|

مؤتمر
بون.. مصالحة قبل أوانها
بون-
نبيل شبيب- إسلام أون لاين.نت/27-11-2001
 |
| موتمر بون عقد رغم عدم التفاول بنتائجه |
ربما
كان التوقيت غير مقصود، أو أن تأخير
افتتاح المؤتمر يوما واحدا لم يكن
مقصودا؛ إذ جاء صباح الثلاثاء 27-11-2001م
متزامنا مع انطلاق الطائرات
العسكرية الألمانية الأولى لنقل
الجنود والعتاد إلى "ساحة المعركة"
بناء على الموافقة النيابية الصادرة
قبل أيام بشأن المشاركة في الحرب
الأمريكية "العالمية" الحالية،
ومن المفروض أن تستمر عملية الشحن
والنقل شهرين كاملين، ولكن يلفت
النظر أن الجيش الألماني لن ينتشر
بجنوده ومعداته قرب أفغانستان، بل
قرب العراق (أو قرب المنطقة العربية
عموما) في منطقة إنجيرليك التركية –ويسري
شبيه ذلك على القطع البحرية
الألمانية المقرر إرسالها إلى
المياه القريبة من السواحل العربية-
وهو ما دفع أحد ساسة المعارضة في
ألمانيا إلى مطالبة الحكومة بالكشف
عما لم تكشف عنه بشأن حقيقة المشاركة
الألمانية في الحملة العسكرية
الأمريكية، ومَن ستستهدف الأسلحة
الألمانية إلى جانب الأمريكية
والبريطانية وغيرها في الأسابيع
والشهور المقبلة.
والمعتاد
أن يحظى الجانب الذي يمسّ ألمانيا
مباشرة بالاهتمام الأكبر في الأوساط
السياسية والإعلامية في ألمانيا،
ولكن الاهتمام كان منصبا صباح
الثلاثاء 27-11-2001م على افتتاح مؤتمر
أفغانستان في بون، فهو أيضا يساهم
كالمشاركة العسكرية الأولى من نوعها
خارج نطاق حلف شمال الأطلسي، في
تحقيق المرحلة الأخيرة من مراحل
إعادة الاعتبار إلى ألمانيا على
المسرح الدولي بصورة كاملة، كما
يفهمها الألمان والغربيون عامة.
ويبدو
أن هذا بالذات كان من الأسباب
الكامنة وراء الحرص الألماني على أن
ينعقد المؤتمر الآن رغم ظهور أسباب
عديدة وكافية لتأجيله، ورغم عدم
وضوح ما يمكن التوصل إليه فعلا من
خلاله. وصحيح أن وزير الخارجية
الألماني "يوشكا فيشر" أكّد في
كلمة الافتتاح -كما أكد مبعوث الأمم
المتحدة "الأخضر الإبراهيمي"-
أن الغرض هو تنفيذ الخطة التي وضعتها
الأمم المتحدة لمستقبل أفغانستان
بعد طالبان، والتي تتألف من خمس
نقاط، ولكن لا تبدو المعطيات
السياسية أو العسكرية متوفرة لتحقيق
شيء من هذه الخطة في المستقبل
المنظور على الأقل.
وأهم
النقاط المطلوبة من هذا المؤتمر
التوصل إلى صيغة لحكومة انتقالية،
ووضع خطة لضمان الأمن في البلاد،
والاتفاق على أسس عامة للمستقبل
السياسي أو لدستور البلاد في
المستقبل. ولكن من ينفذ ذلك من بين
زهاء ثلاثين شخصا يمثلون "أربع
جهات" أفغانية؟.
الجهة
الأولى هي الملك الأفغاني السابق
ظاهر شاه، الذي بذل الأمريكيون جهدا
كبيرا لفرضه على الساحة، رغم عدم
وجود وزن عسكري أو سياسي له في
أفغانستان نفسها، ولم يكن له تأثير
على أحداثها منذ أكثر من ثلاثين
عاما، وقد يجد الآن دعما باكستانيا
بعد معارضة سابقة لأن يكون له دور
ما، ولكن لا يجهل أحد أن الدعم
الباكستاني إذا أتى، فلأن الحكومة
الباكستانية بدأت تدرك أنها أصبحت
هي الضحية الثانية للحرب الجارية
إلى جانب أفغانستان، فتحاول إثبات
وجودها في الساحة الأفغانية بصورة
ما، إذ إنها لم تفقد الحلفاء والعمق
الإستراتيجي في الدولة المجاورة
فحسب، بل أصبحت تواجه أيضا خطر
الانقسام والاضطرابات داخل الحدود
الباكستانية نفسها.
أما
الجهة الثانية فتمثل "جهات معارضة
أفغانية" في قبرص، وينطبق عليها
دون ريب شبيه ما ينطبق على الملك
الأفغاني السابق، وربما ارتبطت
الرغبة الدولية أو الغربية في
مشاركتها في الدرجة الأولى في أنها
أقرب إلى إيجاد "تيار علماني
وشيوعي" في بلد بات من المستحيل
تجاوز التوجه "الإسلامي" بغض
النظر عن الاستقامة أو الانحراف،
بين سائر القوى السياسية ذات
التأثير الفعلي فيه.
والجهة
الثالثة هي "تحالف الشمال"..
ولكن تحالف الشمال لا يرى للمؤتمر
ضرورة ولم يشارك فيه إلا بمستوى
منخفض من التمثيل، وعلى مضض تحت
الضغوط، وليس هذا غريبا، إذ ما الذي
يستدعي لديه العمل على تشكيل حكومة
انتقالية تحتل المقاعد التي احتلها
الآن في كابول مجددا، وبثمن عسكري
وسياسي باهظ ؟.. ثم كيف يمكن الاتفاق
على سياسة مشتركة يتبعها التحالف في
المؤتمر، أو في الاتفاق على
المستقبل السياسي لأفغانستان
عموما، بينما بدأت الخلافات تظهر
بين أجنحة "التحالف" نفسها فور
بسط السيطرة على شمال أفغانستان
ووسطها، وإلى درجة أن هذه الخلافات
بدأت ترسم ما يشبه "الحدود
الفاصلة" بين مناطق انتشار القوات
العسكرية لكل فصيل، لا سيما فصيل
الجنرال الشيوعي السابق دوستم.
الجهة
الرابعة هي "ممثلون من الباشتون"..
ولا يخفي المسؤولون عن المؤتمر أنهم
لم يستطيعوا كسب شخصيات سياسية أو
قيادية معروفة، تمثل الفئة الشعبية
الأكبر من سواها في أفغانستان،
والتي تعتبر حتى الآن السند الرئيسي
لقوّة حركة طالبان، كما أن أبرز
زعماء الباشتون من خارج إطار
طالبان، وهو جُلب الدين حكمتيار،
استثناه القائمون على الدعوة -وهم من
الناحية الرسمية الشكلية الأمم
المتحدة- وكان استثناؤه نتيجة
إعلانه في وقت مبكر رفضه للحملة
العسكرية الأمريكية، وانسحابه من
التحالف الشمالي لهذا السبب،
واستعداده للتعاون مع طالبان ضد
القوات الأمريكية.. ومن جانب وصف
المؤتمر في بون أنه "مؤتمر أمريكي".
سيان
ما يمكن قوله عن طالبان وسواها، يبقى
أن "مؤتمر سلام" لمستقبل
أفغانستان، لا يمكن أن يحقق نجاحا
مستقرا ما لم يجمع "سائر الأطراف"
وهذا ما لا يتوفر لمؤتمر بون، الذي
ينعقد فوق ذلك كله قبل أن تستقر على
أرض أفغانستان نفسها، معالم نهائية
لنتائج الحملة العسكرية، وقد كانت
المعركة الحقيقية الوحيدة التي دارت
خلاها، هي المعركة حول "قندوز"،
واستغرقت عدة أسابيع، فكيف سيكون
مجرى الأحداث العسكرية في المعركة
التي بدأت على قندهار؟ وما مدى
احتمال إطلاق "حرب عصابات"
طويلة الأمد؟
مؤتمر
أمريكي أم لا؟
ولكن
بغض النظر عن عدم سلامة توقيت
المؤتمر المنعقد في بون، هل يصح وصفه
كما قال حكمتيار بأنه مؤتمر "أمريكي"
فعلا؟.. لا شك أنه لا يخالف مباشرة
الرغبات الأمريكية في فترة تبدو
حكومة واشنطن فيها وقد نجحت في تعبئة
دول عديدة، وتحييد دول عديدة أخرى،
وتخويف فريق ثالث، لتقوم بالحملة
التي بدأتها في أفغانستان.. وبدأ
يشيع وصفها بالحرب العالمية
الثالثة، وإن كان الأقرب إلى وصفها
على ضوء موازين القوى العالمية
حاليا، بأنها "حملة عسكرية
إمبراطورية"، وهذا ما تشير إليه
تلميحات واشنطن وتصريحاتها بشأن
المحطة العسكرية التالية، سواء وقع
الاختيار على الصومال –وهي الأفقر
إفريقيا كأفغانستان الأفقر آسيويا-
أو على العراق ليستكمل جورج الابن ما
بدأه جورج الأب في نطاق "بناء
الإمبراطورية الأمريكية بعد الحرب
الباردة".. ثم لا يوجد من يمكن أن
يجزم الآن أين ستصل هذه الحملة في
نهاية المطاف، وبمختلف وجوهها،
الدموية العسكرية، أو تلك التي بدأت
على شكل "حصار وضغوط" على
مستويات عديدة.
ربما
كان هذا العنصر "المجهول" في
التوجهات الأمريكية هو الذي يثير
قلق بعض الدول الأوروبية فدفعها إلى
محاولة التحرك على المسرح الدولي
الجديد، وإن بقي تحرّكها في حدود ما
رسمت واشنطن أو رسمت التفجيرات في
واشنطن ونيويورك معالمه ففرضت
نفسها على صانعي القرار في أوروبا
أيضا.
وفي
هذا الإطار تبدو المشاركة العسكرية
الأوروبية على اختلاف دوافعها، صورة
من صور "حجز مكان" ما على
الخارطة التي يجري رسمها لجنوب
آسيا، قبل أن "تبتلعها الهيمنة
الأمريكية" المتمددة في أنحاء
العالم منذ انهيار الشيوعية
ومعسكرها الشرقي، وفي هذا الإطار
أيضا، يكمن على الأرجح الدافع
الألماني، أو الأوروبي عموما، من
وراء الاستعجال في عقد مؤتمر بون تحت
مظلة "الأمم المتحدة"، وهذا رغم
انعدام التفاؤل في أن يحقق نجاحا ما
خلال ما قد يتجاوز الأسبوعين من
المحادثات فيه.
|