|

ميانمار..
سياحة في سجن كبير
جاكرتا-
صهيب جاسم- إسلام أون لاين.نت -17-3-2001
تقوم
شركة لونلي بلانيت الشهيرة، المهتمة
بالسياحة والنشر السياحي بتوزيع
كتاب إرشادي عن السياحة في ميانمار (بورما
سابقا)، التي تقع في جنوب شرق آسيا،
وهو ما صدم الكثيرين من العاملين في
مجال حقوق الإنسان في الدول الغربية
والإسلامية.
ومبعث
الصدمة لدى منظمات حقوق الإنسان، هو
قيام هذه الشركة بالترويج للسياحة
في ميانمار في الوقت الذي يستمر
العسكريون المسيطرون على سدة الحكم
في اضطهاد الأقليات الدينية
المسيحية والمسلمة؛ حيث تستضيف دول
آسيوية مجاورة اللاجئين
الميانماريين من المسلمين
الأراكان، والمسيحيين الكارين،
الهاربين من الحرب التي تشنها
الحكومة ضدهما.
آخر
الأحداث التي ألمت بالمسلمين هناك
في مطلع شهر فبراير الماضي؛ حيث
قُتِلَ 450 مسلماً وجُرِحَ 1500 في
صدامات مع البوذيين الذي يشكلون
الأغلبية في ميانمار.
ومع
أن بعض الدول الآسيوية والمراقبين
الآسيويين يرون أن السياحة في
ميانمار لها إيجابياتها من الناحية
السياسية والدينية؛ فإن منظمتين
انطلقتا من لندن مؤخرا للمناداة
بمقاطعة العروض السياحية إلى
ميانمار، مؤكدين أن مثل هذه العروض
هي التي أجبرتهم على إشاعة نداء
المقاطعة والمطالبة حتى بعدم شراء
المرشد السياحي لميانمار، الذي صدر
ضمن سلسلة لونلي بلانيت السياحية
المتداولة عالميًّا بشكل واسع، حتى
أطلق أحدهم على هذه السياحة اسم "سياحة
في الجحيم"، وسماها آخر "سياحة
في السجن الكبير".
لكن
الشركة السياحية ردّت عليهم بأنها
قد تحدثت عن انتهاكات حقوق الإنسان
في الكتاب الإرشادي، وأن نسبة من ريع
مبيعاته سيُتبَرَّع بها إلى لجان
حقوق المرأة والبيئة في ميانمار
التي سُمِّيت بهذا الاسم منذ عام 1988
بعد أن تغير الحكم العسكري فيها،
وقمعت المظاهرات الطلابية الواسعة،
وفي عام 1990 أجهض التحول الديمقراطي؛
حيث رفض العسكر تسليم الحكم إلى
الرابطة الوطنية للديمقراطية التي
فازت بأغلبية ساحقة في الانتخابات
بشكل لم يتوقعه الجنرالات.
المعارضة
تطالب بالمقاطعة
من
جانبها قالت الزعيمة الديمقراطية
أونغ سوكي مخاطبة الراغبين في
المجيء للسياحة بأن "أموالكم التي
تصرفونها لن تذهب إلى جيوب الفقراء؛
ولكنها ستقوي من حكم العسكر
والجنرالات"، وانطلاقا من موقفها
انطلقت حملات مقاطعة السياحة إلى
ميانمار لمواجهة حملة جذب السياح
الغربيين والبوذيين إليها، وتقول
براتيشيا بارنيت، التي تعمل في
الحملات المضادة للسياحة في بعض
البلدان :"إن الرابطة الوطنية
للديمقراطية ذات شرعية أكبر من
الجنرالات، وهم يطالبوننا بعدم
زيارة بلادهم، وعلينا أن نستجيب
لمطالبهم".
وقد
شعر كثير من المستثمرين الأجانب
بخيبة أمل بعد قرابة عشر سنوات من
فتح الحكومة العسكرية أبواب بلادها
لاستثماراتهم، وعلى رأسها بناء
الفنادق الكبيرة؛ فبعض المشاريع
توقفت عن البناء قبل استكمالها،
فيما لا يزيد معدل الغرف
المستأجَرَة في أكبر فندق في
العاصمة يانغونغ التابع لمجموعة
فنادق شانغيرلا عن 25-30% مقارنة بـ60-70%
في فنادق العواصم السياحية
الآسيوية، ويرجع هذا إلى نجاح
الحملة الإعلامية المضادة في عدد من
البلدان كأستراليا وبريطانيا التي
توقفت فيهما بعض الشركات عن تنظيم
رحلات جماعية إلى ميانمار في الأشهر
الماضية، خاصة بعد أن ركّزت منظمة
العمل الدولية على قضية العمالة
الإجبارية بدون أجر حتى في المشاريع
السياحية التي يروح ضحيتها الآلاف
من فقراء الأقليات العرقية
والدينية، ومن ذلك في إصلاح مدينة
باغان ( وتسمى باغين أيضا) القديمة في
عام 1998 وبنائها، لكن البعض من سكان
باغان ممن لم يعملوا في بنائها قسرا
حسبما أكدته المنظمات الدولية يشعر
بأن السكان بدءوا يستفيدون من قدوم
السياح إليهم.
ويقول
مجموعة من الأطباء الألمان الذين
زاروا ميانمار مؤخرا لتقديم العلاج
المجاني لفترة قصيرة: إن المقاطعة
التي يجب التركيز عليها هي مقاطعة
الشركات الكبيرة للمشاريع النفطية
والغازية والاستثمارات البعيدة عن
رجل الشارع والمواطن العادي؛ لكن
قطاع السياحة من القطاعات القليلة
التي يمكن للمواطن الميانماري في
الظروف الحالية الاستفادة منها.
باغان
كبرى المدن الكبيرة
وتُعَدُّ
باغان من المناطق الأكثر جذبا
للسياح؛ ففيها 50000 معبد بوذي بُنِيَت
في الفترة التي برزت فيها الحضارة
الدينية والقومية ما بين القرنين
الحادي عشر والرابع عشر الميلاديين،
وتُعتبَر مشابهة لمعابد أنغكور وات
في كبموديا والأهرامات في مصر،
ويزورها السياح في النهار، ويعودون
إليها ليشاهدوا منظر غروب الشمس
بالقرب من نهر إرواداي؛ فيما يزورها
الآسيويون لهدف ديني وليس ترفيهيًّا
كالسياح الغربيين، ومعظم الشركات
السياحية التي تنظم رحلات جماعية
تجلب سياحا من فرنسا وإيطاليا
واليابان وسنغافورة، لكن عدد السياح
الأفراد قل بشكل كبير بسبب الحملة
الإعلامية ضد الحكومة في الخارج.
"الحصار
لن يضر العسكر"
ويبقى
السؤال الذي يُعَدُّ من القضايا
الساخنة بين زعماء رابطة آسيان
وزعماء منظمة الوحدة الأوروبية وهو:
هل سينفع الحصار في إسقاط الحكم
العسكري؟! فالآسيويون يرون أن
الحصار لا يضر إلا الشعب مع بقاء
الحكومة محافظة على زمام الأمور من
خلال استثمارات كثيرة غير معلنة،
ومشاريع تجارية وتصدير للمخدرات
وغيرها… ويؤيدهم كاتب المرشد
السياحي من شركة لونلي بلانيت فيقول
جوي كومنيغس: "صدقوني إنني أتمنى
أن يسقط الحكم العسكري كأي شخص آخر؛
لكن الحكم على الدولة والشعب
بالعزلة لن ينفع، وليس هناك مؤشر
واحد حتى الآن على نجاح سياسة الحصار
في إسقاط العسكر، وإنني ما زلت
مقتنعا بأن ذلك لن يجلب سوى آثار
سلبية على المواطنين".
ويضيف
محرر الكتاب السياحي في نهاية كلامه
في صفحتين عن الإيجابيات والسلبيات
من الذهاب إلى ميانمار :" إن
السياحة تظل أحد القطاعات القليلة
التي يمكن للمواطن العادي العمل
فيها، وأي انخفاض في عدد السياح إلى
ميانمار يعني تدهورا في مستوى الدخل
لمن يعملون في هذا القطاع من
الميانماريين؛ ولذلك نرى أن
الإيجابيات تتغلب على السلبيات في
أمر زيارة هذا البلد".
تضارب
موقف سياسيي المنفى ورجل الشارع
سائقو
سيارات الأجرة، والموظفون في
الفنادق، والعاملون في المرافق
السياحية، وكل ما يمت للسائحين
بصلة، يرفضون هذا الرأي؛ فسائق
سيارة الأجرة يحصل من العمل في خدمة
السياح على 10 دولارات في اليوم
الواحد، وهو ما يُعادل مرتب شهر كامل
لموظف صغير في الحكومة، ولربما زاد
عليه.
وتشير
التقديرات إلى أن السياحة في
ميانمار تتيح العمل لـ 100 ألف مواطن
بشكل مباشر، ويستفيد منها بشكل غير
مباشر مليون عامل وموظف آخرين في
قطاعات أخرى، والرأي الذي يردده
معظم هؤلاء: "نريد سياحا ونريد
أموالا مستثمرة.. والإصلاحات
السياسية ستأتي فيما بعد".
وفي
مقابل ذلك، وبعد أكثر من عِقْد على
الحصار المفروض على بلادهم، يظل
السياسيون المعارضون الذين يعيشون
في المنفى يدعون للحصار ويؤيدونه
طامحين في إسقاط الحكومة والوصول
إلى الحُكْم، وقد تراجع الكثير من
المؤيدين للمعارضة عن موقفهم بعد
عناء طويل وسجن وملاحقة لهم، وعادوا
يبحثون عن تحسين مستوى معيشتهم
بعيدا عن السياسة؛ فيما يظل
المنفيون يصيحون من بعيد دون التقدم
خطوة للاقتراب من حدود بلادهم.. وفي
النهاية لم تبع لونلي بلانيت من
كتابها السياحي عن ميانمار في العام
الماضي سوى خمسة آلاف نسخة مقارنة
بخمسين ألف نسخة من الكتاب الإرشادي
عن تايلاند المجاورة لها.
يُذكَر
أن ميانمار تقع في جنوب شرق آسيا على
خليج البنغال، وجيرانها بنجلاديش
والهند غربا، والصين ولاوس وتايلاند
في الشرق، وقد خضعت للاستعمار
البريطاني، واستقلت عنه عام 1962 غير
أنها شهدت تقلبات بين حكم مدني
وعسكري؛ مما أحدث عدم استقرار في
البلاد خلال العقود الأربعة الماضية.
|