|

"تهلكة.كوم" يفضح حكومة الهند
دهلي
الجديدة- د. ظفر الإسلام خان- إسلام
أون لاين.نت/ 22-3-2001
توقفت
الحياة السياسية في الهند منذ
أسبوع، ولم يعقد البرلمان أي جلسات،
فيما طالبت الأحزاب المعارضة بضرورة
استقالة حكومة الائتلاف الحزبي
الحاكم بسبب فضائح العمولات
والرشاوى المدفوعة في صفقات السلاح
إلى كشف النقاب عنها 14 مارس الحالي،
في صورة تسجيلات فيديو أذاعها موقع
خبري هندي على الإنترنت يسمى "تهلكة"
www.tehelka.com
التسجيلات
التي تم إفشاؤها تتضمن تحقيقات
استمرت 7 أشهر، أجراها محررو الموقع
الذين انتحلوا صفة بائعي أسلحة من
شركة بريطانية وهمية، وعرضوا بيع
سلاح لا وجود له على أرض الواقع
للهند، واتصلوا بمختلف المسئولين
والوسطاء، ومنهم "بانغارو
لاكشمان" رئيس الحزب الحاكم ، و"جايا
جيتلى" رئيسة حزب "سامتا"
المشارك في الحكومة، ومسئولين
بوزارة الدفاع الهندية، إلى جانب
عدد من الوسطاء من السياسيين
والبيروقراطيين والضباط الحاليين
والمتقاعدين.
فضيحة
على الإنترنت
وقد
قبل هؤلاء العمل لتمرير الصفقات
لصالح هذه الشركة الوهمية، لقاء
عمولات تحدد بنسبة معينة من قيمة كل
عقد.. وقام محررو الموقع الخبري
بتسجيل كل هذه المحادثات بكاميرات
سرية، وشُوهد رئيس الحزب الحاكم وهو
يقبل مبلغ مائة ألف روبية (كعربون)،
وأصرّ على أخذها في صورة دولارات!
كما شوهدت جايا جيتلى وهى تقبض مائتي
ألف روبية.. وهناك 32 آخرون ظهروا في
التسجيلات ممن قبلوا مبالغ معينة
وهدايا عينية قَيِّمَة (كعربون)،
ووعدوا بتمرير العقود، وتحدثوا
بتفصيل عن الشخصيات التي تساعد على
تمرير العقود، وعلى رأسها "براجيش
ميشرا" السكرتير الرئيسي لرئيس
الوزراء، الذي قال عنه أحد
المتحدثين في الأشرطة: إنه يتقاضى
عشرة ملايين روبية كحد أدني، ولا
يلتفت إلى الأسماك الصغيرة.
وكانت
تسجيلات موقع الإنترنت تهدف إلى
إثبات وقوع الفساد والعمولات
والرشاوى في صفقات الأسلحة في
الهند، وقد نجح في هذا أيّما نجاح،
ولم يعد بإمكان أحد الآن إنكار هذه
الحقيقة التي كان يجحدها السياسيون
في الحكم والبيروقراطيون في وزارة
الدفاع.
والشعب
الهندي يعرف تمام المعرفة أن الفساد
منتشر في جسد الهند كلها كالسرطان،
وليس في صفقات وزارة الدفاع وحدها؛
فلا يمكن تمرير أية صفقة أو الحصول
على مستحقات من الحكومة أو الحصول
على وظيفة حكومية أو تحريك ملف في
دواوين الحكومة إلا بمقابل معين،
يقاس بدقة وفق المنفعة العائدة
لصاحب المصلحة!.
وفضائح
عقود وزارة الدفاع تزكم الأنوف،
وعلى رأسها فضيحة مدافع "بوفورز"
السويدية التي اُتُّهم فيها رئيس
الوزراء الأسبق "راجيف غاندي"
وآخرون بتلقي رشاوى ضخمة، ولا تزال
هذه القضية وغيرها رهن التحقيق.
والجدير
بالذكر أن حزب بهارتيا جاناتا
الحاكم حاليا كان من أشد المنتقدين
لهذه الفضائح والمشهِّرين لها، وظل
يستخدم فضيحة بوفورز لإحراج حزب
المؤتمر إلى اليوم.. إلا أن الأمور لم
تتغير حين وصل هذا الحزب إلى سدة
الحكم قبل سنتين، وكل ما تغير هو
الأيدي المتلقية للرشاوى والعمولات
من السياسيين.
وقد
رفضت أحزاب المعارضة أي نقاش في
البرلمان حول الفضيحة وطالبت
الحكومة- بالإجماع- بالاستقالة،
وتقديم المتهمين للمحاكمة في هذه
الفضيحة التي وصفها حزب المؤتمر
المعارض بالانفجار النووي الثالث،
وذلك على اعتبار أن الجريمة مسجلة
وثابتة.
بل
وقررت بعض الأحزاب- وعلى رأسها حزب
المؤتمر- الخروج إلي الشارع، وإقامة
المظاهرات والاعتصامات في كل
المديريات في أرجاء الهند؛ للضغط
على الحكومة بالاستقالة.
وقد
سعت الحكومة من جانبها باتخاذ عدة
خطوات لتقليل وطأة الأزمة، وعلى رأس
هذه الخطوات وقف 7 مسئولين بوزارة
الدفاع؛ اثنان منهم برتبة جنرال. كما
قامت بإنشاء لجنة تحقيق رسمية
للتحقيق في ملابسات الفضيحة التي
كشفها الموقع الخبري.
وطلبت
الحكومة من المحكمة العليا تعيين
قاض لإجراء تحقيق قضائي في ملابسات
الفضيحة، إلا أن رئيس المحكمة
العليا رفض طلب الحكومة؛ متعللا بأن
كثرة القضايا المتراكمة في المحكمة
العليا لا تسمح له بتفريغ أي قاض،
إلا أن المحليين يرون أن هذا الرفض
المهذب يرجع إلى أن المحكمة العليا
ترفض أن تقوم بشيء يمكن أن يستخدم
ضدها كدليل على التستر أو مما ينال
من هيبتها لو رفض أحد الأطراف قبول
تقرير لجنة التحقيق، وهو أمر كثير
الوقوع في الهند؛ حيث يجري دفن
تقارير لجان التحقيق بصورة عامة،
بعد أن تؤدي لجان التحقيق دورها في
إخماد الضجة بسبب طول مدة كل تحقيق.
وقد
حدث ذلك من قبل حين رفضت حكومة ولاية
"ماهارشترا" قبول نتائج تحقيق
لجنة القاضي "سيريكريشنا" في
الاضطرابات الطائفية التي وقعت في
بومباي في أعقاب هدم المسجد البابري
سنة 1992.
وكان
رأس "بانغارو لاكشمان" رئيس
الحزب الحاكم (بهارتيا جاناتا) أول
الرؤوس التي طارت، إضافة إلى السبعة
الكبار في وزارة الدفاع الهندية،
كما استقالت جايا جيتلى، ثم استقال
وزير الدفاع جورج فرناديز الذي
أظهرت التسجيلات على لسان الأمين
المالي لحزبه أن الحزب قد تلقى حتى
الآن عمولات وتبرعات بمبلغ عشرة
ملايين دولار.
وكان
من تبعات الفضيحة خروج كلٍّ من حزب
"ترانمول" وحزب "جان شاكتي"
من الائتلاف الحاكم، وذلك لرغبة
الأحزاب في الابتعاد عن الوحل
المتطاير بسبب الفضيحة.
يا
رايح.. كتر من الفضائح
وكما
يقول المثل الشعبي "يا رايح.. كتر
من الفضائح"، جاءت هذه الهزة
الكبيرة بينما كانت الحكومة متهمة
بالفعل بارتكاب مخالفات وتلقي رشاوى
في عملية خصخصة مصنع "بالكو"
للألمونيوم، أحد أكبر مصانع القطاع
العام الهندي، والذي بيع بـ 119 مليون
دولار وسط اتهامات علنية بأن رشاوى
ضخمة قد دُفعت في هذه العملية، وأن
قيمة البيع أقل بكثير من القيمة
الحقيقية لأملاك المصنع.
كذلك
تحركت "هيئة اليقظة المركزية"
CVC، المناط بها كشف الفساد الحكومي
والتحقيق في وقائعه؛ فكتبت إلى
وزارة الدفاع تأمر بفتح باب التحقيق
في التهم القائلة بدفع رشاوى
وعمولات في صفقات وزارة الدفاع.
والمعلوم أن القانون الهندي يحرم
التعامل مع أي وسيط عند عقد صفقات
المعدات الحربية، ويلزم القانون
بضرورة التعامل رأسا مع المنتجين،
وهم ملزَمون بتقديم تعهدات بأنه لا
يوجد وسيط في الصفقة.
وقد
قام موقع "تهلكة" الخبري لاحقا
بنشر معلومات جديدة تظهر تورط مكتب
رئيس الوزراء في عقد الصفقات لقاء
عمولات معينة، تبلغ أحيانا 50 في
المائة من قيمة الصفقات. وما نشره
الموقع حتى الآن نَذْر يسير مما سجله
محرروه بكاميرات سرية عبر تحقيقات
استمرت لمدة 8 أشهر، وتوقفوا عن
عملهم عندما علموا بأن السلطات
والمخابرات قد تنبهت إلى حيلهم.
وقد
اختفى أحد هؤلاء المحررين مع زوجته؛
خوفا على حياته بعد أن تلقى تهديدات
من مجهولين بقتله. وجاء نقلا عن بعض
موظفي الموقع أن التسجيلات قد أرسلت
إلى الولايات المتحدة؛ خوفا عليها
في الهند حيث بدأت الحكومة تضايق
الموقع الذي يتهم الحكومة بتسليط
الشرطة والضرائب والجمارك عليه
لنبشه أوراقها وحساباتها
ومعاملاتها، إلا أن الرأي العام
المتعاطف بشدة مع الموقع منع
الحكومة حتى الآن من اعتقال أي من
مسئولي الموقع أو تسجيل قضية ضده.
كشف
صفقات مع إسرائيل
ومن
أهم ما كشفته هذه التحقيقات
العمولات الضخمة المدفوعة في
الصفقات العديدة التي أبرمت مع
شركات إسرائيلية لتوريد الأسلحة
والمعدات للهند، وعلى رأسها صفقة
تسييج الحدود في كشمير الهندية
بجدار إلكتروني بمبلغ 282 مليون دولار.
وتقول التسجيلات: إن الإسرائيليين
قد دفعوا فيها رشاوى للمسئولين
بوزارة الدفاع الهندية بمبلغ 70
مليون دولار.
واتضح
من التسجيلات وما قدمه موقع "تهلكة"
من معلومات أن وزير الدفاع قرر شراء
صواريخ "براك" الإسرائيلية،
رغم معارضة كل من رئاسة القوات
البحرية والدكتور "إيه بي جيه عبد
الكلام" مستشار رئيس الوزراء
لشئون الدفاع والمعروف بـ "أبو
الصاروخ الهندي".
وكانت
البحرية تفضل نظاما هجوميا بدلا من
نظام براك الإسرائيلي الذي يعتبر
نظاما دفاعيا. أما الدكتور عبد
الكلام فكان يفضل استخدام صاروخ "تريشول"
الهندي على سفن البحرية الهندية
بدلا من الصاروخ الإسرائيلي، إلا أن
وزير الدفاع لم يلتفت إلى آراء هاتين
الجهتين الرسميتين، وقرر شراء صاروخ
براك الذي تنتجه شركة "رافاييل"
الإسرائيلية.
وظهر
من التسجيلات أن العمولة في هذه
الصفقة قد بلغت 10 في المائة من
قيمتها التي بلغت 152 مليون دولار،
وكشفت التسجيلات أيضا أن الحكومة
الإسرائيلية مارست ضغوطا شديدة على
الحكومة الهندية لشراء صاروخ براك،
وزعم الإسرائيليون أنهم قد استثمروا
الكثير من المال والجهد لتطوير هذا
الصاروخ، وأنهم يبيعونه للهند بسعر
زهيد.
ولم
تقبل البحرية الهندية هذا العرض
الإسرائيلي، وجرى طرد الأميرال "ويشنو
بهاغوات" في السنة الماضية من
جراء معارضته لهذه الصفقة، واتهامه
للمسئولين بأخذ العمولات في صفقات
وزارة الدفاع، وتفضيل معدات رديئة
تهدد مستوى الاستعداد الحربي، وكان
بذلك أول ضابط بحرية رفيع الرتبة جرى
طرده من الخدمة في الهند.
وقد
تم اعتماد صفقة الصاروخ الإسرائيلي
بعد طرد الأميرال بهاغوات، وجرى
بالفعل تركيب هذا الصاروخ على حاملة
الطائرات الهندية "ويرات".
وتقول
المصادر: إن التكاليف النهائية لهذه
الصفقة ستبلغ 217 مليون دولار في
نهاية الأمر.. وكانت الشائعات تملأ
ردهات وزارة الدفاع والأوساط
السياسية الهندية حول عمولات هذه
الصفقة، إلى أن جاءت هذه التسجيلات
التي شوهد فيها مسئولو وزارة الدفاع
والوسطاء يتباهون عن دورهم في إبرام
الصفقات، ويكشفون حصص المسئولين من
مجموع قيمة الصفقات، ويتبرعون
بتفاصيل العمولات في مختلف الصفقات
السابقة..
كما
شوهد في التسجيلات أحد الوسطاء يقول:
إن مندوب الشركة الإسرائيلية دفع له
مبلغ عشرة ملايين روبية (217300 دولار)
كعربون قائلا: "إنه يمكنه
الاحتفاظ بالمبلغ حتى لو لم تفز
الشركة الإسرائيلية بالصفقة!".
اتهام
المخابرات الباكستانية
وقد
قرر حزب بهارتيا جاناتا الحاكم
اتخاذ موقف هجومي بدلا من الدفاع في
التعامل مع التهم الموجهة إلى بعض
زعماء الحزب، وخصوصا المقربين من
رئيس الوزراء، وبدأ الحزب يذكر أنها
مؤامرة من خصومه السياسيين لتلطيخ
سمعة زعمائه.. وذهب وزير الدفاع
المستقيل إلي حد الزعم بأن
المخابرات العسكرية الباكستانية (آي.
إس. آي) هي التي تقف وراء هذه العملية.
وهناك
تكهنات راجت بأن جناح وزير الداخلية
"أدواني" هو الذي يقف وراء هذه
العملية؛ حيث إن كل الذين سقطوا أو
على وشك السقوط محسوبون على رئيس
الوزراء الذي يمثل الجناح الآخر
المعتدل في حزب بهارتيا جاناتا الذي
يرأس الائتلاف الحاكم.
كما
أن هناك تكهنات قوية بأن الأزمة
ستعجل حل الحكومة وإجراء انتخابات
جديدة لحسم الموقف، بينما أعلن حزب
المؤتمر أنه مستعد لتشكيل وزارة
جديدة بالتحالف مع أحزاب علمانية
أخرى.. وهذا تغير كبير على سياسة هذا
الحزب الذي ظل يرفض حتى الآن- وبصورة
مبدئية- الدخول في التحالف مع أحزاب
أخرى على مستوى الحكومة المركزية.
|