|

العلمانية.. سر الهروب من مساجد تركيا
تركيا- سعد عبد المجيد- إسلام أون لاين.نت/14-8-2001
تمثل
قضية الفارين من المساجد في
الجمهورية التركية ظاهرة تتشابه إلى
حد كبير مع مواقف الفارين من المساجد
في الدول الإسلامية الأخرى، ولعلّ
وجود هذه الظاهرة في تركيا يرتبط إلى
حد كبير بالمبادئ العلمانية التي
تُلقّن للتلاميذ والطلاب في المدارس
التركية منذ نعومة أظافرهم.
كما
أن عدم وجود عطلة دائمة يوم الجمعة
أو عطلة خاصة لصلاة الجمعة،
واستمرار التلاميذ والطلاب في فصول
الدراسة، يحرم الكثير منهم من
التعوّد على فهم وإدراك معنى الصلاة
في المساجد، وإن كان هناك بعض
المدارس وبعض الأساتذة والمدرسين
أصحاب العقيدة يسمحون للتلاميذ
والطلاب بالذهاب للمسجد لأداء
الصلاة، مستفيدين من الساعة الخاصة
بوقت الطعام والاستراحة التي تُعطى
لجميع مصالح الدولة بشكل يومي بين
الساعة الثانية عشرة والواحدة
والنصف ظهراً.
ويبدو
أن المحاولات المضنية التي تبذلها
جمعيات خيرية وأهلية وإدارة الشؤون
الدينية التركية في جذب الأطفال في
موسم الصيف لتعليمهم كيفية قراءة
القرآن الكريم وأداء الصلاة -لا تثمر
عن تحقيق النتائج المطلوبة، بسبب
الانتظار الطويل للإجازة الصيفية من
طرف الطلاب وطول العام الدراسي.
تقول
التلميذة "خديجة قيلنش" (10
سنوات): إنني أتردد في الذهاب للجامع
لتلقي دروس القرآن الكريم وكيفية
الصلاة، بسبب زجر معلمة القرآن لي،
وأنا أذهب فقط إرضاء لأمي حتى لا
تغضب مني، وتؤيدها في قولها
التلميذة "سندس عبد المجيد" (11
سنة). أمّا الطالب "إلياس أردوغان"
(15 سنة) فيقول: أنا أذهب للصلاة في
المسجد يوم الجمعة فقط، ولا أستطيع
الذهاب لكل صلاة بسبب ابتعاد المسجد
عن المنزل وحرارة الشمس الملتهبة في
موسم الصيف، أمّا في موسم الشتاء
فتأتي صلاة الجمعة في وقت استمرار
الدراسة من ناحية، وأحياناً تأتي
صلاة الجمعة وقت هطول الأمطار أو
الثلوج وهو ما يعوق الحركة بشكل عام.
ويضيف
الطالب "مصطفى أردوغان" (13 سنة)
قوله بأن وجودنا في المدرسة من
الصباح الباكر وحتى وقت قريب من موعد
صلاة المغرب يحرمنا من أداء الصلاة
في المسجد، ولا توجد مساجد في
المدارس.
صلاة
في السر
ويقول
الطالب "مروان عبد المجيد" (12
سنة): إن المدرسين يشجعوننا على صلاة
الجمعة بالمسجد، ولكن بشكل خفي حتى
لا تتعرض المدرسة لعقوبات وزارة
التعليم، وفى الأيام العادية أو
موسم الصيف فأنا أذهب للمسجد يوم
الجمعة بصحبة والدي في بعض الأوقات
مصادفة، ولكني لا أستطيع الذهاب
للمسجد في كل صلاة لابتعاد المسجد عن
البيت.
ويلاحظ
في المجتمع التركي وخاصة في مدينة
إستانبول، أن عدد الجوامع والمساجد
كبير بشكل لافت للأنظار، وهو نفس
القول الذي ذكره الرئيس الإيراني
"رفسنجاني" حين زار تركيا في
منتصف التسعينيات، وقال لمرافقيه
أثناء رحلة جوية بالطائرة المروحية:
إن الظاهرة الجديدة في تركيا هي كثرة
المساجد.
ويتمتع
وعاظ الجامع التركي بمظهر مُهندم
ولهم عباءة خاصة عبارة عن جُبّه
سوداء اللون تشبه لحد كبير رداء
المحامين، وعمامة بيضاء تقليداً
للعمامة المنتشرة في فلسطين والشام
يرتدونهما أثناء الوعظ أو الخطبة أو
إمامة المصلين.
يرجع
"ألبير شليك" (16 سنة) خروج نسبة
من المصلين إلى خارج المنزل عند خطبة
الجمعة إلى طول وقت الوعظ وعدم
جاذبية الموضوع بالنسبة لهم، وأضاف
أن الكسل وعدم التعوّد هما سر غيابي
عن المسجد وقت الصلوات اليومية.
وفي
جامع مَحلة ساحل "جوربينار"
بإستانبول يلاحظ أن نسبة الشباب
مرتفعة بين عدد المصلين يوم الجمعة،
إلا أنها تنخفض من 5 إلى 10 % في
الأوقات الأخرى، بمعنى أنها تشكل
حوالي 50%، مع ملاحظة أن الكثير من
المصلين يصطحبون أولادهم الصغار
معهم لأداء هذه الصلاة.
تشجيع
الآباء
يقول
"محمد أردوغان" عامل (40 سنة): أنا
أشجع أبنائي على الذهاب للجامع
لأداء صلاة الجمعة كي يتعودوا على
التردد على المساجد وأداء العبادات،
ويتعلموا الاستماع للقرآن وكيفية
أداء الصلاة وأحكامها.
ويدافع
عن عدم تردده على المسجد لأداء
الصلوات الخمس اليومية، بظروف عمله
وبُعد الجامع عن مكان عمله، ويضيف
قوله: "أنا أذهب أحياناً للجامع
المركزي في الحي للصلاة يوم الجمعة،
نظراً لذهابي للسوق الأسبوعي الذي
يقام على مقربة من الجامع".
وفيما
يتعلق بالخطبة، فهي عند الأتراك
قصيرة ومحدودة بصفة عامة،على حد قول
الدكتور "حسن آقبولوط" (مدرّس
جامعي) ولعلّ هذا مرتبط بالتعليمات
التي ترد للخطباء من إدارة الشؤون
الدينية بالمحافظة، والتي تشدد على
قصر الخطبة، وعدم الخوض في
الموضوعات السياسية بأي حال لكي لا
يتم تعريض الخطيب للتحقيق أو
المحاكمة في إطار القانون العلماني.
ويضيف
"آقبولوط" أنه يصلى يوم الجمعة
في جامع الكليّة - كلية الإلهيات
بجامعة مرمرة بإستانبول- حيث تتاح
الفرصة له وللطلاب والأساتذة
لأدائها، نظراً لالتصاق الجامع
بمباني الكلية الجامعية، ويرى أن
انصراف البعض عن أداء الصلاة وعدم
الذهاب للمسجد وقت الجمعة يعود لضعف
الخطباء وعدم قدرتهم على جذب الشباب
بالموضوعات المرتبطة بحياتهم
وبيئتهم.
أمّا
"مصطفى قيلينش" مدير بشركة في
إستانبول، فيرجع هروب بعض العمال
والعاملات من مسجد الشركة المقام في
داخلها، إلى عدم معرفتهم بكيفية
أداء الصلاة وعدم حفظهم لآيات من
القرآن.
وبسؤاله
حول: إلى أين يهرب العمال وقت صلاة
الجمعة؟ قال: أعتقد أنهم يذهبون
للمكان المخصص لشرب الشاي والسجائر
ويجلسون هناك، والبعض يذهب للساحة
الرياضية الموجودة في داخل مبنى
الشركة للعب كرة القدم، ولعل البعض
أيضاً يخرج للسير والتسكع لبعض
الوقت حول الشركة لحين انتهاء
الصلاة.
أمّا
"عبد الله طوبال أوغلو" مدير
مكتبة بتركيا، فيرى أن عدم ذهاب
الناس للمساجد وقت الصلاة يرجع
لنظام العمل الذي يضع الإنسان في
عمله من الصباح وحتى الساعة السادسة
مساء، وإذا لم تتوفر فرصة المسجد
داخل المؤسسة (محظور تخصيص مسجد أو
جامع في مؤسسات الدولة) نصلي بشكل
منفرد وأحياناً نجمع صلاتي الظهر
والعصر لظروف العمل وكذا صلاتي
المغرب والعشاء في موسم الشتاء بسبب
تعثر حركة مرور السيارات بعد
السادسة مساء، وعدم تدارك وقت صلاة
المغرب على الطرق المزدحمة!!
|