|

ولماذا
تورطنا أمريكا في حروبها؟
بقلم:
صلاح الدين حافظ
ورطتنا
نحن العرب في الحرب الأمريكية "العالمية"
ضد الإرهاب، لا تقل عن ورطة أمريكا
ذاتها.. ولكن هناك فروقًا كثيرة. ورطة
أمريكا أنها دخلت حربًا ضد أشباح لا
تعرف على وجه الدقة هوياتهم أو عددهم
أو مدى كفاءتهم وقوتهم، وبدأت حملة
عسكرية شاملة، تورط الرئيس الأمريكي
قليل الخبرة فيها، فوصفها بأنها حرب
صليبية، ثم عاد فعدل وفسر وصحح،
والهدف استئصال الإرهاب من منابعه
ومكامنه، بعد أن لدغها الثعبان في
عقر دارها، وبقدر ما تعرف أمريكا
نقطة البداية في هذه الحرب، بقدر ما
تختفي نقطة النهاية في سراب الصحراء
الشاسعة وبين كهوف الجبال الوعرة.
ولحسن
حظ أمريكا، بل لقوة نفوذها وشراسة
هيمنتها أنها جنّدت وراء حملتها
الحربية، دولاً وحكومات وأحلافًا
هائلة وعديدة عبر العالم، فهي لا
تحارب وحدها ما تراه إرهابًا، لكنها
أمرت فأُطيعت، واصطف الأصدقاء
والحلفاء بانتظام، وتطوع حتى خصوم
الأمس، وتعاهد الجميع على السمع
والطاعة، على نحو جعل الرئيس بوش
يبدو من خطاب الحرب الذي ألقاه أمام
الكونجرس فجر الجمعة الماضي 28-9-2001
عملاقًا رومانيًا هائل القدرات،
واثق الخطوات، يمشي في الأرض تيهًا
واثقًا من نصر لا مفر منه.
لكن
ورطتنا نحن مختلفة حقًا، فحين دهمنا
الإرهاب المسلح، حاربنا وحدنا، لم
يسعفنا أحد، بل لا منا من ينادينا
اليوم طالبًا منا الاصطفاف في طابور
العرض العسكري الذي تقوده "الإرمادا"
الأمريكية.
بالأمس
حاربنا الإرهاب وحدنا، من دون نصير
حقيقي، ومن دون مساعدة صادقة حتى من
أقرب الأصدقاء وهانحن اليوم نعود
إلى محاربة الإرهاب تحت الراية
الأمريكية، ويُفرض علينا القتال من
ميادين ليست ميادين قتالنا، وإن
ترددنا أو تمنعنا، اتهمنا بالإرهاب
طبقًا لمقولة الرئيس الأمريكي بوش:
"معنا أو مع الإرهاب" لا اختيار.
ولم
يعد سرًا ما جرى خلال الأيام القليلة
الماضية، خصوصًا عبر الرسائل
والمبعوثين والمكالمات الهاتفية،
الدائمة الغادية بين واشنطن
والعواصم العربية المختلفة، ولم يعد
خافيًا على أحد أن القيادة
الأمريكية، وقد تلبسها شيطان
الانتقام الساحق، طلبت طلبات محددة
من عدة دول عربية رئيسية، للمشاركة
فيما أسمته حرب العدالة المطلقة، ضد
الإرهاب، ليس فقط في أفغانستان بل في
كل مكان.
ولم
يعد سرًا أيضًا أن المطالب
الأمريكية من العواصم العربية
المختلفة، لم تكن مطالب تأييد
معنوي، أو دعم مالي فقط، بل تحددت
فيما هو أبعد وأخطر، ووصلت إلى حد
التعاون الكامل والمشاركة في الحرب
سياسيًا وعسكريًا، أمنيًا
ومعلوماتيًا، ماليًا واقتصاديًا،
ومن لا يفعل فهو في صف الإرهاب.
ونظن
أن دولاً عربية قد لبّت المطالب
الأمريكية من دون تحفظ، وعرضت كل ما
لديها فوضعته في خدمة الإرمادا
العسكرية الأمريكية، ونظن أن دولاً
أخرى وافقت في السر وأبدت تحفظات في
العلن حفظًا لماء الوجه، ونعرف أن
دولاً عربية تكره أمريكا كراهية
عمياء، لكنها من باب التقية أبدت
تأييدها ودعمها للحرب الأمريكية.
والخلاصة
أن كل دول العرب ومعظم الدول
الإسلامية، قد تورطت في الورطة
الأمريكية فاصطفت في التحالف الدولي
الذي عبأته أمريكا عبر قارات
العالم، اقتناعًا أو خضوعًا، أو
توقيًا للغضبة الأمريكية والعقاب
الأوروبي والعزلة الدولية.
ومن
الطبيعي أن نتساءل: لماذا نتورط في
الورطة الأمريكية بإرادتنا، أو
لماذا نقبل التوريط الأمريكي في
الورطة الأمريكية؟ هل كان أمامنا
خيار آخر؟ هل كان في مقدورنا النأي
بعيدًا والابتعاد الإرادي عن كل ما
جرى ويجري؟ وكيف كنا سنواجه البطش
الأمريكي والقوة الفاشية التي لا
تقبل في قاموس التعامل خصوصًا هذه
الأيام سوى كلمات الانصياع والقبول
والخضوع ومعاني الاصطفاف في حشود
الإرمادا الزاحفة من دون تردد أو حتى
تساؤل عن القصد والهدف؟.
ثم
نتساءل: هل كان تورطنا في الورطة
الأمريكية، بشروط؟ لا بل هل كان بثمن
ومقابل؟ إذن فما هو الثمن؟ وما هي
المكاسب والخسائر التي يجب أن نضعها
في اعتبارنا من الآن فصاعدًا لنضيف
إلى حساباتنا أو لنخصم من رصيدنا؟
الحقيقة
أنني أكاد ألمح بعض الابتسامات
الصفراء وعلامات الدهشة
والاستنكار، ترتسم على وجوه "طائفة
المتأمركين العرب" قائلين: وهل
هذا وقته؟ هل نساوم الصديق الأمريكي
الأوفى وهو في محنته الشديدة؟ وهل
نقايض على المبادئ والمواقف في وقت
الشدة وساعة اشتعال الحرب؟
ولعلني
أرد سريعًا: ألم تكونوا أنتم أبناء
السياسة الأمريكية، أول من فعل،
وأول من ساوم وأول من قبض؟! اقرءوا
التاريخ القريب، نعرف وتعرفون أن
المبدأ الرئيسي في السياسات
والممارسات الأمريكية وخصوصًا معنا
هو: المبادئ هي المصالح، والمصالح هي
المبادئ، بل تابعوا مواقف دول مثل
روسيا والهند وباكستان في الأزمة
الراهنة.
قبل
إحدى عشرة سنة اخترعت أمريكا "التحالف
الدولي" الذي انعقد لواء قيادته
لها لتخوض أعنف حرب في الخليج؛
لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي،
وإذا كان من السهل عليها آنذاك حشد
الحشود وتجييش الجيوش وتجميع
الأساطيل البحرية والجوية من دول
العالم المختلفة، فقد كان من الصعب
حتى من الناحية السياسية والمعنوية،
ضمان تأييد الدول العربية لحربها
وحرب التحالف الدولي ضد العراق الذي
احتل الكويت عنوة، ضاربًا الهوية
والاستقلال الوطني الكويتيين،
ومهددًا المصالح الحيوية الأمريكية
(البترول) في ضربة واحدة.
ولأن
أمريكا كانت في حاجة إلى غطاء عربي
للتحالف الدولي دفاعًا عن مصالحها
الإستراتيجية، فقد انعقدت قمم
ومؤتمرات واجتماعات وجرت اتصالات
ومشاورات، انتهت إلى نتيجتين
مختلفتين، النتيجة الأولى هي موافقة
أغلبية الدول العربية على إعطاء هذا
الغطاء المطلوب، وبالتالي المشاركة
الفعالة في قوات التحالف الدولي تحت
القيادة الأمريكية، والنتيجة
الثانية هي رفض الأقلية العربية
لهذا "الانحياز العربي لأمريكا ضد
بلد عربي حتى وإن أخطأ"، فإذا
بالانقسام العربي يبلغ مداه طولاً
وعمقًا.
ومن
الواضح أن آثار هذا الانقسام الحاد
في الصف العربي لا يزال قائمًا حتى
اليوم، برغم مرور أكثر من عشر سنوات
استثمرت من المجاملات "وتبويس
اللحى" من دون جهد صادق لتجاوز
الانقسام.
هل
نقول بأننا مقدمون على انقسام جديد،
إنما أكثر شدة وأقسى حدة؟ لأنه ليس
انقسامًا في الصف العربي فقط، لكنه
تمدد ليهدد الصف الإسلامي أيضًا؛
لأن التحالف الدولي الجديد الذي
تقوده أمريكا بعصبية وشهوة هائلتين
للانتقام، لم يضرب ولن يضرب إلا في
دول عربية وإسلامية، بحجة مطاردة
الإرهاب والتطرف؟ في أوكاره
المنتشرة في هذه الدول تحديدًا.
وإذا
كان الهدف الرئيسي للانتقام
الأمريكي تحت علم التحالف الدولي،
أو العكس، هو أفغانستان فإن
اقتناعًا يسود أوساطًا عديدة دولية
وعربية وإسلامية، بالموافقة
والتسليم حتى بالصمت، لكن كيف سيكون
الموقف العربي والإسلامي "الرسمي"
إذا ما نفّذ الرئيس بوش تعهداته
الحازمة الحاسمة القاطعة المانعة،
التي أطلقها في خطابه أمام الكونجرس
فجر الجمعة الماضي 28-9-2001 بعدم
الاكتفاء بأوكار الإرهاب في
أفغانستان، ولكن بمطاردة
الإرهابيين في كل مكان على ظهر الأرض
في حرب طويلة مستمرة وعنيفة على حد
وصفه؟!
كيف
سيكون الموقف العربي والإسلامي "الرسمي"
إذا ما طاولت هجمات الإرمادا
الدولية بقيادة أمريكا، مواقع متهمة
بالإرهاب على امتداد الخريطة من
الجزائر غربًا إلى كشمير وباكستان
شرقًا، ومن السودان جنوبًا إلى
الشيشان شمالاً، مرورًا باليمن
ولبنان وسوريا وإيران وفلسطين
والعراق، وكلها مواقع تردد
التصريحات الأمريكية أنها أوكار
للإرهاب، يجب تدميرها الآن في نطاق
الحملة الدولية القائمة؟!
ولكي
نقرب القضية الشائكة أكثر، ونحدد
ورطتنا بدقة أكبر، نتساءل: كيف سيكون
الموقف العربي الإسلامي "الرسمي"
إذا ما هاجمت أمريكا مباشرة وحتمًا
بمساعدة إسرائيل حزب الله في لبنان،
وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين
عدا أن أكثر من عشر منظمات فدائية
فلسطينية تتخذ من سوريا مقرًا لها،
خصوصًا الجبهة الشعبية والجبهة
الديمقراطية لتحرير فلسطين، وكلها
على قائمة المنظمات الإرهابية التي
أعلنتها أمريكا رسميًا وتؤكد عليها
إسرائيل دومًا؟
إننا
نتجاسر ونطرح هذه التساؤلات الشائكة
لا من باب إحراج أحد، مسئولاً أو غير
مسئول، عربيًا أو غير عربي، ولكننا
نطرحها لأنها هي التي تغلي في صدور
الناس، وتعتمل بقوة في عقول الرأي
العام باتجاهاته المختلفة فإن لم
تجد لها أجوبة مقنعة وصريحة ومعلنة،
فقد تنفجر ضجرًا وصخبًا عبر الشارع
المعبأ أصلاً بالغضب والتمرد والرفض
لأحواله العامة، والخاصة، السياسية
والاقتصادية، وربما كانت هجمة
الانتقام الأمريكية وتورطنا فيها،
هما شرارة الاشتعال، على نحو أشد
وأعنف مما جرى بالأمس احتجاجًا على
ضرب التحالف الدولي بقيادة أمريكا،
للعراق قبل إحدى عشرة سنة.
ونختتم
بالقول: إن أشد ما يقلق من جراء ما
جرى ويجري منذ الهجوم الانتحاري على
مراكز الهيبة الأمريكية في نيويورك
وواشنطن يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001
أن انقلابًا هائلاً قد وقع تحت دوي
الانفجارات في المفاهيم والمبادئ
والمصطلحات الحاكمة، للمصالح
والعلاقات الدولية والمواقف
المختلفة، فهاهي الحرب العالمية
الثالثة قد أعلنت بالفعل تحت شعار
الحرب ضد الإرهاب، كما سبق أن أعلنت
الحرب العالمية الثانية تحت شعار
الحرب ضد النازية.
وهاهو
المارد الأمريكي قد انطلق بكل قوة
وعنف للانتقام لكرامته، والثأر
لهيبته، اللتين أهدرهما هجوم
سبتمبر، فلسع العصب الحساس في الجسد
الأمريكي، الذي ذاق حربًا دامية على
أرضه لأول مرة، منذ حرب الاستقلال
قبل أكثر من قرنين من الزمان.
وفي
ظل هذا الجحيم الذي لا تحده حدود عقل
أو منطق، لا يمكن معرفة النهاية أو
حساب النتائج، لكننا من بين الركام
نستطيع أن نقرأ خطوطًا عامة تتداخل
وتتشابك، فإذا بكل الألوان قاتمة،
وإذا بالمواقف عائمة غائمة.
ولعل
أخطر ما نتبينه من بين هذا الركام،
وننبه لخطورته، هو سريان منطق خلط
الأوراق وبعثرتها، بحجة إعادة
تنظيمها وتجميعها وفقًا لبعض
النظريات السياسية القائلة بخلق
الأزمات لإعادة فكها ثم تركيبها.
أول
وأهم الأوراق المخلوطة الآن في هذا
الجحيم القائم والقادم، هي ورقة خلط
الإسلام كدين بالإرهاب كجريمة،
وبالتالي الترويج السياسي والثقافي
والإعلامي، في الغرب الأوروبي
والأمريكي، لدمغ المسلمين والعرب
عامة، بالوحشية والتطرف والقتل
والإرهاب، وهاهي نتائج حملة العداء
والكراهية تؤتي نتائجها السيئة، فما
بالكم حين يأتي رد الفعل عليها من
جانب الشارعين العربي والإسلامي؟!
وثانية
هذه الأوراق المخلوطة عن تعمد وقصد
مبيتين هي ورقة خلط كفاح منظمات
المقاومة الوطنية وحركات التحرير،
التي تقاتل جيوش الاحتلال، بالإرهاب
المسلح، وبالتالي فإن من نتائج هذا
الخلط إطلاق العنان "لإرهاب
الدولة" على نحو ما تفعله
إسرائيل؛ لترتكب مزيدًا من المجازر
الوحشية الدموية، ولتمارس عنصرية
صهيونية شرسة ضد شعوب ترنو إلى تحرير
أرضها المحتلة عنوة وغصبًا.
نخشى
القول بأن أخطر ما ستسفر عنه الحرب
الأمريكية القائمة الآن على قدم
وساق، ليس القضاء على أوكار الإرهاب
كما تدعي، ولكن إعادة خلط الأوراق
وتفكيك وإعادة تركيب الأزمات،
وبالتالي فرض الهيمنة الأمريكية
المطلقة على مقاليد الأمور، كل
الأمور.
وساعتها
ستخرج أمريكا من ورطتها، وتتركنا
نحن وأمثالنا في قاع ورطة لا مخرج
منها، يحكمنا إرهاب حقيقي يقوده
الفقر والإحباط، وتشجعه
الديكتاتوريات، وتستفزه انتهاكات
حقوق الإنسان.
أليست
هذه هي الجذور؟
*
خير الكلام:
يقول
عنترة بن شداد:
لا
تسقني ماء الحياة بذلة
بل
فاسقني بالعز كأس الحنظل
|