English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

موضوعات ومواقع ذات صلة


في الموقع أيضًا:

أيام "صحفي" تحت القصف

قندهار- أمير لطيف- إسلام أون لاين.نت/20-10-2001

كان السلام والهدوء في شوارع قندهار.. المدينة ذات الجمال البدائي التي أعلنتها طالبان العاصمة غير الرسمية لأفغانستان.

من النافذة الصغيرة بغرفتي في فندق "خيبر" أستطيع أن أرى الشارع التجاري الرئيسي الممتلئ بالحوانيت، وضوءا خافتا ينبعث من بعض أعمدة الإضاءة.. الدوريات العسكرية التابعة لطالبان تجوب المدينة بالسيارات الجيب، والجند يحملون الأسلحة ويبدو عليهم الضجر أو ربما الذعر.

كانت الساعة 9:40 من يوم 7 أكتوبر، وهو اليوم الثالث لي في هذه البلدة الملتحمة بالطبيعة والمحاطة بجبال من الجانبين . كنت قد صليت العشاء للتو وذهب "كليم الله"، وهو المرشد الذي عينته طالبان لمرافقتي لينام في غرفته، وهو يتحدث اللغة الأردية جيدا لأنه عاش فترة في باكستان.

وفجأة .. حدث الانفجار ... الانفجار العنيف هز السوق بأكمله، وسمعت الصراخ المذعور لرجال ونساء وأطفال يسكنون في المنطقة.

كان هذا هو الانفجار الأول للقصف الأمريكي على ما يسمى "بالأكاديمية العسكرية" المقر المزعوم للتدريب العسكري والتي تبعد كيلومترا واحدا عن فندق خيبر الذي أقيم فيه، ومن نافذة الغرفة كنت أرى ألسنة اللهب العملاقة تتصاعد من المبنى الخالي.. وتضيء ظلام الليل.

أغلب سكان قندهار، بما فيهم أنا، كنا نتوقع القصف الأمريكي منذ تفجيرات 11 سبتمبر على واشنطن ونيويورك، حيث توعدت الإدارة الأمريكية أن تنتقم إذا لم تسلم طالبان أسامة بن لادن المشتبه فيه، لكن بالرغم من هذا التوقع، وبالطبع لأني صحفي ولست جنديا في الجيش، فقد أصابني ارتباك شديد ولم أستطع أن أقرر ماذا أفعل: هل أبقى في الغرفة أم أخرج؟ وقبل أن أتوصل لقرار كانت سماء المدينة قد امتلأت بطائرات بي 1، وبي 2، وبي 52، ولم تكن قندهار وحدها التي غطتها الطائرات الأمريكية بل مدن أخرى أيضا.

سلسلة من القنابل وصواريخ كروز بدأت تسقط من السماء . وبصراحة شديدة جدا، أقول: إنني شعرت في تلك اللحظات، وللمرة الأولى، بالندم ورأيت أني قد ارتكبت خطأ فادحا بقدومي إلى هذا البلد، إلا أن الوقت لم يكن مناسبا لمثل هذه المشاعر،وخرجت من غرفتي مذعورا؛ أملا في الخروج من الفندق خشية تعرضه للقصف.. ونسيت "كليم الله" الذي نصحني ألا أخرج من الفندق فالداخل أكثر أمنا.

التفجيرات الصاخبة للقنابل والصواريخ زاد من صخبها إطلاق مضادات الطائرات التابعة لطالبان قذائفها التي لم تستطع أن تنال من أي طائرة؛ لأن الطائرات كانت تحلق عاليا جدا.

الحوائط الخرسانية لغرفتي –وبالطبع للغرف الأخرى والمنازل الأخرى في المنطقة- كانت تهتز وبدت المدينة وكأنها قد تعرضت لزلزال عنيف.

هذا الوضع الرهيب استمر لمدة ساعتين .. وكنت أشعر أن كل انفجار يحدث على أعتاب غرفتي مباشرة. بعد مرور ساعتين خفّت حدة الانفجارات حيث طالت الفترات بين الانفجار والآخر.

فزع.. وهدوء

أطفال باكستان يدعون للأفغان بالنصر

"الأرق" هذه هي الكلمة الوحيدة التي يمكن أن أصف بها ما حدث لي؛ فلم يغمض لي جفن ولو للحظة واحدة.

ربما يعتقد البعض أنني أبالغ من أجل الإثارة، لكن بالنسبة لصحفي مثلي لم يشهد حربا من قبل على أرض الواقع فبالطبع كنت خائفا،وذلك على عكس كليم الله الذي ظل هادئا، ولم يتغير حاله منذ بداية الرحلة.

أنا وشريكي الأفغاني أخذنا نتلو القرآن والشهادتين، وبعد كل انفجار كنت أدعو أن يتوقف القصف، ولا أعرف شيئا عن دعوات كليم.

على أي حال .. الوقت دائما يمر.. وفى تلك الليلة أيضا مر الوقت كعادته، وتوقف القصف بعد خمس ساعات .. ولم يعد لدي سبب للبقاء في الفراش؛ فقمت لأصلي الفجر جماعة مع كليم.

قصف المدنيين

من أثار القصف

في الصباح التالي، قابلت الملا نجيب الله، وهو مسئول رفيع المستوى في وزارة طالبان للدفاع، وبعد أن رويت له قصتي "الرهيبة"، قال لي وهو يبتسم ابتسامة عريضة: "لا يجب أن تبقى في الفندق بعد ذلك"، وأضاف الملا موضحا سبب قلقه من البقاء في الفندق: "بالرغم من الادعاءات الأمريكية المستمرة بأنها لن تقصف المدنيين فإننا لا نصدقهم".

عادت لي حاستي الصحفية سريعا فسألت نجيب الله عن الخسائر الناجمة عن قصف الليلة الماضية فأخبرني أن الخسائر ليست كبيرة، مؤكدا أن الولايات المتحدة لم تتمكن من قصف الأهداف، لكنها قتلت حوالي 7 أشخاص، وأصابت أكثر من 12 آخرين.

أضاف نجيب الله أن بيت "أمير المؤمنين" الملا عمر قد تم قصفه أيضا، لكن لم تحدث للملا أي إصابات لأنه ترك المنزل منذ عدة أسابيع، كما أكد المسئول الأفغاني أن بن لادن أيضا آمن في مخبأ سري.

وذهبت إلى المستشفى المركزي حيث تقابلت مع "مراد خان" أحد المصابين في القصف،وخارج المستشفى رأيت سيارات الإسعاف التابعة لجمعية "الرشيد" -وهي منظمة إغاثة مقرها باكستان كان قد تم منعها مؤخرا من جانب الإدارة الأمريكية بسبب صلتها ببن لادن وطالبان- تقوم بنقل الجثث والمصابين للمستشفى.

* وسألته: هل أنت خائف؟

-فأجابني: "لا، لست خائفا على الإطلاق، برحمة الله أشعر أنني بخير، فجراحي طفيفة وسوف تشفى قريبا بمشيئة الله".

* "ماذا ستفعل بعد خروجك من المستشفى؟".

-فأجاب: "سأعود إلى قريتي، وأعيد بناء منزلي الذي هدمه القصف . وهو بيت من الطوب اللبن أعيش فيه مع طفلي الصغيرين: زارين خان (7 أعوام)، وحسين خان (3 أعوام)، وزوجتي التي أصيبت هي الأخرى في القصف".

* "ولم لا تذهب إلى مكان أكثر أمنا؟".

- "لا يوجد مكان أكثر أمنا من وطنك وبيتك،فأنا باق هنا حتى أموت".

* "لكنْ كثيرون سيرحلون إلى باكستان".

- "دعهم يذهبوا، إنهم مخطئون؛ فالاحترام الذي يجدونه هنا لن يجدوه في أي بلد آخر، وبالرغم أن الباكستانيين إخوان لنا، إلا أن الوضع في بلدك شيء آخر، بلدنا في حاجة لنا الآن وبالتالي يجب أن نبقى هنا فهذا هو وقت اختبار الولاء الحقيقي للبلد".

* "لكن أسامة بن لادن ليس أفغانيا؛ فلم لا تسلمه بلادك للولايات المتحدة؟".

- "أسامة ليس متورطا في الإرهاب الذي حدث في أمريكا، فهو ليس إرهابيا، بل أمريكا هي الإرهابية.. انظر هنا (وأشار بإصبعه إلى الفراش المقابل له حيث يرقد طفل صغير أصيب في القصف) لقد قامت أمريكا بالعمل الذي رفضت أن تقبله على أرضها وهو قصف المدنيين، على أي حال أنا لا أشتكى لأننا كنا نتوقع حدوث ذلك".

الرحيل هو الحل

ويستمر القصف

قابلت "رحمة الله"، وهو شاب أفغاني آخر، وكان له رأي مختلفا عن مراد، حيث يقول : "الجميع كان يتوقع أن يكون القصف الجوي قصير ويقصد الأهداف العسكرية فقط، لكن ما يحدث الآن، أن كل يوم يُقتل المزيد من المدنيين"، ويضيف رحمة الله الذي كان يستعد لترك قندهار إلى مدينة شامان إحدى المدن الباكستانية على الحدود مع أفغانستان: "معظم الأفغان يفكرون الآن في الرحيل، ولن يبقى غير من لا يملك المال الكافي للسفر".

لكن "نجيب الله" لا يوافق على كلام رحمة الله حيث يقول: "نعم أنا أعرف أن البعض سيترك أفغانستان، لكن هؤلاء فقط أقلية.. أما الأغلبية من ملايين الأفغان فقد اختاروا البقاء".

في مخبأ سري

وفي الليلة التالية شهدت نفس أصوات القصف وإطلاق النار من مضادات الطائرات الأفغانية، لكن هذه المرة كنت أكثر هدوءا، وليس لأني اعتدت قليلا على الوضع وإنما لأني كنت في مخبأ تحت الأرض يبعد بضعة كيلومترات عن فندق "خيبر" الذي أقيم فيه.

في اليوم التالي دفعت حساب الفندق وشكرت العاملين فيه على كرم ضيافتهم واتجهت إلى "روزان"، حيث كنت مصاحبا لمجموعة من المسئولين في حركة طالبان في زيارة لهم للمدينة مسقط راس الملا عمر، كانت المنطقة قد تعرضت لقصف شديد أدى إلى مقتل 16 شخصا منهم 4 ضباط من طالبان.

ذهبت أيضا في جولة سريعة للمناطق المحيطة بقندهار حيث تم قصف العديد من المناطق المدنية، ورأيت أكواما كبيرة من بقايا البيوت التي دمرها القصف.. مدينة قندهار نفسها الأضرار فيها كانت أقل نسبيا.

أشلاء الأطفال

بعد ثلاثة أيام من القصف تم تدمير أنظمة الطاقة، وبقيت المدينة كلها تقريبا بلا كهرباء، لكن مع حلول اليوم الرابع نجحت المولدات التي أحضرتها طالبان في إعادة الكهرباء إلى المدينة مرة أخرى.

حكومة طالبان أغلقت الطريق الرئيسي وطرقا أخرى مؤدية لمطار قندهار؛ في إجراء احترازي لأن المطار كان هدفا رئيسيا للقصف. وعندما ذهبت إلى هناك رأيت فجوات عميقة أحدثها القصف على طول ممر الإقلاع، وتم إصلاح الرادار الذي دمره القصف في اليوم التالي.

وأثناء الليل، تم نصح المواطنين بإغلاق الأنوار؛ وعلى ذلك غرقت المدينة في ظلام دامس. الليلة الثالثة كان القصف أعنف من المرتين السابقتين، وفى الصباح التالي علمت بحدوث إصابات كثيرة في مناطق مدنية، في ذلك اليوم ذهبت في رفقة نجيب الله لزيارة بعض المناطق.

كان الطريق مدمرا من جراء القصف المستمر، وكنا في طريقنا إلى بلدة "معروف" التي تبعد 10 كيلومترات عن المدينة، ووصلنا هناك في نصف ساعة.

"يا إلهي! ما هذا؟".. كان ذلك بقايا جسد طفل ملقى على بعد أمتار من المكان الذي أوقفنا فيه السيارة، والرائحة الخانقة ملأت المكان.. نزلنا من السيارة، وبالرغم أني أعترف أني لست شجاعا لكن ما رأيته كان كفيلا بتخويف أكثر الرجال شجاعة: الأشلاء ملقاة بين أنقاض وحطام بيوت بلدة كانت تسمى "كاشام".

القرية بأكملها تم محوها .. قبل القصف كان عدد سكان القرية 200، نصفهم فقط استطاع أن ينجو من 20 إلى 25 قنبلة. مزارع الرمّان الشهير في قندهار اقتُلعت من الجذور.. آلاف الحيوانات قُتلت أيضا؛ الأمر الذي يضاف إلى اقتصاد المنطقة المتعثر أصلا.

مأساة سبحان خان

"سبحان خان" أحد سكان القرية يقول: "معظم السكان هنا مزارعون"، ويضيف: "فجأة سمعت الانفجارات، خرجت من منزلي في اللحظة الأخيرة؛ لأن المنزل انفجر بعد خروجي مباشرة وقُتل كل أفراد عائلتي".

فقد سبحان خان أولاده الثلاثة الصغار وزوجته وأبويه المسنين في القصف الذي يفترض أنه يستهدف تدمير القواعد العسكرية ومعسكرات التدريب الخاصة بتنظيم القاعدة.

التقيت في وقت لاحق بأحد المصابين في المستشفى العام، وهو "لال خان" الذي فقد كل أسرته المكونة من 11 فردا، ولم أملك الشجاعة لسؤاله عن تفاصيل الحادث، و"تازا جول" الراقد في الفراش المقابل لفراش "لال" فقد هو الآخر ستة من أفراد أسرته.

يقول سبحان بانفعال: "أمريكا تلقي علينا قنابلها، وفى نفس الوقت تلقينا بطرود الأغذية، سنموت جوعا أفضل لنا من أن نقبل هذا الطعام".

القصف مستمر على أفغانستان وأمامي الآن بعض الجرائد التي تنقل تصريحات الرئيس بوش بأن الولايات المتحدة تقصف فقط الأهداف العسكرية لحكومة طالبان ومعسكرات تدريب منظمة القاعدة، ويقول بوش أيضا: إنه يأسف لمصرع "بعض" المدنيين من جراء القصف الجوي، أعتقد أن كلمة "مئات" تعني في قاموس الولايات المتحدة كلمة "بعض".. ليس لدي كلمات أخرى أصف بها ما رأيت!

البحث في المواضيع

أخبار الأمس

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع