|

شركات
الدواء تخسر معركة لتكسب حربًا!
د.
حسام عرفة- إسلام أون لاين.نت/ 22-4-2001
في
تطور مفاجئ ، قامت مجموعة شركات
الدواء العملاقة وعددها يصل إلى 39
شركة بالتنازل، دون قيد أو شرط، عن
القضية الشهيرة ضد حكومة جنوب
أفريقيا، والمتعلقة بحق الملكية
الفردية للأدوية التي تنتجها هذه
الشركات.
وأثار
تنازل الشركات جدلا باعتبار أن هذه
القضية التي شغلت الرأي العام
العالمي لأسابيع مضت، كانت تمثل
اختبارا حقيقًيا للصراع الدائر في
عالم اليوم بين عمالقة صناعة الدواء
وشعوب دول العالم الثالث.
وقد
أعلنت حكومة جنوب أفريقيا أن تنازل
شركات الدواء عن هذه القضية لا يعني
أن هناك اتفاقيات وقّعت في الخفاء
بينها، وخاصة أن جنوب أفريقيا كانت
الدولة الوحيدة التي لم تعقد أي
اتفاقيات، مثل العديد من دول القارة
السمراء، للحصول على أدوية مخفضة من
شركات الدواء العالمية.
ومن
المتوقع أن يتم التنسيق بين حكومة
جنوب أفريقيا واتحاد شركات الدواء
بالبلاد (PMA) قبل تنفيذ بنود هذا
القانون، وليس من المعروف حتى الآن
متى تشرع حكومة جنوب أفريقيا في
استيراد أدوية علاج الإيدز المخفضة
، خاصة أن هناك ما يقرب من 4.7 ملايين
مصاب بالإيدز في جنوب أفريقيا، حتى
19-4-2001 .
وفي
مقابلة مع مجلة NEW SCIENTIST الأمريكية،
أعلن "ميرنيا ديب" رئيس اتحاد
شركات الدواء بجنوب أفريقيا (PMA) أن
تنازل شركات الدواء العالمية عن
القضية يعني أنها سوف تتعايش مع هذا
القانون.
ولكن
الذي لا يعلمه المستر ديب، أو يحاول
أن يتجاهله أن شركات الدواء
العالمية تسعى لشيء واحد وهو الربح
المادي فقط، دون أي اعتبار لفقراء
دون العالم الثالث، وأن تنازلها عن
هذه القضية أو سحبها لا يعني بأي حال
من الأحوال تنازلها عن حقوق الملكية
الفكرية للأدوية التي تنتجها، وأن
قيام بعض هذه الشركات بتوقيع
اتفاقيات مع بلدان أفريقيا لتوريد
أدوية رئيسية بسعر مخفض وخاصة أدوية
الإيدز، هو في الواقع نوع من تجميل
صورتها أمام دول وشعوب العالم
الثالث.
وفي
إطار الصراع الدائر بين شركات
الدواء العالمية، وهذه الشركات
المحلية قامت الأولى بعقد اتفاقيات،
تقدم بموجبها بتوريد الأدوية بأسعار
مخفضة تقل كثيرًا عن أسعارها
الحقيقية في السوق العالمية، وهي
تهدف من وراء ذلك أن تستقطب السوق
العالمية وتحتكرها وخاصة في مواجهة
الأسعار المتدنية لأدوية الفقراء
المسماة بالـGENERICS.
من
ناحية أخرى فإن هذه الشركات
العملاقة تنتظر بفارع الصبر، تطبيق
بنود اتفاقية تحرير التجارة
العالمية "الجات" مع مطلع عام
2005، وهي الاتفاقية التي سوف تضع حدًا
لهذا الصراع الدائر في مجال صناعة
الدواء والتي تأتي في المرتبة
الثانية بعد السلاح وقبل صناعة
الغذاء؛ حيث تؤكد بنود اتفاقية
الجات على حماية حقوق الملكية
الفكرية، مما يسمح باحتكار الشركة
المنتجة لأحد العقاقير الطبية لمدة
لا تقل عن 20 عامًا، لا يحق لأحد أن
يقوم بإنتاج هذا الدواء دون الحصول
على ترخيص من هذه الشركة وبالشروط
التي تحددها، مما سوف يقضي على أدوية
الفقراء تمامًا ويتيح للبديل
الأجنبي أن يحتكر السوق بالأسعار
التي تحددها الشركة المنتجة.
ويعلق
خبراء دواء على هذا التطور الأخير
بالقول: إن شركات الدواء العملاقة
تضع نصب عينها أن تكسب الحرب في
النهاية، حتى ولو استدعى الأمر أن
تخسر بعض المعارك!.
وكانت
خيوط هذه القضية قد بدأت تتشعب منذ
عام 1996 حين أعلن اتحاد شركات الأدوية
الجنوب الأفريقي (PMA) عن تقديم مشروع
قانون يسمح لجنوب أفريقيا أن تستورد
ما تشاء من أدوية رخيصة وخاصة تلك
المسماة بالـGERERI أي أدوية مماثلة
لتلك التي تنتجها شركات الدواء
العالمية ولكن أرخص بكثير منها،
والدافع من وراء مثل هذا القانون هو
الصعوبة البالغة في الحصول على
تراخيص تصنيع وتسويق الأدوية
العالمية لما تفرضه الشركات المنتجة
من شروط مجحفة بحجة حماية الملكية
الفكرية.
بالإضافة
لذلك كان هناك دافع آخر يعد في
الواقع هو الدافع الرئيسي لمثل هذا
القانون وهو الرغبة الملحّة
والطارئة في الحصول على أدوية علاج
الإيدز المنتشر في ربوع البلاد وذلك
بأسعار مخفضة.. ونتيجة لهذا قامت
شركات الدواء العملاقة بمحاولة صرف
حكومة جنوب أفريقيا عن اعتماد هذا
القانون، ولكن باءت كل المحاولات
بالفشل؛ مما دفع هذه الشركات لأن
تتكتل معًا مؤخرًا وترفع قضيتها
الشهيرة ضد حكومة جنوب أفريقيا.
ومنذ
قيام هذه الشركات برفع هذه القضية،
وهي تجابَه في كافة المحافل الدولية
بالتنديد والاستنكار، خاصة وقد
أصبحت القضية قضية رأي عام عالمي
تحمل بين طياتها الصراع الدائر بين
عمالقة إنتاج الدواء وفقراء العالم
الثالث الذين لا يجدون الدواء، كما
يقول رئيس حكومة جنوب أفريقيا
السابق "نيلسون مانديلا".
وكدليل
على هذه الضغوط، قامت منظمة أطباء
بلا حدود بجمع توقيع ما يقرب من 250
ألف شخص يستهجن قيام هذه الشركات
برفع مثل هذه القضايا والتي تبحث من
ورائها عن تحقيق أرباح طائلة دون
النظر إلى المرض في هذه الدول
الفقيرة.
|