|

أفغانستان.. قرية لا جمعة لها
أفغانستان -حسبان الله متوكل -إسلام أون لاين.نت/17-10-2001
 |
|
طفل ضحية القصف على قرية كورام |
…
وادي خيبر هو البوابة الرئيسية بل
الوحيدة للوصول إلى الهند.. فجميع
الغزاة والفاتحين للهند مروا من هنا..
من الإسكندر الأكبر إلى السلطان
محمود الغزنوي الأفغاني وسلاطين
سلالة الغورين والمغول والقائد
الأفغاني المظفر أحمد شاه بابا..
كلهم عبروا هذا الوادي التاريخي
لغزو شبه القارة الهندية.
وفي
الاتجاه المعاكس يؤدي بك هذا الوادي
إلى بوابة طورخم الحدودية إذا ما
أردت الذهاب إلى أفغانستان.. أرض
الجهاد.. مقبرة الطغاة
والإمبراطوريات الكبيرة كما يحب
الأفغان أن يصفوا بلادهم.
…
انطلقت الساعة الخامسة صباح يوم
الأحد 14-10-2001م من مدينة بيشاور عن
طريق وادي خيبر قاصدا مدينة "جلال
آباد" أول مدينة أفغانية بعد
الحدود؛ لمعرفة تفاصيل قرية "كورام"
المدمرة بقنابل وصواريخ ليلة الخمس
11-10-2001م.
ومنذ
يومين أعيد فتح بوابة "طورخم"
أمام القادمين من باكستان، عشرات
الشاحنات المحملة بالدقيق والمواد
الغذائية الأخرى تنتظر في الجهة
الباكستانية للإذن بالدخول إلى
أفغانستان. وعلى جانب الطريق هناك
أربع سيارت إسعاف تابعة لمؤسسة "أيديه
ويلفير ترست" الخيرية
الباكستانية، تنتظر وصول الجرحى من
أفغانستان. رأينا جريحا قد أصيب ليلة
الأحد 7-10-2001 في القصف الأمريكي تحمله
سيارة إسعاف لنقله إلى مستشفيات
بيشاور.
…
بعد العبور من البوابة كان هناك
عشرات الشاحنات المحملة بـ"التفاح
والعنب" تنتظر الدخول إلى باكستان
لتتزين بها أسواق بيشاور. أما سوق
طورخم المزدحمة على طرفي البوابة
فلا تكاد ترى فيها دكانا مفتوحا إلا
بعض المقاهي المتواضعة؛ لأن إغلاق
بوابة طورخم قد أدى إلى تقليل
المترددين على هذه السوق.
كورام
الكوتشية
 |
|
لم
يبق من أمه سوى الملابس |
…
بعد الوصول إلى جلال آباد انطلقنا
إلى قرية "كورام" المدمرة، وبعد
ساعتين من السفر في طريق غير معبد
وصلنا الساعة الثانية عشرة ظهرا إلى
القرية. و"كورام" في اللغة
الشتوية تعني المكان المنخفض؛ لذلك
فهي اسم على مسمى؛ لأنها تقع في مكان
منخفض بين الجبال.
…
كورام قرية منعزلة من مديرية "سرخ
رود"، تقع بين قمم مرتفعة لسلسلة
جبال "تورغر" أي الجبل الأسود،
وذلك شمال غرب مدينة جلال آباد
بحوالي 40 كم من المدينة. والقرية
كانت تضم حوالي 25 إلى 30 بيتا مبنيا من
الأحجار بشكل بدائي جدا، تسكنها أسر
من قبيلة "ناصر" البشتونية
الكوتشية(أي الرعاة)؛ فسكانها
يشتغلون برعي الغنم والماشية.
…
وهم أناس فقراء لا يملكون الأراضي
الزراعية ولا التجارة، ويعيشون على
الأغنام والمواشي، لا توجد في
القرية كلها شجرة واحدة، كل ما
يملكونه عين ماء صغيرة يتناوب عليها
السكان ومواشيهم.. ويحصلون على
المواد الغذائية من القرى الأخرى في
السهول، وغالبا ما يأكلون خبز الذرة
طوال السنة؛ لأنه أرخص بالنسبة
للقمح.. كما أنهم يوفرون ما يحتاجون
إليه من ضروريات الحياة بالمال الذي
يحصلون عليه من بيع الأغنام
وأصوافها، وبيع الحطب الذي تجمعه
النساء من الجبال.
…
في الساعة الخامسة ثم في الساعة
السادسة صباحا يوم الخمس 12-10-2001
تعرضت هذه القرية لقصف شديد وحشي
بالطائرات والصواريخ الأمريكية؛
وهو ما أدى إلى مقتل 200 شخص، وجرح 17
آخرين، وتدمير القرية تماما، وهلاك
أكثر من 1000 رأس غنم، هذا ما أخبرنا به
مسؤولو طالبان وسكان القرية الأحياء.
…
وهكذا لم تصلِّ القرية جمعتها، ولم
يرتفع فيها أذان.
…
"تازه جل ابن سيد رحمن" الذي فقد
13 شخصا من أسرته بما فيهم ثلاثة
أطفال له يقول: "إن عددا من سكان
القرية مفقودون حتى الآن، ويخشى أن
يكونوا تحت أنقاض البيوت والكهوف
حول القرية التي لجأ إليها الناس من
القصف، ولا تزال عملية البحث عن
الجثث مستمرة من قبل شباب القرى
المجاورة"، ويقول "تازه جل":
إنه وجد جثة أمه العجوز التي كانت
تناهز الـ70 من عمرها بعد يوم في أحد
الكهوف تحت التراب.
أشلاء
آدمية أم حيوانية؟
 |
|
جثث
الحيوانات الميتة فى قصف قرية
كورام |
أطلال
"كورام" وأرضها مليئة بجثث
الحيوانات وقطع اللحم التي لا تعرف:
هل هي للإنسان أم للحيوانات؟ ولذلك
تعفن جو القرية؛ حيث لا يتحمل
الإنسان الذهاب إليها.
…
"ثمر جل" أحد وجهاء قبيلة ناصر..
رجل هادئ يبدو أنه متعلم، وقد فقد
عددا كبيرا من أقاربه وأعزائه، يحكي
لنا جانبا من قصة قرية كورام
المنكوبة فيقول: "لم يبقَ من سكان
القرية إلا 48 شخصا، منهم 17 جريحا في
المستشفى والباقون قد تفرقوا إلى
القرى المجاورة…" وأضاف: "إن
عدد الشهداء حتى الآن 201 وعدد الجرحى
17 شخصا".
…
ويسرح قليلا ثم يستطرد: خمس طائرات
أمريكية قصفت القرية مرتين مع عدد من
صواريخ كروز.. سكان القرى المجاورة
وصلوا إلى القرية لإنقاذ الجرحى
وحمل القتلى؛ لذلك أصيب بعضهم بجروح
في القصف الثاني.. وبشيء من التقاليد
القبلية يشكر "ثمر جل" سكان
القرى المجاورة؛ لأنهم ساعدوهم في
إنقاذ الجرحى ودفن الشهداء… ثم لا
يلبث أن يعلن عن تخوفه من وقوع حوادث
مماثلة لقرى أخرى من قبيلة ناصر في
سلسلة جبال تورغر؛ حيث إن لقبيلته 13
قرية في هذه الجبال، أما بالنسبة
للمواشي فلم يبقَ منها إلا ثماني
أبقار وأربعون رأسا من الماعز،
وكانت كل أسرة تملك ما بين 60 – 80 رأسا
من الماشية.
…
بشيء من الأسى يشتكي "ثمر جل" من
الدول الإسلامية التي تدور في فلك
أمريكا، ولا تحاول أن تعرف حالنا،
ولا تساعدنا. فيقول: "إننا لا نملك
شيئا ندافع به عن أنفسنا وبلدنا ضد
الغارات الجوية والصاروخية
الأمريكية، وإن أرادت أمريكا أن
تواجهنا فلترسل قواتها البرية؛ حتى
نذكرهم بالدروس التي لقناها
للإنجليز والروس، إننا سنقاتل
أمريكا بقوة إيماننا وعقيدتنا،
ونستطيع أن نضحي في سبيل الإسلام لا
بمائتين فقط بل بمليونين وأكثر؛
لأننا نؤمن بالآخرة والجنة ونعيمها"،
ويهدأ "ثمر جل" قليلا ليقول: "إننا
حفرنا حفرة كبيرة، ووضعنا فيها
الأعضاء المفترقة للشهداء..".
يضيف
والدمع يسيل من عينيه: "نحن لم
نعمل بأنفسنا على دفن نسائنا في
المقبرة؛ لأن سكان القرى المجاورة
سارعوا بحمل الشهداء بما فيهم
النساء للدفن في قراهم".
أما
عن سبب قصف هذه القرية فيقول: إنه لا
يوجد هنا أي عربي ولا أي مركز تدريب
للعرب، ولا ينتقم منا الكفر إلا
لأننا مسلمون.
…
بحدة ينتقد على الحكومة الباكستانية
تعاونها مع أمريكا في هجومها على
أفغانستان وإعطاءها المطارات
والقواعد العسكرية، ويطالب الحكومة
الباكستانية أن ترسل القوات البرية
الأمريكية إلى أفغانستان حتى
نناضلهم، ولكنه يشكر الشعب
الباكستاني لوقوفه مع الشعب
الأفغاني وقت هجوم الروس والولايات
المتحدة.
يلوم
حكومة السعودية لوقوفها مع أمريكا ـ
على حد تعبيره ـ وعدم الاعتراض عليها
لما تفعله مع المسلمين، وقال: إن
المملكة قد انتشر منها الإسلام ويجب
أن تكون حامية له في كل مكان.
…
على مقربة من قرية كورام هاجر سكان
"قلعة نو" و"باندة" خوفا من
الغارات الأمريكية. وفي مستشفي جلال
آباد يخبرنا أحد الجرحى من قرية
كورام واسمه "لعل جل": إنه
استشهد من أسرته 5 أشخاص، وأصيب 8
بجراحات كلهم في المستشفي.. يعني لم
ينجُ أحد منهم سالما. ويقول لنا
الجريح "ستان جل": "كنا 14 شخصا
في الأسرة، استشهد 12 منهم، وبقيت أنا
وزوجتي جريحين في المستشفي". وكان
من بين الجرحى الصغار طفلة لا يزيد
عرمها عن ستة أشهر، وقد مات أمس طفل
من أثر الجراح وكان عمره شهرا واحدا
فقط!
في
جلسات الشاي الأخضر.. لماذا القصف؟
في
جلسات الشاي الأخضر الذي يعشقه
الأفغان يتداول أهالي مدينة جلال
آباد حكايات عديدة تحاول تفسير ما
حدث، مستعينين في ذلك بخبراتهم في
تفسير الضربات السوفيتية على مدار
عقد من الزمان، وهذه التفسيرات هي:
-
كانت هذه القرية مركزا للمهندس
محمود أحد قادة المجاهدين السابقين
تابع للحزب الإسلامي يونس خالص،
وبناء على تلك المعلومات القديمة،
توقع الأمريكان أنها تحولت إلى مركز
لطالبان، فقامت الطائرات الأمريكية
بقصفها حسب الخرائط التي زودهم بها
السوفيت.
-
لعل المعلومات الخاطئة عن القرية
التي وصلتهم قد أفادت بوجود مركز
تدريب لمنظمة القاعدة أو أسر العرب
أو اختفاء بن لادن بالقرية كان سبب
القصف.
-
موقعها الجغرافي ووجودها بين الجبال
الشامخة منعزلة عن القرى الأخرى جعل
الأمريكان يظنون أن بها مراكز
لتدريب أو اختفاء أعضاء منظمة
القاعدة؛ ولذلك قصفوها.
-
تعرضت هذه القرية لهذا القصف الوحشي
عمدا لانتشار الخوف بين الناس حتى
يبتعدوا عن طالبان وتنظيم القاعدة.
-
الانتقام من المسلمين وتشفي صدور
الشعب الأمريكي.
-
وتنتشر إشاعة في جلال آباد مفادها أن
أسامة بن لادن قد طلب من سكان القرية
مغادرتها والذهاب إلى مكان آخر قبل
بدء الغارات، مقابل دفع 1500 روبية
باكستانية شهريا لكل أسرة؛ وذلك حتى
ينتقل إلى القرية عائلات تنظيم
القاعدة من مساكنهم المعروفة في
جلال آباد. ولكن ينفي من بقي من أهالي
القرية هذه الإشاعات نفيا قطعيا.
هذه
هي قصة قرية "كورام الكوتشية"
الرعوية التي لم تطلع عليها شمس
الخميس؛ لأنها أضحت "كورام
الأمريكية" الركامية!
|