مثلما
اضطر اليمنيون – قبل سنوات بعيدة -
أن يخرجوا من بلادهم إلى البلاد
الأفريقية المجاورة هروبًا من
الحالة السيئة التي كانت عليها
اليمن؛ فهاهم –الآن- يستقبلون موجات
متتابعة من سكان تلك البلاد التي
عاشوا فيها؛ أجبرتهم أحوال بلدانهم
السيئة على الهروب، واللجوء إلى
أقرب منطقة آمنة..
وبالنسبة
لدول القرن الأفريقي التي يفصلها عن
اليمن مساحة غير كبيرة من المياه –
فقد تدفق عدد كبير من الهاربين – من
الصومال وأثيوبيا وإريتريا - إلى
السواحل اليمنية، وشكّلوا تجمعات
كبيرة للاجئين في أثناء اشتداد
الحرب الأهلية في الصومال في بداية
التسعينيات، ثم نتيجة الحرب
الأثيوبية الإريترية.
ولا
تخطئ العين ملاحظة وجود أفراد
عديدين من أبناء الشعبين الصومالي
والأثيوبي في شوارع المدن اليمنية
الرئيسية.. فهم يعملون في أعمال
الحفر والأشغال العامة، وخدمة غسيل
السيارات وتنظيفها.. وذلك بعد حصولهم
على (تصاريح) رسمية؛ حيث تم
استيعابهم في اليمن.. وهناك آخرون ما
زالوا يعيشون في المخيمات قريبًا من
السواحل اليمينية؛ حيث تُوفِّر لهم
الحكومة بعض مظاهر الرعاية، كما
تقدم المفوضية السامية للاجئين (التابعة
للأمم المتحدة) مساعدات غذائية..
بالإضافة إلى نشاط غير رسمي تقوم به
جمعيات أجنبية، وجمعية يمنية واحدة
هي جمعية الإصلاح الاجتماعي
الخيِّرة.
جثث
على الشواطئ
مأساة
اللاجئين لا تنتهي بنجاحهم في
الهروب من مناطق الحرب الأهلية في
بلدانهم.. فقد عرف البحر العربي
والبحر الأحمر مشاهد مأساوية راح
ضحيتها العديد من اللاجئين
الصوماليين الذين حملتهم سفن قراصنة
– كانت تعمل بين الشاطئ الصومالي
والشاطئ اليمني- بحجة تهريبهم إلى
الشواطئ العربية مثل السعودية أو
اليمن؛ لكنَّ حوادث كثيرة كانت تقع
عندما يجبر القراصنة اللاجئين
الصوماليين على مغادرة السفن وهي في
المياه الدولية – بعيدًا عن الشاطئ
– خوفًا من دوريات الشرطة، ولكي لا
ينكشف أمر القراصنة؛ فيُضْطَرُّ
اللاجئون إلى محاولة إكمال طريق
الهروب بالسباحة حتى يصلوا إلى
الشاطئ.. وتكون النتيجة أن سواحل
اليمن استقبلت (جثثًا) كثيرة لرجال
ونساء وأطفال ماتوا غرقًا، وقذفت
بهم الأمواج إلى الشاطئ.. ولا أحد
يعرف – تمامًا- هل كان هناك ناجون
اختفوا بعد وصولهم إلى الشاطئ، ثم
تسللوا إلى اليمن للبحث عن عمل ومأوى
بعيدًا عن مخيمات اللاجئين؟!
وفي
جانب آخر من الصورة المأساوية؛ تعرض
اللاجئون في معسكرهم بـ (أبين)
لنيران الحرب الأهلية التي انفجرت
عام 1994م بين المؤيدين للوحدة
والمؤيدين للانفصال..
ولجأ
كثير من (اللاجئين)- حينها- إلى
الجبال هروبًا من قصف الطائرات
والبوارج الحربية!.. وحتى في أوقات
السلم لم يسلم اللاجئون من محاولات
حزبية لاستغلالهم في الانتخابات عن
طريق استخراج (بطاقات انتخابية
مزورة) لهم ليشاركوا في ترجيح كفة
حزب على آخر!
التنصير
يستهدفهم
وكالعادة؛
في مثل هذه التجمعات الكبيرة
للاجئين؛ تنشط أعمال (التنصير)..
ويتنافس منصرون- جاءوا إلى اليمن تحت
ستار الأعمال الخيرية- للتأثير على
اللاجئين واستغلال حاجتهم للعون
والعمل والاستقرار.. وفي آخر عملية
تنصير ناجحة شهدتها (عدن) في العام
الماضي، ارتد صومالي يُدعَى (حاجي
محمد) عن الإسلام على يد مُنصِّر
يعمل في كنيسة تعمل في (عدن).. لكن تم
تقديمه للقضاء بتهمة الارتداد عن
الإسلام.. وكادت أزمة تندلع بعد
احتجاجات أوروبية وأمريكية،
وتَدَخُّل دبلوماسيين أجانب.. لولا
أن تم تهريب اللاجئ الصومالي –
بطريقة ما وباتفاق ثنائي- من اليمن،
وتم إرساله إلى (نيوزيلندا)، ومنحه
إقامة وربما جنسية!.. وفيما بعد زعمت
تقارير غربية أن اللاجئ الصومال لم
يكن مسلمًا في الأصل.. وأنه اضطر
لادّعاء الإسلام ليتمكن من الحصول
على فرص مناسبة للحياة كما تزوج
صومالية مسلمة، وأطلق على نفسه
اسمًا إسلاميًّا!
الصوماليون..
العدد الأكبر
ويشكل
اللاجئون الصوماليون الجزء الأكبر
من عدد اللاجئين -من القرن الأفريقي-
في اليمن.. ووفق الإحصاءات الرسمية
فهناك سبعون ألف لاجئ مسجل رسميًّا..
لكن الأعداد الحقيقية أكبر من ذلك
بكثير وفق تقديرات وزارة الخارجية
اليمنية.. وتسرب كثيرون منهم خارج
المخيمات، وبعضهم حصلوا على إقامات
شرعية؛ فيما بدأت أعداد منهم تعود
إلى (الصومال) بعد التطورات
الإيجابية التي حدثت مؤخرًا هناك..
لكن
عدد اللاجئين الصوماليين الذين ما
زالوا في المخيمات يتراوح ما بين (7-8)
آلاف، وهم موجدون بالقرب من عدن،
والمخيم هناك عبارة عن مجموعة من (الهناجر)
بُنِيَت في الثمانينيات لحفظ
الخضراوات، والمنطقة جبلية باردة لا
تناسب الصوماليين الذين جاءوا من
بيئة حارة! ويُمنَح كل لاجئ في معسكر
(الحجين) شهريًّا مواد غذائية مثل:
الدقيق، والزيت، والسكر، والعدس..
وفي المجال الصحي تُوجَد عيادة صحية
تتعاون على تقديم الخدمات الصحية
الأولية فيها جمعيةُ الإصلاح
الاجتماعي الخيرية مع المفوضية
السامية للاجئين..
لكن
ينبغي عند الحالات الصعبة إسعاف
المرضى من اللاجئين بتوصيلهم إلى (عدن)
تحملهم سيارة إسعاف واحدة مرات
محدودة في الشهر الواحد.. أما (التعليم)
فحاله أفضل من الصحة؛ فهناك مدرستان
ابتدائيتان تدير إحداهما منظمة
سويدية، والأخرى تديرها جمعية
الإصلاح الاجتماعي بإسهام من جمعية
خيرية إماراتية، وتضم هذه المدرسة
(616) طالبًا و(20) معلمًا من الصوماليين
أنفسهم.. كما تدير جمعية الإصلاح
مدرسة لمحو الأمية خاصة باللاجئات
الصوماليات الكبيرات، (84) دارسة في
مرحلتين دراسيتين.
وتُعَدُّ
جمعية الإصلاح الخيرية هي الوحيدة
بين مثيلاتها اليمنيات ذات الصلة
المباشرة باللاجئين منذ عام 1992م..
رغم الصعوبات التي كانت تعترض
نشاطها في فترة ما قبل سقوط الهيمنة
الاشتراكية على المناطق الجنوبية؛
حيث كان الاشتراكيون يعتبرون
الجمعية موالية لحزب الإصلاح
الإسلامي، وكانوا في حالة توتر
سياسي معه.. لكن بعد زوال الهيمنة
الاشتراكية نشطت الجمعية بقوة،
وقدمت مساعدات عينية متنوعة للاجئين
مثل: المواد الغذائية، والخيام،
والبطاطين، والملابس، والأدوية،
وحليب الأطفال.. وعندما تعرض مخيم
اللاجئين في (جحين) لحريق قضى على
مساكن (160) أسرة؛ قدمت جمعية الإصلاح
مواد غذائية، وملابس، وبطانيات لعدد
(320) أسرة..
كان
من أهم المصاعب التي يواجهها
اللاجئون عدم وجود مكان مناسب يصلح
للعيش.. ويبدو أن مفوضية اللاجئين قد
قررت - بالاتفاق مع السلطات اليمنية -
تجميع اللاجئين في منطقة (حزز)
القريبة من باب المندب – جنوب البحر
الأحمر - لكن اللاجئين يتخوفون من
عدم ملاءمة المكان للحياة المعقولة
المناسبة للعجزة والنساء والأطفال؛
وخاصة أن المنطقة خالية من العمران،
وبعيدة عن المدن والتجمعات البشرية..
لكنَّ
البرنامج الحقيقي هو تنظيم اللاجئين
وتشجيعهم على العودة إلى بلادهم؛
حيث تم بالفعل إعادة أعداد منهم –
لكن من الواضح أنها ليست عودة
جماعية، ولا يتوافر لها الحماس
المطلوب من قِبَل اللاجئين الذين
قطعوا مسافات من الهول والفزع أثناء
هروبهم من الصومال إلى اليمن.. وربما
لا يوجد ما يشجعهم على العودة؛ فحتى
ظروف اللجوء الصعبة ربما تكون أفضل
من العودة إلى الصومال الذي ما يزال
يعيش تحت سيف الفتنة والحرب
والاقتتال بين الفصائل السياسية
المسلحة المتنافسة.