|

مصر..
سجناء يحصلون على الماجستير
والدكتوراه
القاهرة
- محمد جمال عرفه - إسلام أون لاين.نت/
8-5-2001
رغم
أنه من المعتاد أن نسمع عن معتقل سعى
لدخول امتحان في الشهادة الإعدادية
أو الثانوية بهدف تعليم نفسه، فإن
مصر تكاد تنفرد بأنها الدولة التي
تشهد منذ أوائل التسعينيات ظاهرة
إقبال السجناء السياسيين
الإسلاميين على الدراسة من أجل
الحصول على شهادتي الماجستير
والدكتوراه، خصوصا أن العديد من
هؤلاء المسجونين هم من حملة
المؤهلات العليا.
لم
تعد مفاجأة لطلاب كليات جامعات مصر
أن يشاهدوا من حين لآخر أحد الأشخاص،
وهو يدخل إلى كلياتهم تحت الحراسة
المشددة، وبصحبة سيارات الحراسة
المدججة بالسلاح ليناقش رسالة
الماجستير أو الدكتوراه، بعدما
أصبحت هذه الظاهرة شبه مألوفة في
الجامعات المصرية في السنوات
الأخيرة بسبب اتجاه عدد كبير يقدر
بالعشرات من قيادات وأعضاء جماعات
الإخوان والجهاد والجماعة
الإسلامية؛ لتطوير وتعميق دراستهم،
والاتجاه إلى الدراسات العليا (الماجستير
والدكتوراه)، وموافقة وزير الداخلية
على السماح للمسجون بمناقشة رسالته.
آخر
هؤلاء السجناء السياسيين المصريين
هو السجين الدكتور "سعد زغلول
العشماوي" أحد المسجونين من أعضاء
جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث حصل
على درجة الدكتوراه في الطب في مجال
الجراحة العامة، بعد مناقشة رسالته
من قبل لجنة علمية داخل جدران السجن
في الثالث من أيار (مايو) الجاري.
وزغلول
هو الأمين العام لنقابة أطباء
القاهرة السابق، وقد أدين أمام
محكمة عسكرية مصرية العام الماضي
(2000) ضمن 20 من النقابيين الإخوان
بتهمة إحياء تنظيم جماعة الإخوان
المسلمين التي يحظر القانون المصري
نشاطها، وقضت المحكمة بحبسه خمس
سنوات. وقد حضر المناقشة عدد من
زملاء السجين الدكتور زغلول وأقاربه.
وقد
سبق زغلول عدد كبير يقدر بالعشرات من
السجناء السياسيين في الحصول على
درجتي الماجستير أو الدكتوراه،
بعضهم بين جدران السجون، وآخرون
سُمح لهم بالخروج لمناقشة رسائلهم،
وأحد هؤلاء كان الباحث السياسي "كمال
السعيد حبيب" الذي قضى عقوبة
الحبس عشر سنوات لاتهامه في قضية
اغتيال الرئيس أنور السادات، حصل
خلالها على درجة الماجستير في
العلوم السياسية أثناء حبسه.
دكتوراه
عن السلطة
وكان
من أكبر المفاجآت في هذا الصدد لطلاب
الجامعات المصرية مشاهدتهم لطالب
الدكتوراه "طارق الزمر" -شقيق
ضابط المخابرات الأسبق "عبود
الزمر" أحد قادة تنظيم الجهاد،
وأحد المتهمين الرئيسين في قضية
اغتيال الرئيس المصري السابق محمد
أنور السادات، والمحكوم عليه مع
أخيه بالمؤبد- وهو يخطو في مايو 1999
وسط حراسة غير عادية إلى كلية الحقوق
بجامعة القاهرة؛ ليناقش خطة البحث
الذي قدمه لمشروع الدكتوراه في
القانون، تحت إشراف الدكتور "عاطف
البنا" أستاذ القانون الدستوري
بجامعة القاهرة.. إذ إن هذه هي المرة
الأولى على مدار قرابة 18 عاما – حصل
خلالها طارق الزمر على الماجستير –
التي يرى فيها الطلبة طارق شقيق عبود
الزمر وهو يدلف إلى جامعتهم ليدخل في
مناقشة مع ثلاثة من كبار أساتذة
القانون في مصر، دامت حوالي الساعة،
حول موضوع رسالته، وهم: الدكتور "يحيى
الجمل" والدكتور "أنور رسلان"
والدكتور "عاطف البنا".
أما
موضوع الرسالة ؛ فيدور حول "ممارسة
السلطة في الأنظمة الحاكمة المختلفة:
ليبرالية وشمولية وإسلامية"، وقد
حاز على موافقة لجنة المناقشة، وبقي
أمام طارق قرابة أربع سنوات لإنهاء
رسالته ومناقشتها، مضى منها حوالي
عام ونصف.
أما
الطريف فهو أن وزارة الداخلية
المصرية وافقت على طلب طارق
للانتقال للجامعة بعدما رفضت مصلحة
السجون في البداية.
ويروي
الدكتور عاطف البنا قصة تسجيل هذه
الرسالة مشيرا إلى أن كلية الحقوق
تحفظت في بداية الأمر على تسجيل هذا
الطالب لنيل الماجستير، إلا أنه "حصل
على حكم من محكمة القضاء الإداري
المصرية بأحقيته في التسجيل ووافقت
الكلية، وكنت من جهتي قد أبديت
استعدادي للإشراف على الرسالة".
أما
مسألة مناقشة خطة البحث التي تقدم
بها الطالب داخل السجن، فتتلخص في أن
نظام الكلية يفرض حضور الطالب
لمقابلة لجنة تناقشه في مشروع بحثه
المقدم للماجستير، وقد رفضت مصلحة
السجون حضوره إلى الكلية، بيد أن
وزير الداخلية حسم الأمر ووافق على
الحضور.
أدب
الأطفال
وكانت
هذه الظاهرة قد لفتت الأنظار، ليس
فقط بسبب الكمّ الكبير من المتقدمين
من أعضاء وقادة الجماعات الإسلامية
المصرية، وبعض الناصريين لنيل
الماجستير والدكتوراه، ولكن أيضا
لأن غالبية المسجلين للدراسات
العليا اختاروا موضوعات غير فقهية..
على غير المتوقع.
فقد
اختار "محمد طارق إبراهيم"
المسجون أيضا على ذمة قضية اغتيال
الرئيس السادات، ويقضي حكما بالسجن
20 عاما -موضوع "أدب الأطفال"
ليكون محتوى رسالته للدكتوراه،
بعدما حصل على الماجستير في نفس
التخصص في (يناير) الماضي. واختار "حسن
الغرباوي" المسجون منذ عام 1988-
القانون ليحصل على درجة الدكتوراه
فيه.. أما "عاصم عبد الماجد"؛
فقد حصل على الماجستير في الهندسة من
جامعة أسيوط، وتقدم للحصول على
الدكتوراه .
وقد
تمكن عدد كبير من السجناء السياسيين
المصريين؛ سواء من المنتمين لجماعة
الإخوان المسلمين أو الجهاد أو
الجماعة الإسلامية أو السجناء
الناصريين من الحصول على مؤهلات
جامعية إضافية أثناء فترة حبسهم،
ومنهم الدكتور "عصام العريان" ،
الأمين العام المساعد لنقابة
الأطباء الذي حصل على ليسانس أصول
الدين من جامعة الأزهر، وكذلك
ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة
أثناء فترة حبسه لمدة خمس سنوات .
ويقول
الدكتور عاطف البنا معلقا على هذه
الظاهرة: إن هناك شقين قانوني وسياسي:
بالنسبة
للشق القانوني: فهذا حق مشروع
للمسجون؛ لأن التعليم والدراسة حق
لكل مواطن، وليس هناك قاعدة قانونية
تمنعه من ذلك، حتى ولو صدر بحقه حكم
بالإعدام، فهذا لا يتعارض مع كونه
ارتكب عملا ما غير قانوني.
أما
من ناحية الشق السياسي العام؛ فهذه
ظاهرة طيبة – كما يقول الدكتور
البنا – لأن من ارتكب جريمة سيخرج
للحياة بعد قضاء المدة، وتحصينه
بالعلم يجعل له مشاغل مفيدة، خاصة من
هم متهمون في قضايا سياسية؛ إذ إن
القراءة ستجعل هذا الشخص يشعر في
النهاية أن الأمور نسبية.
ومن
جهته، يشرح "منتصر الزيات"
المحامي الشهير الذي تولى الدفاع عن
غالبية المتهمين في قضايا الجماعات
الإسلامية -أسباب لجوء هؤلاء
المسجونين إلى الدراسات العليا؛
قائلا: "إن أحد أسباب لجوء الكثير
منهم إلى دراسة العلوم غير الفقهية،
يعود لرفض إدارة السجون، وبالتالي
يلجئون إلى الدراسات العلمية،
مذكّراً بأن الكثير منهم رفع قضايا
ضد وزارة الداخلية المصرية كي يتمكن
من استكمال دراساته العليا، بل إن
البعض مثل عاصم عبد الماجد طلب في
إحدى الدعاوى السماح له بدخول معامل
كلية الهندسة لاستكمال دراسته.
يذكر
أن قانون تنظيم السجون المصرية رقم
396 يسمح باستكمال الطلبة لدراساتهم
في مختلف المراحل داخل السجون،
وتعقد من حين لآخر جلسات امتحان
للمواد الدراسية المختلفة، بيد أن
طلبة الجامعات يُسمح لهم بالانتقال
للجان الامتحان في حراسة مكثفة، وفي
بعض الأحوال لا يسمح لهم؛ مما يؤدي
بهم للتقدم بطلبات إجازة من
الامتحان، أو رفع الأمر للقضاء
المصري.
|