|

منظمة التجارة.. وزارة مستعمرات عصرية
أيمن شرف -إسلام أون لاين.نت/9-11-2001
حثّ
الكاتب المصري والخبير الاقتصادي
الدولي "د.سمير أمين" دول
العالم الثالث المشاركة في مؤتمر
الدوحة على رفض فكرة الجولة الجديدة
جملة وتفصيلا، وعدم مناقشة الأجندة
المطروحة على المؤتمر بشكلها
الحالي؛ لأنها -حسب تعبيره- مطبوخة
خصيصا على ذوق الدول الكبرى، وقد
استبعدت البنود الأهم والأكثر
إلحاحا بالنسبة لدول الجنوب (النامية).
واعتبر
"د.سمير أمين" أن منظمة التجارة
العالمية بوضعها الحالي ليست إلا
"وزارة مستعمرات عصرية" تمثل
"ثالوث الاستعمار المقدس":
الولايات المتحدة، وأوروبا،
واليابان، مذكرا بأن المنظمة تقوم
بالدور نفسه الذي كانت تقوم به
السفارة البريطانية أيام الاحتلال
البريطاني للعديد من دول العالم
والشرق الأوسط خصوصا.
وقال
د. سمير أمين الخبير لدى الأمم
المتحدة ورئيس مركز البحوث العربية
بالقاهرة لـ"إسلام أون لاين.نت"-:
"إن المطلوب من ممثلي دول العالم
الثالث أن يقوموا بمراجعة حصيلة
السنوات الماضية، وخصوصا مسألة
الملكية الفكرية والصناعية، والتي
لم تكن بحال من الأحوال في صالح
الدول النامية والفقيرة، ولن تكون -حسبما
يشدد أمين-؛ لأنها تحمي احتكار
الشمال الغني، وتمنع نقل
التكنولوجيا إلى الفقراء، وكذلك
مراجعة "تحرير" الخدمات
المالية والبنود الخاصة بآلية فضّ
المنازعات؛ بحيث توجد محكمة حقيقية
مستقلة عن المنظمة تنظر في
المخالفات، وتنفذ أحكامها من خلال
المنظمة الدولية الأشمل، وهي الأمم
المتحدة، لا أن يُترك الوضع للدول
المنفردة كي تنفذ عقوباتها كيفما
تشاء.
وأضاف
أمين أن "الجولة الجديدة أعدتها
الدول الكبرى، واستعجلت فيها؛ لكي
تنقذ نفسها من أزمات اقتصادية قادمة
على حساب الدول الفقيرة"، مشددا
على أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر
لا علاقة لها ألبتة بالكساد الذي
يهدد الدول الغنية، وأن النظام
الرأسمالي يعاني من أزمة هيكلية
متعددة الأسباب منذ السبعينيات،
ويحاول حلها من خلال توريط العالم
النامي بدفع فاتورتها تحت دعاوى
وأفكار مغلوطة ومثيرة للضحك بل
والسخرية.
ودعا
"أمين" دول الجنوب إلى رفض
الجولة الجديدة؛ لأن القبول بها يضع
الدول النامية أسيرة في يد أغنياء
العالم، ومن أسماهم "ثالوث
الاستعمار المقدس"؛ حيث تشمل بنود
الجولة الجديدة تحرير المشتريات
الحكومية، وخصخصة جميع الخدمات بما
فيها التعليم والصحة والزراعة،
وأوضح خطورة الموافقة على هذه
الأجندة بأنه يعني أن تدخل دول
وشركات غربية في جميع المناقصات
التي تجريها أية دولة، وبالتالي
تتعرض شركاتها الوطنية للكساد، وهو
مجال لم يكن من المتعارف عليه أن
يدخله منافسون أجانب.
أما
الجانب الأخطر فهو الزراعة، إذ لو
فتحت أبواب المنافسة العالمية في
الزراعة سيعجز عشرات الملايين من
الفلاحين في آسيا وإفريقيا وأمريكا
اللاتينية عن الإنتاج؛ بسبب التفاوت
في إنتاجية الزراعة بين المراكز (أوروبا
وأمريكا)، والأطراف (العالم النامي)؛
فالفارق في الإنتاجية بينهما تصل
نسبته إلى: 10 إلى 1، ومعنى ذلك أن
تتوقف الزراعة الوطنية تماما، وأن
تجري تصفية الحياة الريفية في
العالم الثالث، مع العلم أن 60% من
سكان العالم ما زالوا ريفيين، ولن
تستطيع حركة التصنيع في العالم مهما
كانت درجة نجاحها أن تستوعب هذه
المليارات من البشر خلال قرن أو
قرنين من الزمان، ناهيك عن أنه لن
يكون هناك بلد مستقل ذاتيا في غذائه،
وبالتالي "يتبخر" الاستقلال
السياسي لشعوب العالم الثالث في
الهواء.
واعتبر
"أمين" قبول دول الجنوب لهذه
الأجندة في ظروفها الاقتصادية
الحالية استسلاما صريحا للاستعمار
الجديد، وتسليم حياة الشعوب
وأجيالها القادمة رهينة لـ "وزارة
المستعمرات العصرية".
وقال
د.سمير أمين: "إن النقاط الأساسية
المطروحة على اجتماع الدوحة هي نتاج
للأساس الفلسفي الفاسد واللاأخلاقي
والظالم الذي قامت عليه منظمة
التجارة الدولية، وخاصة من زاوية
مصالح شعوب الجنوب؛ حيث قامت
المنظمة على مبدأ أن التجارة هي محرك
التنمية، في حين أن التجربة
التاريخية أثبتت العكس، وترتب على
ذلك أن المنظمة تتجاهل قضايا
التنمية في العالم الفقير، وتنظر
إليها باعتبارها ناتجًا تلقائيًا
لكثافة التجارة؛ فهي تتجاهل مثلا
قضية الديون وحرية انتقال العمالة،
وتتجاهل التجارة البينية الإقليمية
(داخل الإقليم الواحد)، وعلى سبيل
المثال هنا لا تتيح المنظمة فرصة
لتشجيع التجارة بين العرب؛ لأنها
تسعى لتذويب "الإقليمية" في
العالمية، وتنفي الاعتراف بمصالح
إقليمية مشتركة، وقد تجاوزت المنظمة
نفسها حدود التجارة عبر الحدود
الدولية إلى تناول جميع القضايا
الخاصة داخل الحدود الوطنية؛ وهو ما
يُعتبر نفيًا شاملا لمبدأ السيادة
الوطنية للدولة، وتسعى المنظمة
لتشكيل نظم الإنتاج داخل الدول؛
لتفرض عليها الليبرالية؛ أي فرض
نموذج معين ووحيد عالميا هو
الرأسمالية الليبرالية".
ومن
أمثلة التحكم في الدول عبر منظمة
التجارة الدولية مبدأ تحرير الخدمات
المالية؛ وهذا معناه مثلا أن تفتح
مؤسسة مالية أجنبية فرعا لها في
القاهرة، وبالتالي يتيح لها ذلك جمع
المدخرات المحلية للمصريين، وإعادة
تصديرها للخارج، والهدف هو امتصاص
مدخرات شعوب الجنوب لتمويل مشروعات
الشمال، وليس مستبعدا في هذه الحالة
أن تساهم مدخرات مصرية في أذونات
الخزانة الأمريكية، ويتم بها تمويل
حرب ما لا يرضى عنها المصريون!!
وعن
فكرة المهلة المعطاة للعديد من
الدول لكي تقوم بتعديل هياكلها
الاقتصادية والصناعية، قال أمين:
"إن المهلة الزمنية ليست حلا
معقولا لأزمة التفاوت بين دولة مثل
أمريكا وأخرى مثل سوريا أو السودان؛
فمبدأ المساواة بين الدول مبدأ في
ظاهره العدل وباطنه انعدام
المساواة، والمطلوب ليس مجرد مهلة
عدة سنوات بل استثناءات دائمة أو
طويلة المدى؛ فمن غير الممكن أن
تتمكن دولة من تعديل نمطها وهيكلها
الاقتصادي خلال ثلاث سنوات مثلا.
وأشار
د.أمين إلى أنه من باب السخرية أيضا
أن الدول الكبرى لم تفِ بالتزاماتها
على قلتها الشديدة؛ إذ فرضت عقبات
مختلفة على صادرات الجنوب، وبدون أن
تعلن عن ذلك، في حين تطالب الطرف
الآخر بالوفاء بالالتزامات نفسها.
|