|

مسلمو
بولندا.. ومتاعب القرن العشرين
أخذ
الحضور الإسلامي في بولندا شكلاً
جديداً عام 1917م ، عبر تأسيس "اتحاد
المسلمين البولنديين" ، وفي تطور
لاحق عُقد في مدينة " فيلنيوس "
عام 1925م أول مؤتمر عام لمسلمي بولندا
، انتُخب فيه " يعقوب جنكيفيتش "
لمنصب المفتي الأكبر للديار
البولندية ، وتأسس في العام ذاته
اتحاد ثقافي واجتماعي للتتار اتخذ
من "وارسو" مقراً له ، وبدأ في
إصدار بعض المطبوعات باللغة
البولندية مثل مجلة " السنوية
التتارية " ودورية " الحياة
التتارية " ، وبحلول عام 1936م ، كان
يتبع للمفتي العام 19 تجمعاً مسلماً و17
مسجداً في بولندا.
وعندما
خيّم الاجتياح النازي على بولندا
ابتداء من سبتمبر 1939م ، كانت النخبة
المسلمة البولندية تدفع الثمن
الباهظ لذلك، فقد عمد النازيون إلى
إبادتها واستئصالها بالكامل عقاباً
لها على تصديها للتوسع النازي، وفي
حقيقة الأمر فإنّ الموقف المشرِّف
الذي اتخذه المسلمون التتار جاء
ليؤكد ارتباطهم العضوي بالشعب
البولندي الذي تحقق عبر قرون ولم يكن
بالإمكان التفريط به بأيِّ ثمن.
أما
الحصاد المر الذي جناه المسلمون
فكان ماثلاً للعيان، فقد آلت حربان
عالميتان، بما صاحبهما من دمار شامل
وتغيرات في الخريطة السياسية
لبولندا، إلى حصر الوجود الإسلامي
الفعلي في بلدتين بولنديتين فحسب،
هما " كروجينياني" و"بوهونيكي"
المتجاورتان.
ولم
يكن خمود نيران الحرب العظمى
الثانية مدعاة للتفاؤل، فصعود
الشيوعيين إلى الحكم في بولندا بعد
الحرب مثّل انتكاسة إضافية حادة
للوجود الإسلامي، إذ لم يكتف النظام
الشيوعي بإشاعة الإلحاد ومخاصمة
الأديان وإغلاق عدد من المساجد؛ بل
وعمد إلى تهجير أعداد من المسلمين
إلى سيبيريا ضمن حملات شبيهة نظمتها
الكيانات السياسية الحمراء، وكان من
النتائج الكارثية لذلك العهد انتزاع
أملاك المسلمين منهم ومصادرة
أراضيهم بموجب التدابير القاسية
التي عُمل بها آنذاك.
ووصلت
موجات الهجرة إلى الولايات المتحدة
الأمريكية التي يعيش فيها اليوم
أكثر من ألفي عائلة من المسلمين
التتار المتحدثين بالبولندية،
يتركزون في الغالب في حي "بروكلين"
بنيويورك.
لكن
ذلك لم يمنع من سماح السلطات بعقد
أول مؤتمر عام لمسلمي بولندا بعد
الحرب العالمية الثانية، ففي عام 1969
عقد المؤتمر الذي تمخض عنه تشكيل
اتحاد ديني لمسلمي بولندا، وفي عام
1971 أقرّ مكتب الشؤون الدينية في
السلطة الشيوعية إجراءات جديدة
تتعلق بالمسلمين، كان منها السماح
بترميم مسجدي "كروجينياني" و"بوهونيكي"
التاريخيين عبر هبات مالية قدمتها
دول عربية خليجية، وفي مؤشر على
الانفتاح النسبي وُضع حجر الأساس
لمسجد "غدانسك " الجديد عام 1984،
والذي افتتح بعد ذلك بست سنوات.
لقد
أزاحت سنوات الثمانينيات شيئاً من
الستار الحديدي الذي لفّ مسلمي
بولندا، ففي عام 1984 بادر مفتي
الجمهورية اللبنانية الراحل الشيخ
حسن خالد إلى زيارة بولندا للالتقاء
بمسلميها، وقد أعقب هذه الخطوة
التاريخية زيارة قام بها وفد رفيع
المستوى من رابطة العالم الإسلامي
لاستطلاع أوضاع التجمعات المسلمة في
بولندا.
أتاحت
هذه المبادرات المجال أمام تحرك أول
حملة حج بولندية إلى الأراضي
المقدسة، فيما أتيح المجال أمام عدد
من المسلمين لتلقي العلوم الشرعية
في الجامعات الإسلامية بالمملكة
العربية السعودية ، وقد تعززت أواصر
الارتباط بين هذه الأقلية المسلمة
والعالم الإسلامي بزيارة أخرى قام
بها في أغسطس عام 1988 وفد من رابطة
العالم الإسلامي إلى بولندا، كان
على رأسه الأمين العام للرابطة
آنذاك الشيخ عبد الله عمر نصيف .
لقد
كانت تلك الزيارات بمثابة إشارات
رمزية لا أكثر، على الارتباط بين
المسلمين داخل بولندا وخارجها، خاصة
وأنّ سقف الحريات الدينية الذي
أتاحه النظام الشيوعي كان أدنى
بكثير مما كان يطمح إليه المسلمون.
عودة
|