|

سوزان
حجو.. تحكي عن إيمان
فلسطين-
الجيل للصحافة- إسلام أون لاين.نت/
9-6-2001
 |
|
إيمان
حجو بين الورود |
تُمسك
بسرير ابنتها البارد؛ فقد اعتادت أن
تنام وهي ممسكة بابنتها عليه، ولكنه
لم يُشبع حنينها وشوقها إليها؛
فتحضن غطاء نومها ووسادتها التي ما
زال شعر إيمان يلتصق بها، لعل جفنيها
يعرفان للنوم سبيلاً.
هكذا
حال "سوزان حجو" (19 عاما)، والدة
الطفلة الشهيدة "إيمان حجو"،
كلما ذهبت لسريرها؛ لتريح نفسها من
عناء التفكير بابنتها، رغم مرور ما
يزيد على شهر على استشهادها، من جراء
قذيفة جيش الاحتلال الصهيوني الذي
نُزعت الرحمة من قلبه قبل أن يصوب
فوهة دبابته على منزل جدّها بخان
يونس، في جنوب قطاع غزة؛ ليخلف
لوالدتها الذكريات المؤلمة فقط،
والتي لم تصدق بعد أنها فقدتها إلى
الأبد.
وقالت:
"لن أنجب بعد إيمان أبدًا، يستحيل
عليّ أن أقدر أن أحضن طفلاً آخر.. وهل
أنجبه لأفقده مرة أخرى، وهو في حضني؟!
ويا ليتها جاءت القذيفة بي وأراحتني
من فقدان أغلى ما أملكه في هذه
الحياة".
تفاصيل
الجريمة
ما
زالت غرفة نوم الطفلة "إيمان حجو"
منذ أن تركتها ساكنة على حالها،
وخصلات شعرها الصغير ما زالت على
وسادتها، وملابسها تحتفظ برائحة
حليبها، وبداخل سريرها رضّاعتها
وألعابها، وقد وُضعت عليه صورتها
وقذيفة الاحتلال تخترق جسدها
الطاهر، وأخذت والدة الطفلة تحتضن
ملابسها التي كانت ترتديها يوم
استشهادها، وتستنشق رائحتها
وتعرضها.
وتصف
لمراسل "إسلام أون لاين.نت" يوم
الحادث، الذي نُقش في ذاكرتها قائلة:
"ذهبت لزيارة أهلي في مدينة خان
يونس، بعد انقطاع دام قرابة شهرين؛
لأطمئن عليهم، وبصحبتي طفلتي إيمان،
وأخذت معي عدداً كبيراً من ملابسها؛
فهي ليست طفلتي الأولى فقط، بل لعبتي
التي كنت كل ساعة أُلبسها ملابس
جديدة؛ لأُفرح والدتي بها، وجميع
أسرتي حولها يداعبونها، وهي سعيدة،
تضحك وكأنها طفلة في الخامسة من
عمرها.. وفجأة اقترب صوت الرصاص من
المنزل، وبدأ صوت قدوم الدبابة
الصهيونية التي اقتحمت المنطقة يهز
أركان المنزل، فأمسكت بطفلتي التي
كانت نائمة، وأمسكت أمي بيد أخي
الصغير (عام ونصف) وأختي دنيا (5 سنوات)؛
لنهرب بهم من القصف، وإذا بثلاث
قذائف تسقط على المنزل: الأولى تصيب
أختي. والثانية تصيب أمي وأخي
الصغير، حتى شعرت بأن جزءًا من لحم
والدتي سقط على يدي. أما الثالثة،
فقد اخترقت جسد ابنتي إيمان التي
كانت ممسكة بكتفي.
إيمان
لم تمت
أكملت
سوزان، وقد ابتلت جفونها: "فجأة
شعرت أني عاجزة عن الحركة، ملقاة على
الأرض وبجانبي طفلتي.. حاولت أن
أتلمسها، وأمسح الدم عن فمها، ثم
سحبت جسدي، واستلقيت بجوار شجرة
الزيتون التي في منزلنا؛ لعلّي أحمي
إيمان من قذائف الاحتلال، وأنا لا
أدري أن إيمان غادرت الحياة بدون
رجعة؛ لتدفع ثمن الدفاع عن الأرض قبل
أن تطأها.
حاولت
أن أنقذ أمي وأخي وأختي، الذين كانوا
غرقى في دمائهم، وسقطت على الأرض
مغشيًّا عليّ، وقد فقدت أغلى ما
أملكه في هذه الدنيا، وكم تمنيت أن
أكون بدلاً منها، ولكنها آثرت أن
تحميني بجسدها، حتى أني لم أودعها
مثل كل أمهات الشهداء؛ فقد وُري
جسدها الثرى قبل أن أقبلها القبلة
الأخيرة.
وتلتقط
سوزان أنفاسها المتلاحقة، وتكتم
عبرة نحيب لتقول: "لم يصدق إحساس
الأمومة التي غمر قلبي أني فقدت
إيمان، فما زلت أتحسس أنفاسها
وأداعبها وأحضنها لتنام بجواري،
فعيني لا تعرف النوم إلا إذا أمسكت
يدي بيدها، فأمسك سريرها؛ لعله يطفئ
جزءًا من نار الفراق التي ما زالت
مشتعلة بداخلي.
إيمان
هي وحيدتي.. والدها يعاني من إعاقة
بساقيه نتيجة إصابته برصاص جيش
الاحتلال الصهيوني، أثناء اشتباكات
مع قوات أفراد الأمن الوطني في مدينة
أريحا.
شكر
لـ"إسلام أون لاين.نت"
وتمنت
والدة الشهيدة أن لو استطاعت أن تزيل
التراب عن ابنتها لتقبل يدها
وتلمسها للمرة الأخيرة.
وشكرت
شبكة "إسلام أون لاين.نت"؛
لاهتمامها بفجيعتها، وفتحها الباب
أمام زوار الشبكة لمشاركتها في
مصيبتها، وإرسال برقيات تعزية
لأهلها، مؤكدة أنها ترجع إلى هذه
الرسائل كلما تدفق حنينها إلى
طفلتها إيمان؛ لتقوّي عزيمتها،
وتوقظها على حقيقة أن إيمان لم تذهب
سُدى، وإنما زلزلت صورتها مشاعر
وأحاسيس شعوبنا العربية
والإسلامية، وأن صورة إيمان سوف
تبقى ماثلة أمام أنظارهم، تشحذ
هممهم لنجدتها ونجدة الشعب
الفلسطيني، الذي ما زال يئن من جراحه.
|