السابقة؛ حيث كان يأتي إليها ما
يقارب نصف مليون مصلٍّ من مختلف
المناطق، ولكن هذا العام يقدر خطباء
المسجد الأقصى المبارك أعداد
المصلين الذين تمكنوا من أداء صلاة
الجمعة الأولى من شهر رمضان بـ (25-30)
ألف مصلٍّ.
ولم
يكتفِ جنود الاحتلال بمنع المصلين
من الدخول إلى مدينة القدس؛ بل منعوا
المواطنين المقدسيين الذين لا
تتجاوز أعمارهم الأربعين عامًا من
الدخول إلى الحرم القدسي الشريف،
وتواجدت حشود كبيرة من الشرطة
الإسرائيلية على أبواب الحرم أشبه
بالثكنة العسكرية؛ وذلك لمنع
المصلين من الصلاة فيه؛ وهو ما اضطر
المئات منهم إلى أداء الصلوات في
الشوارع فيما كانت باحات الحرم شبه
خالية.
أسواق
بلا زبائن!!
ربما
أهم ما يميز مدينة القدس عن غيرها من
المدن الفلسطينية الأخرى في كل
الأيام، وخصوصا في شهر رمضان
المبارك هو التسوق والشراء في هذا
الشهر؛ حيث تعد عشرات الحملات
بضائعها الرمضانية التي تتميز بها
القدس "القائف ، الحلبة ، التمر"
لتستقبل هذا الشهر المبارك. هذا ما
أخبرنا به التاجر "أبو الحسن"،
وأضاف "رمضان خلال الانتفاضة
اختلف كثيرا؛ فقد قفل عشرات التجار
محلاتهم، واتجهوا للعمل في مجالات
أخرى بفعل محاولات الاحتلال الذي
جعل التسوق والتجارة في المدينة لا
يُطاق. ويتابع أبو الحسن وهو ينظر
بحسرة إلى أكوام البضائع الرمضانية
التي تكدس العشرات من المواطنين
يفضلون النظر إلى البضائع دون أن
يشتروا منها شيئا في الوقت الذي
يدخرون أموالهم للمواد الأساسية
كالخضار والطحين، بينما باتوا
يعتبرون هذه من الكماليات التي لا
حاجة لاقتنائها.
والكعك
يشكو!!
وللقدس
حكاية مع كعك رمضان، خاصة أنها تُعد
من أفضل المدن الفلسطينية إنتاجا
للكعك؛ فغالبية زوار المدينة من
الضفة والقطاع يقتتلون على شرائه
خلال رمضان، لكن الوضع لم يعد كذلك
في شهر رمضان الجاري؛ حيث يقول "محمد
عبد القادر" صاحب أحد أكشاك بيع
الكعك في المدينة: "إن بيع الكعك
انخفض كثيرا خلال رمضان هذا العام"،
مشيرًا إلى أنه لم يَبِعْ خلال
الجمعة الأولى من رمضان إلا بمبلغ
زهيد جدا.
ويفسر
بائع الكعك عدم الإقبال بقوله: "لقد
بات المواطنون يهتمون بكيفية الوصول
لبيوتهم سالمين وفي أقصر وقت في ظل
الإجراءات الاحتلالية والحواجز
المنتشرة في كل مكان".
كان
يا ما كان!!
هذه
الأجواء لم تمنع الفلسطينيين -وكبار
السن منهم خصوصا- في هذه المدينة
المقدسة من استحضار تلك الصور
القديمة لرمضان زمان، والتي أصبحت
مجرد ذكريات تساعد على الهروب من هذا
الواقع المرير.
ويستذكر
الحاج "حسين أحمد" من سكان
مدينة القدس كيف كانت أجواء مدينة
القدس في رمضان، وكيف كانت تعج أسواق
المدينة بالمتسوقين والزوار من جميع
مدن وقرى فلسطين وبعض الدول
العربية، بالإضافة إلى السياح
الأجانب الذين كانوا يعتبرون مدينة
القدس ملجأ لهم في شهريْ نوفمبر
وديسمبر مع اقتراب الأعياد المسيحية
لهم.
ويتابع
الحاج أحمد "لقد كان باستطاعة
الزائر أن يجد ما يشتهيه في الوقت
الذي يشجع فيه التجار على تزويد محله
بجميع اللوازم التي يحتاجها المتسوق"،
مشيرًا إلى أن هذه الصورة انقلبت
رأسًا على عقب اليوم بفعل قوات
الاحتلال ومستوطنيها.
نفس
المعنى أكده زوار سابقون للمدينة؛
حيث كانت تُقام في ليالي رمضان سهرات
دينية تتلى فيها الآيات القرآنية،
وتُنشد فيها الأهازيج الدينية،
ويتسامر خلالها الناس، وتنتشر فيها
الفرحة والسرور حتى ساعات متأخرة من
الليل، وفي أحيان كثيرة تمتد حتى
ساعات السحور، ولكن في رمضان هذا
العام اختفت هذه المظاهر المعتادة،
وأصبح مواطنو القدس يفضلون الخلود
إلى منازلهم في وقت مبكر؛ خشية على
حياتهم وحياة أبنائهم من اعتداءات
قطعان المستوطنين والمتطرفين من
الإسرائيليين المحتلين.
|