English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق


في الموقع أيضًا:

بولندا والمسلمون التتار

يُعدّ المسلمون من أصل تتاري أصغر الأقليات التي تعيش في بولندا الآن، لكنّ ذلك لا يتنافى مع ارتباطهم الوثيق بالتاريخ البولندي منذ القرن الرابع عشر، وتبدو حالة مسلمي بولندا هامة جداً بالنسبة لمسلمي أوروبا ككل، فهي تكشف عن إمكانيات التعايش المشترك بين أقلية مسلمة، ومجتمع مغاير ديناً وثقافة وجنساً.

وعند العودة إلى صفحات التاريخ الحافل نقف عند عام 1569م ، عندما صدر تشريع يسمح للمسلمين في بولندا ببناء المساجد والمدارس التتارية، ومع حلول عام 1591م، تراوح عدد المسلمين التتار في بولندا بين ستين ألفاً وسبعين ألفاً، يؤدون الشعائر الإسلامية في أربعمائة مسجد تقريباً .

وارتفع عدد المسلمين التتار مع حلول عام 1631م، ليصل إلى مائة ألف نسمة، ومن المؤكد أنّ هذا النمو والاستقرار لم يكن ممكناً بدون تسامح السلطات البولندية ومواطنيها مع المسلمين، بالإضافة إلى المرونة التي أبداها المسلمون التتار أنفسهم في التعامل مع البيئة البولندية، والتي تجلّت في اكتساب خصائصها بالتدريج على حساب الخصائص الذاتية، ومن اللافت للانتباه أنّ المسلمين التتار لم يتخلوا على مرِّ القرون عن اتصالهم مع العالم الإسلامي والتجمعات الإسلامية خارج بولندا، بحسب الإمكانات المتاحة في ذلك الزمان.

والمؤكد أنّ الزائر لبلدتي "بوهونيكي" و "كروجينياني" الواقعتين شرقي بولندا سيخرج منهما باستيعاب جديد للتاريخ، فإذا كان تاريخ الإسلام في أوروبا قد ارتبط في الأذهان بالحروب الضارية والمواجهات التي يعلو فيها الغبار؛ فإنّ هذا الجزء من القارة العجوز يكشف عن الجانب الآخر من الصورة.

ففي هذه المنطقة عاش المسلمون في أمان لقرون خلت جنباً إلى جنب مع جيرانهم الكاثوليك، وتمتعوا باهتمام السلطة السياسية ممثلة أساساً بالملك "يان سوبيسكي الثالث" الذي رحب بسكنى المسلمين التتار في هذه المنطقة في القرن السابع عشر ومنحهم وضعية المواطنة القانونية، ومن المفارقات أنّ هذا الملك الذي تولى السلطة بين عامي 1674 و1696م ، كان أول من لبّى نداء الكنيسة الكاثوليكية وهبّ بجيش جرّار لكسر الحصار المنيع الذي فرضه العثمانيون حول فيينا عام 1683م ، وهو ما أسفر عن انحسار العثمانيين عن وسط أوروبا إلى غير رجعة.

وخلافاً لما عليه الحال بالنسبة للعديد من الأمم الأوروبية؛ فإنّ القلق الفعلي الذي ساور الأمة البولندية في تاريخها لم يكن إزاء المسلمين بالدرجة الأولى، فالمخاوف كانت تثور في العادة من الدُبِّ الروسي الذي شكّل تهديداً تاريخياً لهذا البلد من جانبه الشرقي، وأما المسلمون التتار فكانت معارضتهم للهيمنة الروسية مثاراً لاهتمام القيادة البولندية التي راودتها الخشية من التوسع الروسي، خاصة عندما كان يُنظر إلى التتار على أنهم فرسان لا يُشقُّ لهم غبار.

وقد عزّزت خصائص الجغرافيا السياسية لبولندا من قناعتها بأنّ قدرها أن تقع بين فكّي كمّاشة، بين روسيا وألمانيا (بروسيا والرايخ الثالث لاحقاً)، وأما المسلمون فكانوا في ظلال المشهد، وليسوا في قلب دائرة المخاوف، بل إنّ التاريخ البولندي يشهد على العلاقات التي توطّدت دعائمها مع العثمانيين في بعض المراحل، عندما كان الاستقواء بالدولة العثمانية مطلوباً للوقوف بثقة إزاء الدب الروسي واسع الأطماع.

ومن المزايا التي حرّرت التاريخ البولندي من الأوزار إزاء الأمم الأخرى خلو تاريخ هذه الأمة الأوروبية العريقة من التوسع الاستعماري الذي مارسته العديد من أمم أوروبا الغربية في القرون الأخيرة ، بما رافقه من تجاوزات ما زالت مستقرة في الذاكرة الجمعية للشعوب التي عانت منه.

وابتداء من القرن السادس عشر أخذ التتار المسلمون بالانسجام التدريجي مع الحياة البولندية، إذ تنازلوا عن لغتهم الأم لصالح اللغات السلافية، فيما اقتبسوا الأزياء المحلية وتناغموا مع التقاليد والعادات الشائعة، وكان ذلك على ما يبدو إيذاناً بالذوبان في المحيط المغاير، فقد أسفر الأمر عن اضمحلال هويتهم الإسلامية واعتناق أعداد متزايدة من أبنائهم للمسيحية بفعل الزواج المختلط، ولكنّ الموقف من المسلمين لم يخل من التوتر، ففي نهاية القرن السابع عشر سادت أجواء من التعصب في المجتمع البولندي ومُنع المسلمون من تشييد المساجد، ورغم ضمور الملامح الإسلامية والتتارية الأصيلة لسكان المنطقة على وقع المؤثرات التي تفيض بها الأغلبية على الأقلية، فإنّ الأسرة التتارية المسلمة لم تتخلّ عن دفئها الاجتماعي وتماسكها الداخلي أو كرم الضيافة الذي عُرفت به. وتأتي الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية لتعزِّز من الملامح المميزة لهذه الأقلية المسلمة.

عودة

البحث في المواضيع

أخبار الأمس

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 1/12

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع