|

المصريون لا يشمون "الفسيخ" في "شم النسيم"!
القاهرة-
محمد جمال عرفة- قدس برس- إسلام أون
لاين.نت/14-4-2001
يحتفل
المصريون الإثنين 16 أبريل الجاري
بعيد "شم النسيم" أو "الربيع"،
الذي يعتبر إجازة رسمية، تتعطل فيها
الأعمال، ويخرج غالبية المصريين إلى
الحدائق، ونهر النيل، ويتناولون
الأطعمة الخاصة، التي ترتبط بهذا
العيد، مثل البيض الملون والفسيخ (سمك
مملح مخزون)، والرنجة (هارنج مدخن)،
والخضراوات، مثل الخس والملانة.
ومع
انطلاق هذا العيد، الذي يأتي غالبا
في اليوم التالي لعيد القيامة
لأقباط مصر، تنطلق صفارات الإنذار
في وزارة الصحة المصرية، وأجهزة
الرقابة التموينية، والإنقاذ
النهري، استعدادا لحالات التسمم،
التي تنتج عن أكل السمك المملح (الفسيخ)،
والتي لا يخلو منها عيد، ولحالات
الغرق، التي تحدث في نهر النيل من
جانب الشباب، الذين يتسابقون في
مياهه، أو يزدحمون في مركب صغير قد
لا يتحمل ثقلهم ويهوي بهم في قاعه.
ومع
أن وزارة الصحة تصدر في كل عام (فرماناً)
لتحذير المصريين من أكل الفسيخ،
معددة ما به من ميكروبات تؤدي
للتسمم، أو تنصح بأكل ما لا يزيد عن
200 جرام فقط، وترشدهم إلى طرق
الوقاية السريعة في حالات التسمم،
فقد أتبعت الوزارة (فرمانها)
التقليدي هذا العام بإجراءات أشد
صرامة، خصوصا في محافظتي الشرقية
والبحيرة شمال مصر، وهي محافظات
ساحلية مشهورة بإنتاج الأسماك
وتمليحها وتخزينها، بعدما ظهرت
حالتا تسمم مبكرتان، وكشف تحليل
عينات الأسماك أنها مصابة بميكروب
يسبب التسمم.
فقد
وافقت الوزارة على قرار اتخذه محافظ
الشرقية بإغلاق كل محلات ومصانع بيع
وانتاج الفسيخ، وكذلك مثيلاتها في
محافظة البحيرة. وشددت الرقابة
الصحية والتموينية رقابتها على
الأسواق في بقية المدن المصرية. وتمت
مصادرة أسماك أخرى مثل الرنجة الأقل
خطرا من الفسيخ، بسبب كشف كميات
فاسدة منها.
وأدت
هذه القرارات الصحية العنيفة لحرمان
أهالي المحافظتين من الفسيخ هذا
العام، كما أدت التحذيرات المشددة
بشأن ظهور الميكروبات السمية في
الفسيخ لإعراض الكثير من المصريين
عاما بعد عام عن تلك الأكلة
التقليدية، واستبدالها بالرنجة، أو
الأسماك الطازجة، حتى انتشرت نكتة
في الشارع المصري تقول: إن "المصريين
لن يشموا الفسيخ هذا العام"، إذ
أدت عادة أكل الفسيخ وانتشار رائحته
النفاذة في هذا اليوم في العديد من
المنازل المصرية إلى استبدال عبارة
"شم النسيم" بعبارة "شم
الفسيخ" كنوع من السخرية من
المناسبة.
ولا
أحد يعرف بالضبط متى بدأ الاحتفال
بهذا العيد الغريب، الذي يواكب دخول
فصل الربيع، وتفتح الورود، بيد أن
مؤرخين مصريين وأساتذة تاريخ يقولون:
إن تاريخه يرجع إلى قدماء المصريين،
منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، وإن
جذوره فرعونية، وإنه امتد عبر
العصور، ولكن أضيفت له طقوس
ومعتقدات جديدة، مع كل حقبة زمنية،
حتى انتهى الأمر به الآن ليصبح عيد
الفسيخ.
والطريف
أن مولد النبي محمد عليه الصلاة
والسلام مرتبط أيضا في مصر بنوع من
الحلوى، تعرف بحلوى المولد (عروسان
من الحلوى أو الحلويات الشامية
الأخرى)، كما أن ذكرى عاشوراء، التي
نجّى الله فيها موسى عليه السلام من
فرعون ويصوم المسلمون فيها يومي
التاسع والعاشر من المحرم (تاسوعاء
وعاشوراء)، ترتبط بدورها بأكلة "العاشورة"،
وهي قمح البليلة، الذي يُطبخ مع
الحليب والنشا ويزين بالمكسرات.
أصل
عيد الربيع فرعوني
ويقول
أستاذة التاريخ المصريين: إن هذا
العيد أصله فرعوني، عرفه الناس منذ
الدولة المصرية القديمة، وظلوا
يحتفلون به بنفس الطقوس، رغم تعاقب
العصور والسلطات المختلفة، التي
حكمت مصر، ورغم تغير الديانات من
الوثنية إلى المسيحية إلى الإسلام.
ويضيفون
أن طقوس المصريين تشابهت إلى حد ما
من حيث الخروج إلى الحدائق العامة،
وشاطئ النيل، وتبادل الورود، وتناول
الأسماك، بيد أن ما تغير هو بعض
العادات، التي اقترن بعضها
بالديانة، التي كانت سائدة في مصر،
مثل تلوين البيض، وأكل الفسيخ، وكان
البعض في أزمنة سابقة يلقون -جريا
على عادة فرعونية قديمة– بالبصل
الذي وضعوه تحت رؤوسهم طوال الليل في
النيل، إذ يعتقدون أن ذلك يزيل الكسل
عنهم طيلة العام.
وفي
البرديات القديمة يروى أن زوجا كان
يهدي زوجته زهرة من اللوتس، وكان
العلماء يطلقون على هذا اليوم اسم
عيد الربيع، وكان موعد احتفالهم به
يوم 27 برمودة من كل عام قبطي، ففيه
مات ما يسمى (الإله "ست")
الفرعوني، إله الشر، وانتصر بذلك
إله الخير عليه.
وذكرت
وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية
في تقرير نشرته صحف مصرية عن هذا
العيد أن أعياد قدماء المصريين
ترتبط دائما بالظواهر الفلكية،
وعلاقتها بالطبيعة، ومظاهر الحياة،
التي يعيشونها، وأيضا بالحياة
الأبدية بعد الموت.
وقد
حدد موعد الاحتفال بعيد الربيع
باليوم الذي يتساوى فيه الليل
والنهار؛ إذ كان عيد الربيع في
التقويم الفرعوني القديم يقع في
الاعتدال الربيعي، أي عندما تعبر
الشمس خط الاستواء.
وكانت
مظاهر الاحتفال، كما وردت في أكثر من
بردية من برديات العقيدة الفرعونية،
تبدأ بليلة الرؤية عند سفح الهرم
الأكبر، حيث يجتمع الناس في الساعة
السادسة مساء، في احتفال رسمي، أمام
الواجهة الشمالية للهرم، حيث يظهر
قرص الشمس قبل الغروب خلال دقائق
معدودة، وكأنه يجلس فوق قمة الهرم،
وتظهر معجزة الرؤية عندما يشطر ضوء
الشمس واجهة الهرم الأكبر إلى
شطرين، إيذانا بموعد عيد الخلق،
وبداية العام الجديد، ثم يصعد إله
الشمس إلى سفينة لتكمل مسيرتها نحو
الغروب، فيصطبغ الأفق باللون
الأحمر، رمزا لدماء الحياة، التي
يبثها الإله إلى الأرض، ليبعث
الحياة في كائناتها ومخلوقاتها من
جديد!.
وهذه
الظاهرة الفلكية لفتت انتباه العالم
البريطاني "ركتور" والعالم
الفرنسي "أندريه بوشان"، إذ قام
الأول عام 1930 بالتقاط عدة صور خلال
عشرين دقيقة ابتداء من الساعة
السادسة مساء، يوم 21 آذار (مارس)،
وذلك بالتحليق بإحدى الطائرات فوق
قمة الهرم، وظهر ضوء الشمس وكأنه
يشطر واجهة الهرم إلى شطرين. أما
محاولة "بوشان" فتمت عام 1934
باستعمال الأشعة فوق الحمراء، وهذا
جعل علماء الفلك يؤكدون أن مختلف
علوم المعرفة عند الفراعنة كانت
ترتكز على علم الفلك وأسراره.
حرق
الإنجليز المحتلين
وبينما
غالبية المصريين يحتفلون في هذا
اليوم بالخروج للحدائق وأكل
الأسماك، يقوم أهالي مدن قناة
السويس الثلاثة بور سعيد والسويس
والإسماعيلية بحرق دمى تمثل رموز
قادة الاحتلال الإنجليزي لمصر منذ
1882 وحتى 1956، وأبرز هذه الدمى دمية
الجنرال "اللنبي" الحاكم
العسكري البريطاني السابق لمصر.
ورغم
أن هذه الحرائق تسبِّب الكثير من
المتاعب الصحية، وتمثّل مشكلة لقوات
الإطفاء والأمن، ورغم التحذيرات
منها، إلا أن أهالي مدن القناة
يصرّون على إشعال الحرائق كل عام
لحرق هذه الدمى، وهم يرمزون بها
للاحتلال البريطاني، ولإدارة
القناة الأجنبية، التي مثلها "ديلسبس"
وينفسون عن أنفسهم ظلم السنين، التي
عاشوها في ظل الاحتلال.
|