|

قبيلة
النكبة في انتظار الجيوش العربية
القدس
- محمد الصالح - إسلام أون لاين.نت/
12-5-2001
 |
|
امرأة
فلسطينية ممن عاصروا النكبة |
"انتظرَ
أفراد القبيلة الجيوش العربية لكنها
لم تأتِ، فقد رفضوا لمدة شهر كامل
إنزال الأحمال عن الجمال التي كانت
تقلّ حوائجهم؛ لظنهم أن تدخل تلك
الجيوش سيؤدي لا محالة إلى هزيمة
الصهاينة وإرجاعهم إلى قبيلتهم داخل
الخط الأخضر، لكنهم لم يأتوا".
بهذه
المقولة تحدث الحاج "مسلم" عن
ذكريات النكبة وذكرى اغتصاب فلسطين
عام 1948، وهو يحكي كيف أن عصابات "الهاجاناة"
أخرجت قبيلته التي كانت تقطن في
صحراء النقب إلى الغرب من مدينة بئر
السبع، وأجبروهم على الخروج منها
وتركها.
وعلى
الرغم من مرور ثلاثة وخمسين عامًا
على النكبة فإن الحاج مسلم المريض
جدًّا يتأثر كثيرا كلما تذكر
الفاجعة التي حلّت به وعائلته وباقي
أفراد قبيلته، ويربط بين انتظار
الفلسطينيين للجيوش العربية عام 1948
وانتظارهم لها حتى الآن.
ويروي
الحاج مسلم لمراسل "إسلام أون
لاين.نت" من بيته الطريقة التي
أجبرته هو وأفراد قبيلته على ترك
قريته "الشويحي" البدوية
الواقعة إلى الغرب من مدينة بئر
السبع. فيذكر: عندما حلت النكبة كان
عمره خمسة عشر عامًا، وفي أحد أيام
شتاء العام 1948 كان يقوم برعي أغنام
عائلته في سفوح التلال الواقعة إلى
الشرق من القرية، وفجأة شاهد مجموعة
من جنود الهاجاناة الصهيونية قادمة
من ناحية الشرق، من مدينة بئر السبع.
ويضيف
أنه تيقن أنه لن ينجو منهم أحد، فقد
كان أفراد قبيلته يتداولون القصص عن
المجازر التي يرتكبها جنود
الهاجاناة ضد القرويين الفلسطينيين
من أجل إجبارهم على مغادرة أراضيهم،
والتوجه إما إلى الضفة الغربية
وقطاع غزة، حيث الحكم المصري
والأردني، أو إلى إحدى الدول
العربية المجاورة، لا سيما مصر
والأردن أو لبنان.
ويتابع
الحاج مسلم أنه حاول تجميع الأغنام
بسرعة والانتقال بها إلى القبيلة
لإخبار ذويه بالحادثة، وبالفعل سار
بالأغنام مسافة، واستغرب من عدم
لحاق جنود الهاجاناة به بسرعة، لكن
سرعان ما زال استغرابه، فبينما كان
يقطع أحد الوديان المؤدية إلى مضارب
القبيلة فإذا بجنود الهاجاناة
أمامه، ويقول هذا الشيخ: إنه رأى
جنود الهاجاناة قد حفروا حفرة في
الوادي وقد وضعوا فيها ثلاثة من
أفراد قبيلته كانوا يقومون بأعمال
الزارعة في المكان، وقد أخذوا
يصوّبون عليهم فوهات بنادقهم، وبعد
ذلك أطلقوا عليهم النار فأردوهم
قتلى في الحال.
ويتابع
الحاج مسلم القول: "إن الدماء قد
تجمدت في عروقه من هول ما رآه، وأخذ
يواصل المسير بأغنامه، لكن لم تنتهِ
لحظات الكرب عند هذا الحد، فقد لحق
به أحد جنود الهاجاناة، وقال له
بعربية مكسرة: إن عليه أن يخبر أفراد
القبيلة أن مصيرهم سيكون كمصير
هؤلاء الثلاثة إن باتوا الليلة في
أراضي القبيلة، وإن عليهم أن يتجهوا
غربًا إلى قطاع غزة الذي كان تحت
الإدارة المصرية أو إلى الخليل الذي
كان تحت الإدارة الأردنية.
ويضيف
أنه وصل مذهولاً إلى قبيلته، ثم سمع
صراخ وعويل النساء على فقدان
الثلاثة، وذهب عدد من أفراد القبيلة
لإحضار جثث القتلى ودفنها في مكان
قريب، وبعد ذلك لم يكن هناك أي تردد،
فقد أمر شيوخ القبيلة الجميع
بالاستعداد فورًا للمغادرة، فقد كان
مقتل أفراد القبيلة الثلاثة الشعرة
التي قصمت ظهر البعير، فأفراد
القبيلة كانت تصلهم كل يوم أخبار
القرى الفلسطينية التي تمت مهاجمتها
من قبل الهاجاناة وتم تقتيل أفرادها.
ويقول
الحاج مسلم: إنه لم يكن هناك مجال
للتفكير في المقاومة، فلا يوجد مجال
للمقارنة بين الأسلحة البيضاء التي
يملكها القرويون الفلسطينيون
والأسلحة النارية والآليات التي
يملكها رجال الهاجاناة شبه الرسمية،
إلى جانب رجال عصابات "إتسل" و"ليحي"
التي كان يتزعمها كل من مناحيم بيغن،
وإبراهام شطيرن، وإسحاق شامير والتي
كانت تزرع الموت في كل قرية فلسطينية.
وقد
قام رجال القبيلة بسرعة بجمع أثمن ما
يملكون بعد أن قرر معظمهم التوجه
غربًا إلى قطاع غزة، فيما قرر عدد
قليل منهم التوجه نحو الخليل، وعدد
أقل الانتقال إلى تجمعات سكانية
بدوية داخل الخط الأخضر كانوا يرون
أن مناطقهم أكثر أمنًا من المكان
الحالي، وقبيل المغرب قطعت القافلة
حدود قطاع غزة.
ويضيف
الحاج مسلم أن قبيلته انتظرت الجيوش
العربية ولكنها لم تأتِ وقد طال هذا
الانتظار كثيرًا.. وإذا بهذه القبيلة
التي كانت أقل عائلة منها تملك 500
دونم من الأراضي، تقنع بقطعة أرض لا
تتجاوز الدونم الواحد في مخيمات
اللاجئين في قطاع غزة.
وعلى
الرغم من كل ما حدث فإن الأمل لا يزال
يراود هذه الشيخ المريض، فيقول: "إنه
شخصيًّا لن يشهد اللحظة التي تستعاد
فيه الأرض المسلوبة، لكنه على يقين
أن هذه اللحظة آتية لا محالة".
|