|

رمضان الخليج.. رجال أعمال ويتسولون!!
أبوظبي
-رضا حماد -إسلام أون لاين.نت/ 28-11-2001
يصعب
على المرء أن يتخيل المتسولين في
مجتمعات الوفرة التي تميز منطقة
الخليج؛ فالكل في هذه الدول يفترض
أنه يعمل، بل ويتقاضى عن عمله ما
يضمن له مستوى معيشيًّا معقولا، ومع
ذلك تبدو ظاهرة التسول إحدى الظواهر
اللافتة في الشوارع ومراكز التسوق
بل والمصالح الحكومية أيضًا. وإذا
كان مشهد المتسولين صار طبيعيًا
طوال العام فإنه خلال شهر رمضان أحد
المناظر المتكررة في كل مكان حتى
أصبح الشهر الكريم هو موسم الهجرة
للتسول!.
والمتسول
في الخليج ليس شخصًا رثًّا مهلهل
الثياب.. معاقًا أو كهلا لا يقدر على
العمل، لكنه -في العادة- شاب تفوح منه
رائحة العطر، يمد لك يديْه من سيارة
فاخرة، أو امرأة منتقبة حسنة المظهر
تستوقفك في الطريق أو تدق باب بيتك
أو عملك!!
وحجج
المتسولين تتناسب وشكلهم المبتكر؛
فهي دائمًا أزمة عارضة؛ فمرة مواطن
خليجي سُرقت نقوده يطلب العون حتى
يعود إلى بلده، ومرة أخرى سيدة تدعي
أن أمها ترقد في المستشفي تحتاج
العلاج. والمفاجأة أن معظمهم جاءوا
في زيارة بغرض التسول يحملون صفة رجل
أعمال، ودفعوا عدة آلاف ثمنًا
لتأشيرة الزيارة وتذاكر الطيران
والإقامة من أجل شهر أو شهرين للتسول!.
لكن
لماذا يكثر المتسولون في شهر رمضان؟
ولماذا يُعتبر شهر رمضان هو موسم
التسول في الخليج؟.. "مراسل إسلام
أون لاين.نت" رصد الظاهرة في
الإمارات، وراقب ألاعيب المتسولين،
ثم ناقش الظاهرة مع المسؤولين ورجال
الدين حول أسباب انتشارها.
مشاهد
التسول
لا
شك أن الحديث عن المتسولين، ومحاولة
كشف حقيقة دوافعهم من التسول محكوم
عليها بالفشل؛ فالكذب هو لسان حال
الجميع -نساء ورجالا-، وليس بإمكان
أحد إقناع أحدهم بالصدق سوى رجال
الشرطة الذين تتكشف كل الحقائق
أمامهم بعد أن يقع المتسول في قبضتهم.
وفي
أحد شوارع أبوظبي استوقفتنا فتاة
منتقبة في الثلاثين من عمرها تتحدث
بلكنة خليجية واضحة، وادعت أنها
جاءت بأمها من الشارقة إلى أبوظبي
للعلاج، ونفدت نقودها، وتود العودة
إلى بيتها مرة أخرى، لكنها لا تملك
أجرة العودة، وحين عرضنا تسديد أجرة
السيارة نيابة عنها أَبَتْ متعللة
بأنها تنتظر إحدى قريباتها، وطلبت
أن نعطيها ما نجود به من مال يؤمِّن
لها تكلفة العودة، لكنها لم تقتنع
بما يضمن لها أجرة السيارة وطلبت
المزيد.
وأمام
أحد المساجد وقف شخص آخر متكئًا على
سيارة فاخرة، راقبتُه من بعيد؛ فإذا
به يستوقف من يخرج من المسجد واحدًا
تلو الآخر، طالبًا العون والمساعدة
حتى يعود إلى بلده.. اقتربت منه
مبديًا استعدادًا لمساعدته، وسألته
عن السبب، فبدا متأثرًا من الموقف
الذي وضعته فيه الظروف، وقال: "جئت
لزيارة الإمارات بسيارتي، لكنني
فقدت نقودي، ولا أملك ثمن "البنزين"
الذي يؤمِّن لي العودة" عرضت عليه
مرافقته إلى إحدى الجمعيات الخيرية
التي تضمن له المساعدة لحل مشكلته،
فرفض مُصِرًّا على أن أعطية بعض
المال وفقط.
في
مكان آخر وجدنا امرأة بادية الرشاقة
والحيوية تمسك بيدها طفلا في
الخامسة من عمره، تستوقف كل من
يصادفها في الطريق مدعية أن زوجها
حبيس المنزل ضرير، وأنها تسعى في
سبيل تربية أربعة أطفال.. عرضنا
عليها أن تلجأ إلى جمعية خيرية من
الجمعيات المنتشرة بكثرة في
الإمارات، فرفضت عارضة نفس البضاعة
التي يتاجر بها كل المتسولين؛ بعض
الأدعية وشهر العطاء والكرم والجود.
متسولون..
رجال أعمال!!
وإذا
كنا فشلنا في اكتشاف حقيقة
المتسولين، فمحاضر وضبطيات الشرطة
تبرهن على أفعالهم، وتكشف على
ألسنتهم تفاصيل نشاطهم وأساليبه.
يقول العميد "حاضر بن خلف المهيري"
-مدير عام الجنسية والإقامة في وزارة
الداخلية الإماراتية لـ"إسلام
أون لاين.نت"-: "إن ضبطيات
الشرطة خلال عدة أشهر بلغت 81 متسولا
ومتسولة؛ وهو ما يؤكد انتشار
الظاهرة بشكل خطير، يحتم مكافحتها"،
مشيرًا إلى أن بعضها كشف عن مفاجآت
خطيرة؛ حيث بينت التحقيقات أن
معظمهم يدخلون الإمارات تحت ستار
السياحة وبمهنة رجال أعمال، وبعضهم
يأتي في مجموعات محترفة التسول تقصد
البلاد في المواسم، وبخاصة شهر
رمضان المبارك، الذي يحث المسلمين
على الإحسان ومساعدة الفقراء
والمحتاجين.
ويضيف
أنه "قبل فترة طاردت دورية الشرطة
أحد المتسولين في الشوارع، وبعد
القبض عليه ضُبط معه حوالي 5 آلاف
درهم، اعترف بأنها حصيلة ثلاثة أيام
فقط! كما تم ضبط مجموعة من المتسولين
تدعمهم شركات تجارية تستقدمهم إلى
الدولة للبلاد بهدف ممارسة التسول
وجمع الأموال".
وأكد
"المهيري" أن أجهزة الشرطة تسعى
لمكافحة هذه الظاهرة بكل السبل؛ حيث
يتم تشديد الحملات التفتيشية
وتكثيفها في الفترات التي يكثر فيها
المتسولون، وخاصة في الأيام
المباركة كشهر رمضان والأعياد، لكن
الدور الأكبر مُلقى على عاتق
الجمهور الذين يجب أن يبلغوا عن
المتسولين الذين يصادفونهم في
الشوارع، قائلا: "بصراحة شديدة
فإن استمرار وجود المتسولين في
الدولة مسؤولية من يتعاطفون معهم،
ظانين أنهم يتقربون إلى الله،
ويحسنون إلى الفقراء. والحقيقة أن
هؤلاء المتسولين بعيدون كل البعد عن
الإحسان؛ فكيف لي أن أصدق أن شخصًا
اشترى تأشيرة وتذكرة سفر، وحصل على
سكن في الإمارات، ثم أُفاجأ به يتسول
في الشوارع وأمام المساجد يطلب
إحسانا؟!"
وأشار
إلى أن التسول يُعد ظاهرة جديدة على
المجتمع الإماراتي، وقد أنتبهت لها
السلطات المختصة، وأقرت حكومة
أبوظبي في عام 1975 قانونًا محليًّا
لمنع التسول، ومعاقبة المتسولين
الذين يسيئون إلى الصورة الحضارية
للدولة.
إحراج
ومضايقات
لكن
كيف يرى مواطنو الإمارات والمقيمون
فيها هذه الظاهرة؟
محمد
الرميثي (موظف حكومي) يقول: "إن
مشكلة انتشار التسول تكمن فيما
يسببه المتسولون من حرج ومضايقات
بالغة تضطر المرء إلى إعطائهم مبلغا
من المال للتخلص منهم"، ويضيف "دائما
نجد متسولين أثناء جلوسنا في
المقاهي والمطاعم، أو حتى أثناء
السير في السوق يتوسلون بعبارات
مبتذلة ومكررة من أجل بعض المال؛
بحجة أنهم من مكان ما، ولا يستطيعون
العودة إليه.. ذات يوم استوقفتني
امرأة تطلب مني أن أعطيها خمسين
درهما من أجل الذهاب إلى إحدى
الإمارات؛ بحجة أنها لم تعد تملك من
المال شيئًا، وتريد العودة إلى
أقربائها، فاقترحت عليها أن تأخذ
"تاكسي"، وتحاسبه عند الوصول
إلى المكان الذي يعيش فيه أقرباؤها،
إلا أنها ثارت في وجهي قائلة: ألا
تريد أن تتصدق من أجل مالك وصحتك،
فقدمت لها ما يمكن أن تجود به اليد،
رغم يقيني من أنها تتحايل بكل السبل
للحصول على المال".
أما "ثاني الهاملي" (رجل أعمال)
فقال: "صحيح أن الإسلام يحثنا على
العطاء والتصدق وعدم نَهْر الفقراء
والمحتاجين، لكن التسول أصبح مهنة
ومصدر دخل أناس ليسوا بحاجة إلى
المساعدة، ولا يجوز عليهم الإحسان؛
فوجوه المتسولين تراها أينما ذهبت،
وأنا شخصيًا أعرف المتسول من إلحاحه
وجرأته وعدم قناعته بما تعطيه من
إحسان؛ فالهدف لديهم هو جمع أكبر قدر
من المال دون حياء أو خجل"، مشيرًا
إلي أن حيل وألاعيب المتسولين كثرت
قائلا: "ذات يوم، وبينما كنت أمشي
بأحد الشوارع، استوقفني شخص من إحدى
الدول الشقيقة ادعى أنه لم يعد يملك
من المال شيئًا، وأنه في حاجة إلى
مبلغ للحصول على جواز سفره الذي
يحتجزه الفندق من أجل دفع أجرة
الإقامة، مشددًا علي أنه سيرد
المبلغ بمجرد عودته إلي وطنه،
وأعطاني رقم هاتفه حتى أتصل به،
لكنني حينما حاولت الاتصال بالرقم
في حضوره ثار؛ لأنه يعلم أنها مجرد
حيلة".
وأكد
"خالد بحيري" (موظف) أن الصدقة
واجبة على كل مسلم قادر، لكنها يجب
أن تذهب إلى من يستحق، مشيرًا إلى أن
كثرة حيل المتسولين تجعل المرء في
حيرة من أمره لا يستطيع تقدير من
يستحق ممن يتخذ من التسول مهنة لا
يفعل سواها، وأوضح "أنا شخصيًا
أخشى من سوء الظن بطالب المساعدة،
وأضطر لإعطائه ما يجود به العلي
القدير حتى لا أتحمل وزر التخلي عن
مساعدة مسلم طلب مساعدتي" مؤكدًا
أن فطرة الإسلام السمحة التي فطرنا
عليها تدفعنا إلى العطاء دون أن نسأل
إذا كان هذا الشخص يستحقها أم لا؛
لأن الله -سبحانه وتعالى- يكافئ
الإنسان على نيته وإخلاصه.
أما
عن رأي الدين في التسول والمتسولين،
فقد أشار "عبيد العقروبي" وكيل
وزارة الشؤون الإسلامية المساعد في
الإمارات إلى أن الدين الإسلامي
الحنيف عالج قضية الفقراء بقول الله
-عز وجل-: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ
وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا..."
بأن حدد الله الفئات التي يجب أن
تُقدم لهم زكاة الأموال، وتغنيهم عن
السؤال، وقال: "في الوقت الذي يوجب
الإسلام الزكاة على الأغنياء يحض
القادرين على الصدقات، ويجزل العطاء
للمنفقين؛ فقد منع في الوقت نفسه
التسول والسؤال إلا في حالات
الضرورة؛ فقد بين -عليه الصلاة
والسلام- في أحاديثه الشريفة أن
السؤال لا يجوز إلا لذي فقر مُدقِع،
أو غُرمٍ مُفجع، أو دم مُوجع، وأن
الذي يسأل من غير حاجة يأتي يوم
القيامة وليس في وجهه لحم".
وأضاف
أن "منع التسول مسؤولية
المسئولين، وهم كل شخص تمتد إليه يد
السائل؛ فعليهم أن يقدموا يد العطاء
لمساعدة هذا المحتاج إذا اتضح أنه
بالفعل بحاجة إلى مساعدة.. أما إذا
أدركوا كذبه ومقاصده من التسول؛
فعليهم إسداء النصح والإرشاد إليه
ودعوته إلى البحث عن عمل، وتبيان
خطورة مهنة التسول، ومدى تحريم
الإسلام لها".
وأشار
إلى أنه إذا اختلط الأمر على
الإنسان، ولم يعد مدركًا صدق السائل
من كذبه؛ فعليه أن يعطيه القليل؛ فإن
كان محتاجا كفاه القليل، وإن لم يكن
صادقًا وليس بحاجة فلن يكون ذلك
القليل مستحقًّا للأسف والندم.
وفي
إطار حث الإسلام على العمل ذكر "العقروبي"
أنه يُروى عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- أنه "مر رجل شاب على النبي،
يحمل فأسه منطلقًا إلى عمله، فقال
أحد الصحابة: لو كان هذا في سبيل
الله؟ فقال النبي -عليه السلام-: "إن
كان خرج يسعى على أبوين كبيرين فهو
في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على
صغار فهو في سبيل الله، وإن كان خرج
يسعى على نفسه فهو في سبيل الله، وإن
كان خرج يسعى رياء وسمعة فهو في سبيل
الشيطان".
وأكد
أن الحضارة الإسلامية ترتقي
بالإنسان، والمسلم عزيز بدينه
وعقيدته؛ لقوله تعالى: "وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"
فالإنسان مكرم بما ضمن الله له من
رزق إذا ما أخذ بأسباب العمل الجاد
والسعي في طلبه. وأوضح أنه يجب أن
نعلم أن الشرع الحنيف يرفض كل ظاهرة
سلبية تخدش كرامة الإنسان المسلم،
وظاهرة التسول تُعد إحدى الظواهر
السلبية التي تهدر كرامة الإنسان،
ومن هنا فإنه يجب عليه أن يصون نفسه،
ويحفظ كرامته، وأن يسعى في الأرض
طلبا للرزق، ولا يستسهل الحصول عليه
من التسول الذي يسيء له وللدين
الإسلامي الحنيف.
|