|

"محاكمة
الرئيس".. مشهد نادر في العالم
الثالث
شعبان
عبد الرحمن- إسلام أون لاين.نت/ 22-5-2001
 |
|
إسترادا
معتقل لمحاكمته على الفساد |
تُمثِّل
محاكمة الرئيس الفليبيني المخلوع
"جوزيف إسترادا" والمساعي التي
تبذل حاليا سواء من جانب البرلمان أو
الأحزاب والقوى السياسية
الإندونيسية لاستجواب الرئيس "عبد
الرحمن وحيد" تمهيدًا لإقالته من
السلطة -حالة استثنائية في تداول
السلطة في دول العالم الثالث حيث
جحيم العنف والانقلابات العسكرية هو
الأسلوب الوحيد لتولي الحكم.
وتعكس
التطورات الحالية في إندونيسيا
والفليبين مدى النضج الديمقراطي
وقوة الرأي العام الذي يتحرك في ثورة
كاسحة للإطاحة بأي حاكم فاسد،
وليعلنوا أن عصر الدكتاتورية وحكم
العسكر قد ولّى ولن يعود، وأن قوة
الشعب والدستور والقانون هي معيار
بقاء أي حاكم واستمراره في السلطة.
وأيّا
كانت نتائج أزمة الرئاسة المتفاعلة
في كل من إندونيسيا والفليبين، فإن
الأمر برمته يمثل واحدة من "البوادر"
المشرقة، قلّ أن نجد مثيلا لها في
عالمنا الثالث.. فالمشهد الذي أمامنا
بصورته الدرامية هو مشهد عزل الرئيس
بطريقة جديدة على عالمنا، يسير وفق
القانون والدستور، أي بطريقة سلمية،
وهذا خلاف ما تعوّدنا عليه.
فالاقتراب
من كرسي الرئيس.. مجرد الاقتراب كان
يصاحبه عنف يختلط بدماء، وأحيانا
تتحول الدماء إلى برك تسقط فيها رؤوس
كثيرة، وتسقط البلاد في دوامات
تعيدها غالبا إلى نقطة الصفر.
والبلدان
اللذان أمامنا مثالان واضحان، فقد
سقطت إندونيسيا منذ استقلالها في
قبضة حكم الفرد أو الحزب الفرد، بدءا
من عهد سوكارنو، وانتهاء بسوهارتو،
وكذلك سقطت الفليبين في قبضة "فرديناند
ماركوس" الذي كان شبه حاكم أوحد.
وعانت
الدولتان من سجل أسود ومرير في
انتهاك حقوق الإنسان؛ ففي إندونيسيا
لم يترك سوهارتو كرسي الرئاسة عام 1998م
إلا بعد أن ضاق خناق الاحتجاجات
الشعبية العارمة حول عنقه، وغادر
القصر مرغما مُخّلفا وراءه ألف قتيل
من المتظاهرين، كما خلّف خزانة شبه
خاوية بعد أن نهب منها ما يقرب من 32
مليار دولار هو وأسرته وحاشيته، وهي
مليارات بعدد سنوات حكمه الإثنتين
والثلاثين ( 1966م – 1998م)!.
أما
ماركوس فلم يتخل أيضا عن كرسي
الرئاسة عام 1986م إلا تحت ضغط
المظاهرات العنيفة التي أجبرته على
الفرار إلى جزر هاواي مخلّفا وراءه
خزينة أحذية لزوجته إيميلدا، كانت
حديث العالم، كما ترك وراءه عشرات
الآلاف من القتلى، كان أبرزهم
المعارض الشهير" أكينو" زوج
الرئيسة "كورازون أكينو" التي
نصّبها الشعب رئيسة خلفا لماركوس؛
تكريما لزوجها.
وهكذا
تبدل الحكم في البلدين بطريقة
متشابهة كانت التضحية الشعبية فيها
هي المعلم البارز، وأصبحنا نشاهد
"الرئيس" هناك يُحاسب، ويُعزَل
بل ويُحاكم وفق آليات قانونية، وإن
كانت بقايا الفوضى والعنف من
المؤيدين "للرئيس" ما زالت
تحاول العرقلة.
لكن
بيت القصيد في الأمر هو أننا أمام
بلاد كانت قلاعا للدكتاتورية، وكان
الرئيس فيها من المقدسات التي يحرم
مسّها، وأصبحنا اليوم نشاهد الرئيس
يُحاسب ويُعزل ويُحاكم، دون انقلاب
عسكري، أو ثورة دموية؛ الأمر الذي ما
زال حلما في كثير من بلاد العالم
الثالث، وتلك بادرة جديرة بالتوقف
بل والتعلق بأهدابها لبعث الأمل في
النفوس التي امتلأت باليأس.
وحاليا
في إندونيسيا أكبر بلد إسلامي ( 210
ملايين نسمة) يواجه الرئيس عبد
الرحمن وحيد (61عاما) العزل من منصبه
بعد أن وجّه له البرلمان توبيخين في
تهمتين ماليتين، قيمتهما قرابة ستة
ملايين دولار، هما: تورط الرئيس في
عملية اختلاس 9.3 ملايين دولار لصالح
مدلّكه الشخصي، وإدلاء الرئيس
بشهادة زور فيما يتعلق بالهِبة
المقدمة من سلطان بروناي، وقيمتها
مليونا دولار إلى إقليم آتشيه
الإندونيسي.
وقد
جاء توبيخ البرلمان بعد أن أثبتت
لجنة تحقيق رسمية التهمتين على وحيد
في تقرير رفعته للبرلمان يوم 2/2/2001،
وسيكون يوم الثلاثين من مايو الجاري
موعدا لانعقاد مجلس الشعب الاستشاري
-أعلى هيئة تشريعية في البلاد-
لاستجواب الرئيس، وبحث التوصية
بالإقالة لتحل محله نائبته
ميجاواتي، وفقا للدستور الذي ينص
على أن نائب الرئيس هو وحده الذي
يمكنه أن يحل محل الرئيس إذا خرج من
السلطة قبل أن تنتهي ولايته، وحتى
موعد انعقاد مجلس الشعب تظل
الإجراءات القانونية تشق مسارها وسط
تهديدات وحيد وأنصاره.. وهكذا يكون
مصير أول رئيس إندونيسي منتخب
ديمقراطيا بعد ثمانية عشر شهرا من
انتخابه ( أكتوبر 1999م – مايو 2001م ).
أما
جوزيف إسترادا (63 عاما) القابع الآن
في السجن بعد أن عزلته المحكمة
العليا في 20/ 1/ 2001م وسط احتجاجات
شعبية عارمة، فإنه سيحاكم –وفق
متحدث باسم الرئيسة جلوريا- بتهمة
النهب الاقتصادي، وهي جريمة يعاقب
عليها القانون بالإعدام.
وقبل
قرار المحكمة كان مجلس النواب قد
وافق على استجوابه وتم تحويل القضية
إلى مجلس الشيوخ لتقديمه أمام محكمة
خاصة بمكافحة الفساد، بتهمتين:
أولهما: تلقي ملايين الدولارات
كمبالغ سرية من نوادي القمار عبر
شركات القمار غير المرخصة، والتي
شارك في ملكية إحداها، وتسبب في
التلاعب ببورصة مانيلا عام 1991م..
والثانية هي الحصول على رسوم ضريبية
على التبغ لحسابه الخاص.
وقد
اعترف حليف سابق لإسترادا في شهادته
بأنه سلّمه ما قيمته 8 ملايين دولار
كرشوة من نوادي قمار غير مرخصة، كما
شهد آخر بأنه حول لحساب إسترادا
ثلاثة ملايين دولار من أموال ضرائب
التبغ.. ويواجه إسترادا عقوبات مشددة
وفقا للقانون.
والملاحظ
في محاكمة الرئيسين أنهما يحاكمان
في قليل بالنسبة لأسلافهما؛ فالبون
شاسع بين فساد وحيد ونهب سوهارتو،
وبين فساد إسترادا وجبروت ماركوس،
لكن المحاكمة تسير في طريقها إلى
القصاص العادل؛ لأن الشعب هناك في
جاكرتا ومانيلا عرف طريقه الصحيح.
رحم
الله أبا بكر الصديّق عندما ناشد
الشعب في خطاب تولّي الحكم: "إن
أسأت فقوّموني".
|