|

رفح..
وقف النار لا يعني وقف الهدم!!
فلسطين-
الجيل للصحافة - إسلام أون لاين.نت/
23-6-2001
 |
|
يهرب بطفلته من القصف والهدم |
أنقاض،
وأكوام من الحجارة، وقطع متناثرة من
الملابس والأجهزة.. هذا ما تبقى من
عشرين منزلاً دمرتها جرافات
الاحتلال الإسرائيلي في منطقة رفح
الغربية، على الشريط الحدودي بين
مصر وفلسطين، في ليلة رعب سجلت فصلا
جديدا من المأساة الفلسطينية؛ ليصبح
النهار على نحو 150 مواطنًا وجدوا
أنفسهم مضطرين لتجرع مرارة التشريد
للمرة الثانية في حياتهم، بعد هجرة
النكبة الأولى عام 1948 م.
ووقف
الحاج "محمود الدباس" (60 عام)،
الذي رسمت التجاعيد على وجهه حكاية
آلام التشرد عن البيت داخل الخط
الأخضر على أنقاض منزله الذي شيده
بدمائه ودماء أبنائه، وصرخ بكل وجع
الدنيا قائلا: "أين هو وقف إطلاق
النار الذي يتحدثون عنه؟... حسبنا
الله ونعم الوكيل على الظالمين
وحكام العرب والمسؤولين، الذين
يسكتون على هذا العدوان والدمار،
الذي يصبُّه المحتلون على شعبنا
يوميا، دون أن تتحرك مشاعرهم".
واحتضنت
زوجته طفلتها "أمل" (9 سنوات)،
وقالت: "شردونا.. خربوا ديارنا..
كيف سنعيش؟".
ولم
تُجد محاولات النسوة في تهدئة
الحاجة "أم خليل"، التي بدا
أنها مصابة بحالة من (الهستريا)، بعد
أن هُدم منزلها المكون من 7 غرف،
والذي تبلغ مساحته 750 مترا، وكان
يُعد من أجمل منازل المنطقة، فكانت
تفاخر به أمام جيرانها؛ غير أن هذا
المنزل الذي كان يؤوي 13 فردا قد
تحوّل إلى أكوام من الركام بعد أن
دمرته دبابات وجرافات الاحتلال بكل
ما فيه من أثاث وأجهزة.
وبدت
الحيرة على الطفلة أمل وهي تقول: أين
سنذهب؟ أين سنسكن ونعيش؟ ونظرت إلى
مجموعة من الشبان كانوا يعملون على
إقامة ونصب خيمة قدمتها اللجنة
الدولية للصليب الأحمر للعائلة؛ كي
تعيش فيها، وقالت: لن أستطيع النوم
هنا.. كيف سأذهب إلى الحمام؟.
هدم
عشرة منازل لعائلة واحدة
وتحدث
"جاسر برهوم"، الذي هدمت قوات
الاحتلال منزله مع منازل أشقائه
الستة، مع ثلاثة منازل لأبناء
عمومتهم، إضافة إلى عشرة منازل أخرى
لجيرانهم وأنسابهم، عن تفاصيل هذه
المأساة التي تعيد العائلة إلى
سنوات وعذابات التشريد الأولى،
مشيرا إلى أن ما يقارب من ست دبابات
وثلاث جرافات من نوع "بلدوزر"
اقتحمت المنطقة بعد الساعة الثالثة
فجر السبت (23-6-2001)، وقد توغلت أكثر من
200 متر في الأراضي الفلسطينية، وطلب
الاحتلال عبر مكبرات الصوت من
السكان إخلاء منازلهم خلال عشر
دقائق، وإلا سيتم هدمها بمن فيها وما
فيها..
الأهالي
أصيبوا بحالة من الهلع والذعر نتيجة
الاقتحام الإسرائيلي، وبدءوا
بالخروج من منازلهم وسط صراخ
الأطفال والنساء، دون أن يتمكنوا من
إخراج أي شيء من الممتلكات في هذه
الأثناء التي بدأت الدبابات بإطلاق
نيران رشاشاتها وقذائفها الثقيلة
تجاه المنازل والمدنيين الفارين،
وهو ما أدى إلى إصابة عدد من
المواطنين، عُرف منهم المواطن "عبد
الرحيم أبو عبيد" (33 عاما) الذي
أصيب بشظايا في كافة أنحاء جسمه، وتم
نقله إلى مستشفى "أبو يوسف النجار"
في رفح، فيما أصيبت المواطنة "جميلة
علي برهوم" الحامل في الشهر
السادس، بنزيف حاد إثر وقوعها
أرضًا، نتيجة هروبها من رصاص
الاحتلال، الذي تتطاير في المكان،
وتم نقلها إلى المستشفى وهي في حالة
متوسطة، وقد أشارت مصادر طبية إلى أن
حالة الجنين في خطر.
أين
الأجهزة الأمنية؟
وقال
"سلمان برهوم": إن الأهالي
تصدوا للدبابات والجرافات بصدورهم
العارية، غير أن الفارق في
الإمكانيات مكّن الإسرائيليين من
تنفيذ مخططهم الإجرامي؛ فتحولت
المنطقة العامرة خلال ساعات قليلة
إلى أكوام من الأنقاض والحجارة؛
لتضاف إلى المناطق الأخرى، التي
طالتها أعمال التجريف والهدم في رفح
وخان يونس، ضمن أوسع عمليات تطهير
عرقي ينفذها الصهاينة في ظل صمت
العالم.
وتساءل
برهوم: أين وقف إطلاق النار الذي
يتحدثون عنه؟ ولماذا لم تتدخل
الأجهزة الأمنية الفلسطينية، التي
تنتشر في مواقع التماس من
المستوطنات ومواقع الاحتلال؛ لمنع
المقاومين من إطلاق النار على
الصهاينة؛ لتحمي المواطنين من أعمال
العدوان؟ أليس نحن أولى بالحماية؟.
وأكد
أحد المواطنين أن قوات الاحتلال لم
تمهل المواطنين؛ حتى يخرجوا منها،
بل بدأت في أعمال التجريف والتدمير؛
حيث سارع عدد من الأهالي إلى مساعدة
بعض العائلات على إخراج الأطفال من
داخل المنازل، قبل أن تصلهم أنياب
الجرافات.
وتعود
المنازل المدمرة لعائلات برهوم
والدباس والدباغ، علما بأن هذه
العائلات قد تم هدم منازل أخرى لها
في أوقات سابقة في مناطق قريبة.
تطهير
عرقي
ويصف
المواطن "محمد الدباغ"- الذي تم
هدم منزل أسرته المكون من ثلاث غرف-
ما حدث بأنه "جريمة نكراء"،
وعملية تطهير عرقي خطرة، تنفذها
قوات الاحتلال ضمن أعمالها العنصرية
الواسعة، التي بدأت باستخدامها بشكل
موسع منذ بداية انتفاضة الأقصى، غير
آبهة بمبادرات أو اتفاقات المجتمع
الدولي.
وأشار
الدباغ إلى بقاء الأثاث والمعدات
الكهربية، التي تظهر تحت الأنقاض
والحجارة المتكومة من بقايا منزل
العائلة الذي وُلد فيه، مؤكدا أن
معظم أصحاب المنازل لم يتمكنوا من
إخراج أي شيء؛ لأن العدوان بدأ بشكل
مفاجئ، دون حدوث مواجهات، بعد
الساعة الثالثة فجرا، واستمر حتى
الساعات الأولى من الصباح.
حجم
الدمار الذي حلّ بالمنطقة، والأطفال
الذين يبحثون تحت الأنقاض عن بقايا
ألعابهم، والنساء اللاتي يصرخن
ويبكين ضياع شقاء وتعب أزواجهن
وأبنائهن بعد ضياع منازلهن وأراضيهن..
كلها مشاهد تبدو أكبر من أن يحتملها
إنسان ذو ضمير، وأكبر من أن تعبر
عنها صورة مكتوبة أو صورة مرئية؛
لذلك تجد العشرات يرفضون الحديث
للصحافة أو للمسؤولين ذوي البدلات
الأنيقة؛ لأن الوجع كبير، وحجم
العدوان الاحتلالي فاق كل تصور
وتوقع.
ورغم
ذلك، تجد الإصرار والصمود على
البقاء لسان حال الجميع، الذين
غرسوا ثلاث عشرة خيمة ليقيموا فيها.
وهذا ما أكده أحد المواطنين، الذي
تجاوز السبعين عاما، وهو يرقد بجوار
الخيمة التي أقامها أبناؤه؛ حيث قال:
"مهما فعلوا، لن نرحل، وسنبقى في
هذه الأرض أحياءً أو أمواتًا".
|