|

فرنسة
الجزائر لمواجهة العسكريين
نور الدين العويديدي - إسلام أون لاين.نت/ 15-3-2001
استفحلت
الخلافات في الجزائر بين التيارين
العروبي الإسلامي من جهة والعلماني
الفرنكفوني من جهة ثانية، بشأن
إصلاح المنظومة التربوية، ودور
اللغتين العربية والفرنسية في
التعليم.
ووصل
الخلاف بين الطرفين إلى درجة أن
محفوظ نحناح وهو رئيس حزب إسلامي
بارز دعا الرئيس الجزائري عبد العزيز
بوتفليقة إلى الرحيل عن السلطة
لدعمه إصلاحات للمنظومة التربوية من
شأنها علمنة التعليم وتغريبه لغة
ومحتوى. واستخدام هذه الإصلاحات
لنيل دعم فرنسا في صراعه مع المؤسسة
العسكرية.
ويفسر
محللون سياسيون دعم بوتفليقة للتيار
الفرانكوفوني المنادي بالفرنسة
بأنه تم لإقناع الحكومة الفرنسية
بالانحياز لصالحه في صراعه مع قادة
المؤسسة العسكرية في بلاده.
وكشف
مصدر مقرب من لجنة إصلاح المنظومة
التربوية أن اللجنة التي يغلب على
عناصرها التوجه الفرنكفوني تتجه إلى
إقرار تعديلات من شأنها أن تمكن
اللغة الفرنسية في المدرسة
الجزائرية بقوة.
وقال
المصدر إن اللجنة تتجه إلى جعل اللغة
الفرنسية إلزامية منذ السنة الثانية
من التعليم الأساسي، إضافة إلى
تدريس المواد العلمية مثل:
الرياضيات والفيزياء والكيمياء
والمواد التقنية بهذه اللغة بدلا من
اللغة العربية.
وقال
المصدر إن أغلبية في اللجنة رفضت
اعتماد اللغة الإنجليزية بدلا من
الفرنسية في التعليم, رغم مطالبة
التيار العروبي والإسلامي بجعلها
وسيلة الجزائر للانفتاح على العالم
بدلا من اللغة الفرنسية.
وقال
المصدر إن ممثلي التيار العروبي
والإسلامي في اللجنة، والذين يطمحون
إلى أن يكون التعليم الجسر المجسد
للهوية العربية والإسلامية في صفوف
الناشئة الجزائرية، قد اقترحوا أن
تكون اللغة الإنجليزية هي لغة
التواصل مع العالم الخارجي، بدلا من
الفرنسية، باعتبار أن الإنجليزية هي
لغة العلوم والتقنية، وأن الفرنسيين
أنفسهم صاروا يترجمون عنها العديد
من المبتكرات العلمية والتقنية، وأن
الجزائريين لا يحتاجون إلى وساطة
اللغة الفرنسية للانفتاح على العالم.
وتوقع
المصدر التربوي أن يثير تقرير
اللجنة المكون من 286 صفحة جدلا حادا
في أوساط الساحة السياسية والثقافية
الجزائرية على قاعدة الخلاف بين
التيارين العروبي والإسلامي
والتيار الفرنكفوني، في قضايا
التعريب وحجم تدريس اللغتين
الفرنسية والإنجليزية في المدرسة
الجزائرية.
وقال
المصدر إن التيار العروبي والإسلامي
في اللجنة تمسك بالإبقاء على تدريس
المواد العلمية والتقنية باللغة
العربية، وعدم الرجوع إلى تدريسها
بالفرنسية، كما كان عليه الحال في
مرحلة الاستعمار الفرنسي للجزائر،
وإن ممثلي هذا التيار اشتكوا مرات
كثيرة من محاولة تهميشهم داخل
اللجنة، وعدم الأخذ باقتراحاتهم،
وأضاف أن تسيير اللجنة أظهر الغياب
الشديد للديمقراطية؛ مشددا على أن
التيار الفرنكفوني أثبت، بما لا يدع
مجالا للشك، أنه غير مستعد لاحترام
الديمقراطية، إذا تعلق الأمر بمصلحة
اللغة الفرنسية. ووصف المصدر تقرير
اللجنة بأنه مجرد "تقرير محام
ومرافعة لصالح اللغة الفرنسية"،
حسب قوله.
وكان
رئيس اللجنة قد أعلن في تصريحات
صحفية قبل أسابيع أن لجنته تتجه إلى
إقرار الفرنسية لغة أساسية في
المدارس الجزائرية، وهي التصريحات
التي لقيت ترحيبا واسعا لدى
الفرنسيين، وروجت لها وكالة الأنباء
الفرنسية بشكل واسع.
وأثارت
لجنة إصلاح المنظومة التربوية لغطا
كبيرا في الشارع الجزائري منذ
تشكيلها قبل أقل من عام، وقيل ساعتها-
على نطاق واسع في الجزائر- إن الرئيس
عبد العزيز بوتفليقة عمد إلى حل لجنة
قائمة، مشكلة من كوادر تربوية عالية
ومؤهلة وغير مُحَزَّبَة، وشكل بدلا
من ذلك لجنة غلب على عناصرها
الانتماء للتيار الفرنكفوني
والبربري المتطرف المعادي للغة
العربية وللحضارة الإسلامية.
الإسلاميون..
يهاجمون بوتفليقة
وقد
أثارت خطوات بوتفليقة التيار
الإسلامي، سواء في الحكم أو
المعارض؛ حيث هاجم الشيخ محفوظ
نحناح رئيس حركة مجتمع السلم (حماس)-
المشاركة في الائتلاف الحاكم، في
أكثر من مرة- الرئيس بوتفليقة بسبب
استعماله اللغة الفرنسية بدلا من
العربية. وهاجم نحناح بوتفليقة في
أحدث حواراته، داعيا إياه إلى تسوية
علاقته بالمؤسسة العسكرية، والعدول
عن تهميش العربية في بلادها أو
الرحيل عن الحكم.
ويقول
الباحث الفرنسي "فرنسوا بورغا"
في كتابه الشهير "الإسلام السياسي:
صوت الجنوب" إن سياسة التعليم في
بلدان المغرب العرب، وبالخصوص في
الجزائر والمغرب وتونس، ضاعفت عدد
الذين يتكلمون الفرنسية في هذه
البلدان عشر مرات، في نحو عشرين عاما
من رحيل المستعمر الفرنسي.
وكانت
فرنسا، التي تميز استعمارها
بالتركيز على الأبعاد الثقافية
واللغوية، قد فشلت في دفع شعوب
المغرب العربي إلى تكلم اللغة
الفرنسية، ومكنها قادة الاستقلال في
البلدان المغاربية؛ مما فشلت في
تحقيقه في فترة هيمنتها المباشرة
على هذه البلدان.
وتعتبر
الجزائر أكثر الدول المغاربية تضررا
في هذا الجانب، إذ أثرت اللغة
الفرنسية على اللهجة العامية
الجزائرية بشدة؛ بسبب طول فترة
الاستعمار الفرنسي التي دامت 130 عاما
كاملة. لكن الحكومات الجزائرية
المتعاقبة على حكم البلاد، منذ
بداية الاستقلال، حاولت تعريب
التعليم كرد فعل على المظالم
التاريخية الفرنسية، إلا أن
الفرنكفونيين، الذين يسميهم
الجزائريون باسم "حزب فرنسا"،
اعتبروا التعريب سبب كل البلايا
والمصائب التي عرفتها الجزائر.
ونشطت
صحف هذا التيار وأحزابه في تشويه
التعريب، واعتباره سبب ظهور التطرف
والأصولية في البلاد. ونجح العديد من
قادة هذا التيار في العشرية الماضية
في الاستفادة من النظام، الذي تشكل
بعد الانقلاب على الرئيس الأسبق
الشاذلي بن جديد، وتخويف الحكام
الجدد من "الأصولية" و"الإرهاب
الإسلامي"، ودعوته لإعادة مجد
اللغة والثقافة الفرنسية،
باعتبارها ستكون الحاجز الأكبر أمام
"المد الأصولي"، على حد زعمه.
|