English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

موضوعات ومواقع ذات صلة


في الموقع أيضًا:

قالها آمادو ورحل: الكتابة أهم ما في الحياة!

أسامة الرحيمي- إسلام أون لاين.نت/11-8-2001

آمادو

مات الروائي البرازيلي "جورجي أمادو".. أي خسارة تلك!!..

قالت زوجته الوفية "زيليا غاتي": "قبل رحيله أوصى أن ننثر رماده تحت شجرة مانجو في حديقة بيتنا"!!

وفي ولاية باهيا التي شهدت ميلاده عام 1912 احتشد البرازيليون منذ أيام في موكب مهيب لتوديع الكاتب الكبير وقد ارتدوا جميعا الملابس البيضاء الظاهرة التي أعادها البعض لعقيدة أفريقية قديمة متوطنة في الريف البرازيلي، وفسرها آخرون بأنها قد ترجع للتفاؤل الذي بشر به "أمادو" في أعماله، رغم ازدحامها بآلام الفقراء وبؤسهم وشقاء العمال وصغار الموظفين في مزارع الكاكاو.

عاش أمادو (89 عاما) حياة كانت حافلة منذ البدايات بالاهتمام بالقضايا العامة والاشتغال بالسياسة والترشح للبرلمان، واكتسابه العضوية عن دائرة "ساوباولو"، لكنهم سريعا ما ضجوا وطاردوه وسحبوا منه الحصانة واعتقلوه، وبعدها تم نفيه لخارج البلاد فقضي سنوات مريرة بعيدا عن وطنه، ولم يهدأ باله إلا بعد عودته، ولكنه كان قد أدرك أهمية تغيير "التكتيك"، وعبّر عن ذلك صراحة: "قررت التخلي عن النشاط السياسي كنائب، وأن أخوض المعارك السياسية من خلال الكتابة.. فالكتابة أهم ما في الحياة".

ليته رأى جنازته -رغم فقدانه لبصره لعدة سنوات- ليعرف قيمة ما فعله، فالحشود كانت بالآلاف من الرسميين إلى البسطاء الذين عني بهم في كل أعماله، وليدرك أن اهتمامه بهم لم يذهب أدراج الرياح، وأن إحساسه بآلامهم ودفاعه عنهم جعلهم يبكونه ويشعرون بفداحة المصاب الذي ألمّ بهم بعد رحيل واحد من أهم آبائهم الكبار، وأكثرهم إلحاحا في المناداة بالعدالة والحرية والمساواة والانشغال بخبز الجياع.

وقد ظل "جورجي أمادو" لما يقرب من الستين سنة يكتب للفقراء، ويصف بؤسهم، ويناصر عمال المزارع في أنحاء البرازيل الذين يجمعون الكاكاو ولا يحصدون لنفسهم غير العرق والشقاء، في الوقت الذي يحوّله الرأسماليون لشيكولاتة ينعم بها أبناء الدول الغنية المستغلّة؛ ولهذا ظلت أعماله الروائية مفعمة بروائح القرنفل والقرفة، وآهات العبيد المستذلين، وأحلامهم المجهضة دائما، لكنه بقي يناضل بامتددا اثنتين وثلاثين رواية ضد الشركات الاحتكارية الكبرى التي زادت الفقراء بؤسا، وراكمت الأموال في جيوب أصحابها، والسماسرة.

ولم يمل "أمادو" لحظة من المطالبة على ألسنة شخوصه الأدبية بالعدالة الاجتماعية وهو ما حول كتاباته لوثائق احتجاج إنسانية لم تكن موجهة للداخل البرازيلي بل للإنسان في سائر بلاد العالم؛ ما جعله جديرا بالترشيح لجائزة نوبل لسنوات عديدة، وعدم حصوله عليها كان من إخفاقاته المؤلمة أو إحباطاته التي لم يحب التحدث عنها كثيرا، لكن هذا لم يمنعه من التعجب لحصول أدباء أقل شأنا في الثقافة البرتغالية على "نوبل".

ومن المميزات التي يحسبها النقاد لـ"أمادو" أن انحيازه الدائم للفقراء والمنسحقين لم يراكم بقلبه حقدا ولا كراهية للأسوياء من البرجوازيين؛ فقد عرض أكثر من مرة لشخصيات رأسمالية سوية في أكثر من عمل، وقدمهم بطريقة تحببهم للمتلقي وهو ما بيّن أهمية نضوج الكاتب فكريًا وبحثه الدائم عن مناطق الدفء الإنساني والخير داخل نفوس البشر، وهلل "أمادو" -في كتابات احتفائية- بالشخصيات التقدمية من الأثرياء الذين تمردوا على طبقاتهم القديمة لصالح العدالة الاجتماعية وضد الطبقية والاستغلال.

ولم يقف نضوجه هذا عند حد التأليف بل كان واضحا في مواقفه السياسية التي كان يضطر لإعلان رأيه فيها، فحين حصل "بوريس باسترناك" مؤلف رواية "دكتور زيفاجو" على جائزة نوبل ثارت ضجة في الأوساط الثقافية اليسارية في أنحاء العالم، وشككوا في أهمية الرواية وأحقيتها في الجائزة، لكن "أمادو" حين سئل لم يقف على حرفية انتمائه لليسار، بل بادر بالقول: "الرواية عمل فذ وجدير بجائزة نوبل"، وهذا يكشف عن صدقه مع ذاته، وتواصله مع الحساسية الإنسانية التي تعد رافدا لمنهجية الواقعية في الأدب.

وظل الأديب الكبير الراحل يراهن على قدرات شعب البرازيل في مقاومة الظلم والقهر، ورصد في عديد من رواياته حالات الاحتجاج الاجتماعي، واتسمت رواياته بالنفس الملحمي والشاعرية، لكن الظروف السياسية شاءت عكس بشاراته وأحلامه؛ ففي حياته أيضا شهد التفاقمات الاقتصادية للاقتصاد البرازيلي، والترديات الاجتماعية لأحوال الشعب، حتى بلغ عدد المشردين في شوارع البرازيل –ممن يسمون "أولاد الشوارع"- ثلاثين مليونا من أصل 150 هم إجمالي تعداد الشعب، وكذلك شاهد تراجع الديمقراطية وتضييق هوامش الحريات العامة في البلاد وزيادة نفوذ الشركات متعدية الحدود، وانهيار أحوال الفقراء وتضاعف بؤسهم، لكنه ظل يكتب ويكتب لأنه لم يكن يملك وسيلة أفضل من القلم والحلم.

وقبل سنوات من رحيله فأجاته أزمة قلبية حادة أجريت له جراحة على إثرها، وتقلص نشاطه لدرجة كبيرة، وبعدها بقليل بدأ نظره يخبو تدريجيا إلى أن انطفأ نور عينيه، فبدا الأمر كرغبة خفية في عدم رؤية ما يحدث من حوله في العالم وفي بلده، وحين تأكد أن لا شيء يتغير إلا إلى الأسوأ.. قرر أن يرحل في هدوء، وأن تتمدد روحه تحت شجرة المانجو التي طالما أحبها!!.‏

البحث في المواضيع

أخبار الأمس

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع