|

رمضان
الانتفاضة بمذاق الاحتلال
فلسطين-
مها عبد الهادي- النجاح للصحافة-
إسلام أون لاين.نت/21-11-2001
لا
تقتصر ملامح شهر رمضان في فلسطين على
الامتناع عن المأكل والمشرب
والإكثار من التعبد وارتياد المساجد
بشكل غير معهود، بل إن هناك عادات
وتقاليد رمضانية عريقة تطال أوجه
حياة الفلسطينيين اليومية، بعضها
تكرس عبر الأجيال السالفة، والآخر
استحدثته انتفاضة الأقصى الراهنة
التي صبغت كل ألوان الحياة بمقاومة
الاحتلال.
فهناك
العديد من العادات الجديدة التي
أدخلها الفلسطينيون لهذا التراث
لإغنائه، فالعلاقات الاجتماعية
المترابطة، والألفة، وسيادة روح
التضامن والتكافل، والشعور مع
الآخرين هي أكثر ما يميز الأيام
الرمضانية بوجه عام، فمساعدة
المحتاجين من أبناء الحي أو القرية
أو المخيم، وتقديم الصدقات، وإخراج
"الفطرة" في نهاية الشهر الفضيل
كتزكية عن كل فرد في الأسرة، وتبادل
الأطعمة بين الجيران ما هي إلا جزء
من عادات رسخها الفلسطينيون، وتعبير
حي عن روح التضامن تحكم علاقات
المجتمع الفلسطيني، يحرص الجميع على
المحافظة عليها.
وإلى
جانب هذه العادات وغيرها مما
توارثناه عن الأجيال السابقة فإن
سنين الانتفاضة الماضية، وظروف
العيش تحت الاحتلال أضافت سمات
وعادات جديدة بدأت تشق طريقها كي
تصبح جزءا من الحياة الرمضانية،
فزيارة ذوي الشهداء والمعتقلين
والجرحى، والسعي لتقديم بعض
المساعدات الرمزية لهم غدت عادة في
كل المناطق، وأصبح الوقوف بجانب
هؤلاء الناس واجبا على الجميع.
زوادة
رمضانية
ومن
ناحية أخرى ارتبط شهر رمضان في
مجتمعنا الفلسطيني بالإقبال الشديد
على بعض المأكولات والمشروبات
الشعبية المشهورة حتى أصبحت جزءا من
التراث الرمضاني عندنا.. وتحتل
القطايف والتمرهندي والعوامة
والمخلالات بأنواعها كافة المقام
الأول من حيث الإقبال، حتى إن مائدة
الصائم لا تكاد تخلو منها في معظم
المنازل.
وفي
كبريات المدن الفلسطينية لا يكاد
المرء يمر بزقاق أو شارع إلا ويجد
الباعة المختصين بمستلزمات رمضان
وبيع هذه السلع وسط زحام المارة من
أبناء المدن والوافدين إليها من
المناطق المجاورة التي يأتي الأهالي
منها قاصدين هذه المدن للتسوق.
ويقول
بائع القطائف المشهور في مدينة
طولكرم "محمد أبو حبلة": حلوى
القطائف باتت مرتبطة كليا برمضان،
والقطائف كواحدة من مأكولاتنا
الشعبية هي جزء من العادات
الرمضانية منذ مئات السنين، وما
تزال وسنبقى محافظين عليها، وأضاف:
"أنا أعمل بهذه الصنعة منذ أعوام
وأحمد الله على كل شيء".
ولكن
معظم باعة هذه السلع التي تعتبر
الأكثر رواجا في أسواق فلسطين
الرمضانية كما جرت العادة فوجئوا
هذا العام بمحدودية إقبال المواطنين
على الشراء بوجه عام؛ حيث تكاد معظم
المحال التجارية تخلو من المشترين.
ويعزو
"أبو رامي" صاحب بسطة للمخلالات
ذلك للأوضاع الاقتصادية الآخذة في
الانحدار والتدهور رغم الآمال التي
عقدها أبناء الأراضي المحتلة في
بداية الاتفاق، فأوضاع الناس
الاقتصادية صعبة، ومن لا يملك المال
فإنه يضطر لحرمان نفسه من بعض
الاحتياجات والرغبات.
هموم
على المقاهي
وهناك
عادات أخرى درج عليها صائمو البلدة
القديمة في مدينة نابلس؛ فأبو فراس
الخليلي من حارة الياسمينة بنابلس
اعتاد يوميا بعد أداء صلاة العشاء
والتراويح في مسجد الساطون القريب
من منزله أن يقوم برفقة أقرانه من
أصدقاء الصبا منذ سنوات عديدة
بالالتقاء في مقهى مجاور أنشئ منذ
العهد التركي وبقي على حاله رغم تقلب
الأحوال.
زبائن
هذا المقهى لم يتغيروا رغم زيادة
الشيب والتقدم بالعمر، وتبدأ الحركة
تعج من جديد في ساعات الليل عندما
يتجمع عشرات الرجال حول موائد من
الخشب السندياني وبجانبهم النراجيل
ذات العنق التركي الأصيل حيث حل
الحديث عما يجري في فلسطين وعن الوضع
السياسي الجاري في العالم وخصوصا في
أفغانستان مكان أجواء البهجة
والانبساط، مع إطلاق نكات ذات
النكهة النابلسية الجبلية.
ويعتبر
هذا المقهى الكائن في حي القصبة
بنابلس في البلدة القديمة منها
معلما فلكلوريا للمدينة القديمة ذات
الحضارات المتعاقبة.
ويتنهد
أبو فراس وتفاصيل وجهه تحكي قصة أيام
رمضان السابقة والحالية، فذاكرته
الحية لا تزال تزخر بسجل كبير لوقائع
لم تمحها أحاديث السلام والرخاء،
يوم اقتحم جنود الاحتلال المقهى
وألقوا بداخله قنابل الصوت والغاز
المسيل للدموع لدى ملاحقتهم أفراد
مجموعة "الفهد الأسود"، وكان
أبو فراس حينها يجلس بجانب والد أحد
المطلوبين الذي اشتاق لرؤية نجله
الملاحق منذ ثلاثة أعوام ولم يتناول
معه وجبة الإفطار إلا يوم المداهمة
فكاد يغمى عليه لاعتقاده أن نهاية
ابنه قد حانت، ولكن فراس شد من أزره.
والآن
كما يقول أبو فراس وزملاؤه تحولت
اللقاءات في المقهى إلى ملتقى لنثر
الهموم والآلام العامة.
وتنتشر
العديد من المقاهي الشعبية الأخرى
في مدينة نابلس، وتستقطب ليالي
رمضان مئات الأشخاص من الذين
اعتادوا على قضائها وسط أجواء مرحة
رغم الصعاب والنكبات وهو ما جعل
المدينة بحق مدينة جبل النار كما
كنّيت، في حين تتحول بعض المقاهي
الشعبية أحيانا إلى ديوان للعائلات
المجاورة في المناسبات الاجتماعية
كالأفراح أو قبول التعازي.
هذه
العادات الرمضانية الفلسطينية
القديمة والمستحدث منها بعيدا عن
المرح الزائف تبقى لتعطي رمضان
الفلسطيني طابعا خاصا عما سواه،
وصعب أن يدرك كنهه إلا من يحياه،
خاصة في ظل الحصار والاحتلال
الإسرائيلي.
|