|

صحفيون
مصريون: طباخ السم يذوقه!
القاهرة-
منذر علم الدين- إسلام أون لاين.نت/11-9-2001
كان
الهدوء يسود صالة التحرير الرئيسية
بإحدى المؤسسات الصحفية المصرية
الكبرى، وتدريجيًا بدأت الأصوات
تتنادى، والهمهمات تتحول لهمسات،
وسرعان ما أصبحت نداءات عالية، الكل
يدعو الكل لمشاهدة الانفجار المهول
لمبنى التجارة العالمي بنيويورك،
والذي أعقبته انفجارات أخرى بوزارة
الدفاع، وبجوار الخارجية
الأمريكية، وأماكن أخرى لم تتحدد
بعد.
خيم
الذهول على الجميع، وعقدت المفاجأة
الألسنة، لكن لسانًا واحدًا انطلق،
وأطلق "زغرودة" اهتزت لها أركان
الصالة، واقشعرّت أبدان الحضور
بالفرحة، وانطلقت الضحكات، وعلا
ضجيج التعليقات التي بدت كبانوراما
فرح طاغ ومباغت!! سرور لم يكن في
الحسبان!!
بلا
مقدمات تصافح الحضور، وتبادلوا
التهنئة، وأصبحت الجملة المصرية
الشهيرة "ألف مبروك" مفتاحا
للحظة نادرة لا تتكرر كثيرًا في حياة
الناس، فبدلاً من تبادلها في
الأفراح والمناسبات الاجتماعية
السارة، تحولت إلى مؤشر لموقف عام
غريب وغير متوقع، لكنها كشفت عن
تراكمات نفسية عديدة تكونت خلال
سنوات طويلة، نتيجة للضغط الأمريكي
على شعوب المنطقة التي ضجّت من العنف
الإسرائيلي والمساندة الأمريكية
الدائمة والدءوبة، والخالية من
الموضوعية والمنطق!!
انسابت
التعليقات، المختلفة في كلماتها
المتفقة على المعنى، وكأنهم يرددون
نغمات متباينة لذات اللحن، فمنهم من
قال: "خليهم يدوقوا" وغيره قال:
"علشان يعرفوا إن الله حق" وآخر:
"مرة يجربوا عذاب الشعوب الأخرى
اللي دمروها"، ورابع يردد شامتًا
–والشماتة كانت الصفة الغالبة على
لهجة الجميع-: "طباخ السم لازم
يدوقه"، وصوت امرأة صارم يعلن: "النهاردة
أمريكا هتعرف يعني إيه عذاب الأمهات
الفلسطينيات".. "طول عمرهم ما
عرفوش معنى الحزن في قلب أم.. ولا
اليتم في قلب طفل.. آن الأوان يتكووا
بنار همّه اللي ولعوها"!!
وتطور
الأمر، وارتفع الحماس وأتى أحدهم
بعلبة حلوى ودار يوزع منها على
الزملاء، وتعازم آخرون على ثمن
المشروبات، وانعقدت حلقات في
الطرقات، ومجالس في الكافتيريا، لا
حديث فيها سوى الانفجار والفرح الذي
ولده في نفوس الجميع!! لكن التكهنات
كانت تعقد كل الألسنة حين تُطرح
الأسئلة: من الفاعل؟ وكيف أمكن له
اقتحام أهم الأماكن وأكثرها
إستراتيجية في أقوى دولة في التاريخ؟
هل المسألة كانت أكذوبة منذ البداية؟!
وإن لم تكن فكيف حدث هذا كله؟!
وكان
هذا إيذانًا بذهاب السكرة، والفرحة
الساذجة، وحلول الحيرة والتساؤلات
الجادة مكانها؟! وكيف سيكون رد الفعل
الأمريكي على الفاعلين؟ هل يمكن أن
يهيج الأسد الجريح، ويضرب في كل
الأنحاء، ويكسر كل شيء في طريقه
ليثأر لكرامة أمريكا المهددة،
وأمنها الضعيف، خاصة بعد تدمير رمز
العولمة، ووزارة الدفاع، والتطاول
على البيت الأبيض، أشهر دار حكم في
العالم، وضرب مقر الرئاسة في "كامب
ديفيد"، أم أن الرأي العام
الأمريكي يمكن أن يتعقل، ويتدبر
الأمر من جوانبه العديدة، ويضغط على
الإدارة الأمريكية من أجل ضبط
السياسة الخارجية وترشيد غطرسة
القوة التي تضاعفت في السنوات
الأخيرة، والتي أصبحت أقوى بمنطق
"البودي جارد" المنفرد
بالملهى، أو "الفتوّة" الذي خلت
له الحارة!!
والأسئلة
كثيرة والتكهنات غامضة، والمشاعر
العفوية عامة وعارمة، وأقوى من
الزغرودة التي انطلقت بلا خوف أو
تفكير في واحدة من أكثر صالات
التحرير انضباطًا وصرامة!! وأمام
أكثر من مدير تحرير للجريدة الكبرى.
|