|

فلسطين
والصيف.. هيا نستمتع بالحياة
فلسطين-
الجيل للصحافة- إسلام أون لاين.نت/
17-6-2001
 |
|
الفلسطينيون يستمتعون بالبحر |
بعد
أن حوّلت إسرائيل قطاع غزة إلى سجن
كبير، يعيش فيه مليون ونصف المليون
من الفلسطينيين الذين يتحركون في 360
كم2 فقط- لم يعد لهذا العدد الهائل من
البشر من متنفس إلا شاطئ البحر- خاصة
في شهور الصيف- والذي أصبح غير آمن
بسبب الزوارق الحربية الإسرائيلية،
التي تجوب شاطئ القطاع ليل نهار؛
خوفا من تهريب سلاح للفلسطينيين عن
طريق البحر.
ولكن
هل سيبقى أهالي قطاع غزة حبيسي
الانتفاضة؟ وهل سيهجرون متنفسهم
الوحيد بعد أن أغلقت إسرائيل عليهم
القطاع، كما يقولون بـ"الضبة
والمفتاح"، أم سيكون لديهم وقت
يقضونه على رمال الشاطئ وفي داخل
خيامهم؟
سؤال
حير الكثيرين، وقد طرحناه على بعض
الفلسطينيين الموجودين على شاطئ
البحر؛ فقال "صبحي محمود" (40 سنة):
"كنت قبل الانتفاضة، وخلال الصيف،
أنا وأسرتي المكونة من ثمانية
أفراد، وكذلك ولدي المتزوج وأسرته،
نذهب إلى البحر كل يوم خميس، وننصب
خيمتنا، ونقضي ليلتنا والجمعة على
شاطئ البحر. الآن- كما تراني- أجلس
وأسرتي على شاطئ البحر، ولكن يوم
الجمعة فقط، وما زلت أفكر في العودة
إلى سابق عهدي، ولكن مشاهدتي
للبوارج الحربية الإسرائيلية، وهي
تجوب شاطئ البحر، تجعلني أفكر
طويلا، وأتراجع عن عادتي، ولكنها لا
تمنعني من الاستمتاع بالبحر".
ويقول
أيضا: "كنا نتواعد- نحن وأقاربنا
وأصدقاؤنا- على أن نلتقي في مكان
معين يوم الخميس. وبعد عصر هذا
اليوم، ننصب خيامنا، بعضها بجوار
بعض، وينزل الأطفال إلى الشاطئ،
ونعد الطعام بالشواء على الفحم، أو
غيره من أنواع الطعام المشهورة
لدينا في فلسطين؛ كسندويتشات ما
يُسمى لدينا بالمقالي، وهي بطاطس
وباذنجان".
ويضيف
قائلا: "وما إن يحل الظلام لا ترى
على الشاطئ إلا أنوار خافتة، وجمع من
البشر حول (كانون) النار، ودخان
الشواء هنا وهناك. وبعد ذلك في حوالي
منتصف الليل- وكوننا مجتمعا محافظا،
ولنا من التقاليد ما يجب أن نحافظ
عليه- يكون المصطافون قد استقر
وضعهم، ولم يعد على الشاطئ إلا
العائلات، عندها تنزل النساء
والفتيات للاستحمام على شاطئ البحر،
ونستمر على هذا الحال حتى طلوع
الفجر، ثم نخلد إلى النوم".
سيقان
ومياه ورمال
وإذا
كان هناك من يذهب وفق رغبته إلى
الشاطئ، فإن هناك من يذهب بعد إلحاح
أطفاله، مثل "محمد مصطفي" (42 سنة)،
الذي قال: "أنا نفسيا غير مستعد
للذهاب إلى البحر، ورغم كل الحجج
التي أردت أن أسوقها لابنتي، التي
تؤدي الامتحانات في الثانوية
العامة، فإن رغبة أطفالي كانت أقوى
من كل الحجج، فوافقت".
ويضيف
قائلا: "وتساءلت ما المانع من
الذهاب إلى البحر؟ ألا يكفي ما
يشاهده هؤلاء الأطفال من دماء
وشهداء على مدار ثمانية شهور؟!
أليسوا بحاجة إلى إعادة تأهيل نفسي؟
أليسوا بحاجة إلى ما يروحون به عن
أنفسهم؛ حيث لا نملك سوى هذا الساحل
الضيق؟ وهل في ذلك ما يمنع؟ فالشهيد
أخي أو ابني أو جاري، وكذلك الجريح،
وقد أكون أنا أو ابني في الأيام
القادمة مثلهم.. فلنستمتع بالحياة.
جولة
على الشاطئ
وعلى
الشاطئ المزدحم، شاهدت فتاة ذات
نقاب، وهي داخل البحر للاستحمام،
يحيط بها مجموعة من الأطفال، وبعض
النسوة. وهذه عادة أهل فلسطين،
وبالتحديد في غزة، عندما تستحم
النسوة- حتى لو كان ذلك في وضح النهار-
ينزلن البحر جماعات، وليس فرادى،
ويبعدن قليلا عن تواجد الشبان، وإن
كان هناك في هذه الأيام من ينزلن
البحر بالبنطلونات، ولكن يحافظن على
بقاء غطاء الرأس، ولا توجد لدينا
شواطئ - بلاجات - خاصة بالشباب، وأخرى
بالنساء، ولكن يحاول كل جنس أن يبتعد
عن الآخر بقدر الإمكان.
وينقسم
الفلسطينيون في طريقة الاصطياف إلى
فئتين: الأولى تمثل الطبقة الشعبية،
وتصل نسبتها إلى 90 %، وتقوم بنفسها
بنصب الخيام والتجمع بعضها مع بعض،
وتكون رحلاتها للبحر جماعية في
الغالب. أما الفئة الثانية فتمثلها
القلة التي ترتاد بعض الأماكن
السياحية التي بدأت تظهر مع قدوم
السلطة، وهي أماكن تناسب القلة (10 %)
لارتفاع تكاليفها الاقتصادية.
وأصحاب القلة يختلفون في طعامهم
وشرابهم بشكل كامل عن الآخرين؛ حيث
الترف الزائد، والمأكولات ذات
الأصناف الممتازة وعالية التكاليف.
أمزجة
مختلفة
وإذا
قام شخص ما بزيارة واحدة لشاطئ
البحر، فإن من السهل عليه أن يتعرف
على المجتمع الفلسطيني بكل أطيافه
وأمزجته.
الشباب
ينسى في لحظة من اللحظات كل ما يجري
حوله، ويترك الهموم لوقتها المناسب،
وإذا دخل البحر تشعر أنه في عالم آخر
غير العالم الذي يعيشه أهل فلسطين
هذه الأيام؛ فهذا شاب يحمل على كتفه
جهاز تسجيل كبيرا، ويسمع الأغاني
بصوت عال، وتوجد مجموعة من الشباب
يلعبون كرة القدم أو المضرب، وآخرون
داخل خيمتهم في حالة هيام وسمر
شديدين؛ يتراقصون على أصوات
الموسيقى والأضواء الخافتة، وآخرون
منهم يعدّون الطعام.
وترى
الباعة الجائلين في كل مكان؛ فهذا
يبيع الترمس، وذاك يبيع الشاي، وآخر
يبيع ذرة، وثالث ورابع تراه مفعمًا
بالحيوية والحركة…
ولكن
الناظر لتلك اللوحة الفنية، والتي
رُسمت دونما ريشة رسّام، يدرك أن
الشعب الفلسطيني شعب حيّ، يعشق
الحياة، ويحسن صناعتها، تماما كما
يعشق الموت، ويحسن صناعته.
|